صورة تعبيرية تظهر لافتة على الطريق بين دمشق وحلب - ديسمبر 2017
صورة تعبيرية تظهر لافتة على الطريق بين دمشق وحلب - ديسمبر 2017

لطالما اعتبرت سلاح التكفير الذي يشهره رجال الدين المتشددون على كل من يخالفهم الرأي ومن على غير شاكلتهم سلاحا تافها وخطيرا في نفس الوقت. وتتمثل تفاهته في أنه سلاح في متناول كل من هب ودب ممن يعتقدون بأن حصولهم على شهادات من كليات الشريعة يعطيهم الحق للتعبير عن إرادة الله وإصدار الأحكام باسمه.

والوضع الطبيعي هو أن تكون أحكام التكفير بلا قيمة، بل محل تندر وسخرية من تفاهتها وضحالة تفكير من أصدروها لولا وجود من يعتقدون أن لديهم الحق في تنفيذ إرادة الله بإزهاق أرواح من صدرت بحقهم فتاوى التكفير وهنا مكمن خطورة سلاح الفتوى.

أحد أوضح الأمثلة على تفاهة سلاح التكفير هو أن التنظيمات الجهادية التي تدعي أنها بصدد إقامة دولة الله على الأرض تكفّر وتقاتل بعضها بعضا، تنفيذا ولذلك نجد أن تنظيم القاعدة مثلا يرى أن الدواعش خوارج يجب قتالهم، فيما يرى الدواعش أن جماعة القاعدة خارجون من الملة.

أحدث ما تابعت من تفاهات رجال الدين المتشددين حكما بالردة أصدره رجل الدين اللبناني، المقيم في بريطانيا، عبد الرحمن دمشقية، على رجل دين آخر يدعى عبد القادر الحسين يعرف نفسه على صفحته بموقع توتير بأنه "أستاذ التفسير وعلوم القرآن في جامعات دمشق والفرات ومعهد الشام العالي وجامعة يلوا".

والأغرب في فتوى دمشقية هو صدورها بسبب تعليق الحسين على قصة وردت في كتاب "إحياء علوم الدين" للعزالي، جاء فيها أن أبو تراب انتقد أحد المريدين حين قال بأن رؤيته لله شعلته عن رؤية أبو يزيد البسطامي ليرد عليه أبو تراب بقوله: "والله لو رأيت أبا يزيد مرة كان أنفع لك من أن ترى الله سبعين مرة". حين سئل الحسين إن كان يعقل أن شخصا يقول هذا الكلام، رد بقوله: "نعم يعقل. وهذا كلام لا غبار عليه وهو حق مبين". في معرض تكفيره للحسين، نشر دمشقية فيديو قال فيه: "أشهد أنك مرتد عن الإسلام. أشهد الله أنك مرتد عن الإسلام."

قصة أخرى تابعتها مؤخرا تكشف تفاهة التكفير وخطورته في الوقت ذاته، ألا وهي قصة تكفير الناشطة اليمنية الحائزة على جائزة نوبل توكل كرمان لأنها نصحت امرأة كولومبية دخلت حديثا إلى الإسلام بأن لا تغير اسمها، والا تغير طريقة لبسها وألا تفارق زوجها إن لم يتحول إلى الإسلام.

هذه النصائح التنورية أثارت حفيظة المتشددين الذين لا يرون تناقضهم الفاضح حين يصرون على صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، وفي الوقت ذاته يصرون على التمسك بأحكام العصور الأولى للإسلام وعادات وتقاليد قبائل الجزيرة العربية وإلزام كل مسلمي ومسلمات العالم على الالتزام بها.

ردا على نصائح كرمان، نشر اليوتيوبر السلفي المصري أبو عمر الباحث، فيديو على قناته، اتهم فيه كرمان بالترويج لـ"الإسلام الأميركي" فيما علق سلفي مصري آخر يدعى مصطفى الشرقاوي الذي يدير قناة "شؤون إسلامية" على اليوتيوب بقوله: "بعد مشاهدة هذا الفيديو وقبله منشورات كفرية واضحة، أقطع بأن هذه المرأة تصد عن سبيل الله ولا حظ لها من الإسلام. توكل كرمان ليست مجرد علمانية تريد الحرية لنفسها، فهي تحتفظ بحجابها الذي تصفه بالتخلف هي مكلفة من أعداء الله وتعمل وفق خطة واضحة. العيب على الأشخاص الذين يصدقون كلامها."

أما الفتوى التكفيرية التي جمعت بين التفاهة والتخلف هي تلك التي أصدرها رجل الدين المصري مصطفى العدوي، الذي اعتبر أن النباتيين الذين يعتقدون "صحة ما يقولون فهم كفرة لأنهم يحرّمون ما أحل الله."

وكما أسلفت، فإن هذه الفتاوى وأمثالها تظل بلا قيمة وبلا وزن، إلا حين يحاول أحد المتهورين تطبيق حد الردة على من صدرت الفتوى بحقهم، عندها يتحول من أصدروا تلك الفتاوى إلى محرضين على القتل من حق السلطات توجيه تهمة التحريض إليهم، ومطالبة السلطات القضائية بإصدار أقسى الأحكام بحقهم.

وإلى أن تلفظ المجتمعات المسلمة رجال الدين المتشددين، وإلى أن يتحلى المسلمون بالجرأة اللازمة للرد عليهم وإنكار تشددهم وتوضيح خطورة فتاواهم التكفيرية، سيواصل المتطرفون إصدار فتاوى التكفير التافهة وتصوير الإسلام كدين لا يصلح لهذا الزمان ولا حظ له سوى بين الجهلاء وفي أوساط المجتمعات المتخلفة.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.