العاهل الأردني بلقطة أرشيفية
العاهل الأردني بلقطة أرشيفية

كان العاهل الأردني، الملك عبدالله الثاني، محظوظا بلقاء الرئيس الأميركي، جو بايدن، للمرة الثانية خلال وقت قصير، وشهدت اجتماعات الملك حفاوة، وإشادات من القيادات الأميركية بالعلاقات المشتركة، والدور الذي يلعبه الأردن، ورغم ذلك وجه الملك انتقادات لافتة للإدارة الأميركية قبل أن يُغادر أراضيها.

ونبه الملك إلى أن الزعماء العرب يشعرون أن أميركا تُدير ظهرها لهم، وأن الدور الروسي كان مهما للأمن الوطني الأردني، ولا يمكن الاستغناء عنه، لأنه ضمن التهدئة على الحدود مع سوريا، وأعاد التذكير بأنه دون حل القضية الفلسطينية ستعود المخاطر أكبر.

المقابلة التي أجراها الملك في البرنامج العسكري الذي ينتجه معهد هوفر بجامعة ستانفورد، ويقدمه الجنرال المتقاعد، هربرت ماكماستر، كانت حافلة بالرسائل المباشرة، والمشفرة للإدارة الأميركية، وأظهر أن الزيارة الملكية كانت أكثر من مباحثات لتعزيز العلاقات الأردنية الأميركية، وبحث حزم المساعدات.

والواضح أن العاهل الأردني يحاول أن يلعب دور الوسيط ما بين زعماء عرب والرئيس بايدن، لكسر الجليد في العلاقات التي سادت منذ توليه الرئاسة في البيت الأبيض، وتجنبه التواصل المباشر والاتصال مع بلدان كان قد وضع فيتو عليها، ووصفها قبل وصوله إلى سدة الرئاسة بأنها "منبوذة".

العتاب والانتقادات التي طرحها الملك في المقابلة التلفزيونية فسرت على أنها خلافات تتعمق، خاصة بعد الحرب الروسية على أوكرانيا، وتعمُّد زعماء عرب السير بخلاف الرؤية والمقاربة الأميركية للأزمة، ولهذا كان حديث السفير الأميركي في عمّان، هنري ووستر، كأنه محاولة لترقيع العيوب التي طفت على سطح العلاقات، فيقول ووستر: "العلاقة الأميركية الأردنية كانت قوية، واستمرت قوية، وهي الآن أقوى من أي وقت مضى".

وتابع "مصلحة أميركا أن يكون الأردن قويا ليس عسكريا، ولكن اقتصاديا أيضا"، ويحسم الموقف بالتأكيد" قطعا لن يكون ضعف الأردن من مصلحة الولايات المتحدة".

في المقابلة التلفزيونية محطّات من الضروري التوقف عندها وبحث تداعياتها، وربما أهمها الإشارة إلى أن الوجود الروسي في جنوب سوريا كان يُشكل مصدرا للتهدئة، وهذا الفراغ - بعد الانسحاب الروسي- سيملؤه الإيرانيون ووكلاؤهم، وهو ما قد بتسبب بتصعيد محتمل على الحدود الأردنية السورية.

في الأشهر الماضية، شهدت الحدود تصعيدا بعدما اعتبر الأردن أن قيادات عسكرية سورية، بشراكة وتعاون منظم وممنهج مع مليشيات إيرانية، تخوض حرب "الكبتاغون "ضدها، وهو ما اقتضى تغيير قواعد الاشتباك عسكريا، واستخدام القوة.

حرب المخدرات أصبحت تُشكل تحديا، وخطرا إذا ما اقترنت بتنظيمات يعتبرها الأردن إرهابية، وبناء على ذلك ترى عمّان أن الغياب الروسي يضر بأمنها الوطني، سواء اتفقت معها واشنطن بذلك، أو خالفتها.

القضية الثانية التي يُثيرها الملك أن الزعماء العرب لن ينتظروا بعد اليوم واشنطن لتقدم لهم الحلول، لهذا يشير إلى أنه بحث مع قادة عرب إيجاد حلول للمشاكل التي يعاني منها الإقليم، وتحمل عبئها الثقيل، بدل الذهاب إلى الولايات المتحدة لحل القضايا العالقة.

