عادت الطبقة السياسية اللبنانية الحاكمة لتلتئم على نحو جلي في أول جلسة للبرلمان بعد الانتخابات النيابية! جاءت بنبيه بري رئيساً للمجلس النيابي لمرة سابعة، وبالياس أبو صعب (من التيار العوني) نائباً له.
المهمة طبعاً استئناف وظيفتها المتمثلة أولاً بحماية موقع نظامها في المحاور الإقليمية، وما يؤمن هذه المهمة طبعاً حزب الله وسلاحه، وثانياً مواصلة الهيمنة على ما تبقى من ثروات ومقدرات، وهي على رغم أنها صارت شحيحة، لا تزال تمثل طموحاً لقوى النظام، لا سيما وأن البحث جارٍ بما أطلق عليه اسم "الصندوق السيادي"، ووظيفته بحسب أهل النظام "إدارة أملاك الدولة وتعويض الخسائر الناجمة عن الانهيار".
إذاً ثمة وليمة جديدة على مائدة الفاسدين. والتهام أملاك الدولة تتطلب نصاباً سياسياً تستأنف فيه الطبقة الحاكمة قدرتها على مواصلة النهب. لا ينطوي هذا الكلام على أي مبالغة، فلا حدود لوقاحة أهل النظام في لبنان.
هذه الطبقة السياسية تريد أن تسوق لـ"الصندوق السيادي"، وتريد أن تديره على نحو ما أدارت الدولة على مدى العقود الثلاثة الفائتة. أملاك الدولة ستكون في عهدة من سطوا على ثروات الناس، وهم لم يقوموا بأي جهد ليخفوا فعلتهم، ولم يترددوا للحظة عن الكشف عن نواياهم!
في ذروة التنافس الانتخابي أعلن النظام أنه لن يتراجع خطوة واحدة عما ارتكبه، وهو قدم وجوهاً في لوائحه الانتخابية تؤكد رغبته في استئناف الوظيفة التي بدأها منذ عقود، وأكثرها وضوحاً خوضه معركة إيصال صاحب بنك الموارد، مروان خير الدين، إلى المجلس النيابي، فعل ذلك في موازاة فضيحة مجلجلة عبر تسريبات كشفت أن الرجل متورط بفضيحة موثقة.
ففي أواخر عام 2019 وتحديداً في الشهر العاشر منه، وبعد أن أعلنت المصارف اللبنانية إطباقها على ودائع اللبنانيين، كشفت تسريبات موثقة أن بنك الموارد لصاحبه المرشح الخاسر على لائحة الثنائي الشيعي في الجنوب، خير الدين، أقدم على تحويل مبلغ 5.5 مليون دولار إلى الخارج لمصلحة نجل حاكم مصرف لبنان، ندي رياض سلامة، وقبل ذلك بنحو أسبوعين كان أقدم على تحويل مبلغ مليون دولار لنفس المستفيد من حسابه الشخصي لدى بنك الموارد إلى الخارج أيضاً.
من أين حصل مصرف مروان خير الدين على المبلغ، أي على 5.5 مليون دولار لكي يحولها إلى الخارج؟ في حينها كانت المصارف قد أعلمت المودعين أن مدخراتهم، التي يبلغ مجموعها نحو 80 مليون دولار صارت في عهدة مصرف لبنان الذي أقرضها للدولة، وبقي منها في ذلك الوقت نحو 20 مليار دولار هي قيمة الاحتياطي الإلزامي، الذي، بحسب سلامة، لا يمكن المس به، منعاً لبلوغنا قعر الهاوية!
السطو هنا عملية موصوفة لا يتوسط بينها وبين حقيقتها أي ادعاء أو مواربة. سرقة للودائع لمصلحة نجل حاكم المصرف المركزي ندي سلامة. لسنا حيال شكوك أو ارتياب، خصوصاً أن الفاعل لم يوضح.
اللص الفاعل يحمل خريطة الكنز ويشهرها بوجهنا من دون خجل من فعلته، بينما غالبية اللبنانيين لم تكن قادرة على تحويل مبالغ ضئيلة لحاجيات أساسية. جرى ذلك في ذروة انتفاضة اللبنانيين، وفي الصبيحة التي استيقظوا فيها على هول المنهبة – الثالثة الأقوى في التاريخ الحديث..
يأخذنا هذا الوضوح إلى قضية الصندوق السيادي. السلطة نفسها تريد بيع أصول الدولة وتسليم ثمنها لرياض سلامة ومروان خير الدين، أو ما يوازيهما من أركانها.
يريدوننا أن نسلم "الصندوق السيادي" لهذه السلطة، بعد أن أقدمت على السطو المعلن والموثق والذي تشكل الـ5.5 مليون دولار (تحويلات ندي سلامة) عينة صغيرة منه.
المبلغ الموثق إذا ما وزعناه على مودعين صغاراً كنا أتممنا سداد ودائع نحو 600 مواطن. رياض سلامة ونجله ندي ابتلعا مدخرات 600 مواطن، وتولى عضو لائحة الثنائي الشيعي مروان خير الدين تسهيل المهمة لهما، ولم يحرك أحد ساكناً، ذاك أن الجميع ينتظر الوليمة الجديدة، أي أملاك الدولة وصندوقها السيادي.
من سيكون مدير هذا الصندوق؟ فتجاربنا مع الصناديق ليست أحسن من تجربتنا مع رياض سلامة. هل تذكرون صندوق المهجرين، ومجلس الجنوب ومجلس الإنماء والإعمار؟ السلطة المتواطئة ذاتها ستكون على رأس هذا الصندوق. قبلان قبلان صار نائباً ولا يمكن نقله من مجلس الجنوب إلى الصندوق السيادي، وسلفه في المجلس هاجر إلى أفريقيا وهو اليوم ينعم بثروته فيها.
إذاً علينا أن ننتظر جبران باسيل لكي يعين لنا مديراً للصندوق الجديد نظراً لنجاحه الباهر في وزارة الطاقة على رغم العتمة التي نعيشها.
لهذه الأسباب، لا لغيرها عادت الطبقة السياسية والتأمت في جلسة لبرلمان الأولى!