طرْح هذا الكلام في هذا التوقيت مهم، فهو ليّ ذراع للإدارة الأميركية التي تريد تحشيد الجميع خلفها في صراعها مع روسيا، وبالتأكيد واشنطن لن تفلح في حشد التأييد لمواقفها إذا كانت تغلق أبوابها في وجه حلفائها بذرائع مختلفة، والملك الأردني يعرف أن هذا هو أوان التحرك لضرب أحجار الدومينو الصامدة داخل المؤسسة السياسية الأميركية، والتي لديها تابوهات سياسية تريد تطبيقها على مسطرتها في العلاقات والسياسة الخارجية.

يُعطي الملك دولة الإمارات كمثال على العلاقات غير العادلة التي تمارسها أميركا، وفي ظلال التصريحات تعود للواجهة العلاقات مع ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، والذي تصر إدارة بايدن على تجنب التواصل معه، وكذلك الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي.

الانزعاج السعودي واضح، ولا يحتاج تفسيراً، وولي العهد، الحاكم الفعلي للسعودية، في حديثه إلى مجلة "أتلانتيك" الأميركية أكد أنه "لا يهتم" بما يفهمه الرئيس الأميركي عنه، مذكّرا أن الأمر يرجع له "للاهتمام بمصالح أميركا"، وفي ذلك مكاسرة سياسية غير مباشرة وتهديد مبطن، ويبدو الأمر أكثر جلاءً حين يقول للإدارة الأميركية "ليس لديكم الحق في التدخل في شؤوننا الداخلية".

لا توجد ثوابت في السياسة، فالمصالح زاجرة، آمرة، والرئيس بايدن سيبدأ جولة هذا الشهر يتوقع أن يقفز خلالها على الكثير من الخطوط التي التزم بها، وأوّلها اللقاء بولي العهد السعودي، وربما يكون اللقاء جماعيا على هامش قمة مجلس التعاون الخليجي، وهو ما فعله الرئيس السابق، دونالد ترامب.

ومن الاحتمالات التي يعمل عليها الأردن ترتيب قمة مصغرة تجمع بعض الزعماء العرب وفي مقدمتهم الرئيس الإماراتي، محمد بن زايد، والأمير بن سلمان، والرئيس المصري، والمرجح أن يضم رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، وإن استطاع الملك إعادة عملية السلام إلى الواجهة سيكون رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، معهم.

القضية، أو الملف الثالث، الذي يؤشر إليه الملك في حديثه، القضية الفلسطينية، وهو يرى أن التقدم في العلاقات التطبيعية بين دول عربية وإسرائيل، وإن تقدمت خطوتين، فإنها تتراجع خطوتين، وتلحق الضرر بالمصالح الأميركية، ما لم تجد حلا عادلا.

بعد الخروقات، والانتهاكات المتوالية من قبل الاحتلال الإسرائيلي لحرمة المسجد الأقصى، وتصريحات الرئيس الإسرائيلي المتنكرة للوصاية الهاشمية، وبعد اغتيال الصحفية شيرين أبو عاقلة، لا يملك الأردن سوى المواجهة، ويرى أن الإدارة الأميركية الجديدة بعد ترامب لم تفعل شيئا حتى اللحظة في دعم مسار التسوية السياسية، أو فرملة اندفاع الحكومات الإسرائيلية نحو التطرف، والتنافس فيما بينها على دعم التوحش الاستيطاني، وتجاوزاته المستمرة.

شهر حزيران (يونيو) الجاري سيشهد تحركات إقليمية، والملك استبقها برسائل لتأطير المشهد لعله يقطف الثمار، أو يُقلل الخسائر، وفي نفس الوقت يعيد ترسيخ حضوره كلاعب فاعل من البوابة الأميركية، فهو الذي فُرِش له السجاد الأحمر مرتين في البيت الأبيض، والآخرون يتفرجون، وينتظرون.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!