زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى السعودية هي قيد الخطوات اللوجيستية الأخيرة ومتوقعة قبل نهاية الشهر، لترسخ بذلك الانعطاف الأميركي وشبه العودة الى الأسس التقليدية في العلاقة بعد تعثرات العامين الفائتين.
الزيارة التي بدأ العمل عليها منذ ثلاثة أشهر أحاطتها مفاوضات وحراك ديبلوماسي بين واشنطن والرياض، لترطيب المناخ وضمان تحولات جيوسياسية واستراتيجية تساعد الطرفين.
اليوم، الزيارة متوقع أن تتم قبل توجه بايدن إلى ألمانيا وقمة مجموعة السبع التي تبدأ في 26 يونيو. ومن المرجح أن يزور بايدن إسرائيل والأراضي الفلسطينية قبل توجهه إلى الرياض.
مما لا شك فيه أن الزيارة هي إنجاز ونجاح لولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بخلط أوراق بايدن، وإجبار البيت الأبيض على إعادة حساباته بالنظر للعلاقة مع الرياض على وقع أسعار النفط والتحولات الاقتصادية التي قامت بها المملكة.
بايدن الذي تعهد خلال الحملة أن يجعل السعودية دولة "منبوذة" يتراجع ويتوجه إليها في أول زيارة لدولة عربية له. فرغم سعي دول إقليمية لجذب اهتمام بايدن وزيارة عواصمهم، اختار البيت الأبيض الرياض نظرا للبعد الاستراتيجي والاقتصادي والإقليمي للمملكة.
أهمية الزيارة لن تكون بإعلان سياسي أو صورة تذكارية بل بإعادة العلاقة السعودية-الأميركية إلى مسار ثابت يحفز الاستقرار الاقليمي والدولي. فما سبق الزيارة من تعاون ومفاوضات بين الجانبين أوصل إلى هدنة في اليمن وزيادة في إنتاج النفط ومحادثات دفاعية تشمل مصر وإسرائيل حول جزر تيران وصنافير.
بالنسبة للسعودية، الزيارة هي إقرار أميركي علني وضمني بنجاح محمد بن سلمان في فرض معطيات اقتصادية وجيوسياسية أدت إلى تراجع في الموقف الأميركي. ففي بداية إدارة بايدن، قال البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي يتحدث فقط مع الملك سلمان بن عبد العزيز ووقف التراتبية الرئاسية، وهو ما أضر بالعلاقة مع ولي العهد. وجاء رفع الحوثيين عن لائحة الإرهاب ليزيد من التشنج في علاقة متشنجة أصلا بعد مقتل جمال خاشقجي.
اليوم، بايدن سيلتقي بالأمير محمد، والتراتبية الأميركية لم تعد موجودة، لا بل أن وزيري الدفاع والخارجية لويد أوستن وأنتوني بلينكن التقيا بنائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، خلال زيارة واشنطن.
سياسيا، ترسخ الزيارة وكما أكد الكاتب ديفيد إغناشيوس نهج "ريل بوليتيك" والواقعية السياسية فوق الاعتبارات الأخرى. فالسعودية دخلت في المعترك الحزبي الأميركي واضحت بعد مقتل الخاشقجي شعارا انتخابيا بين اليسار واليمين، مما زاد الأزمة.
اليوم أمام بايدن فرصة لإعادة التوازن للعلاقة مع أكبر منتج للنفط في العالم بشكل سيفيده انتخابيا قبل معركة الانتخابات النصفية في نوفمبر. فالناخب الأميركي يهمه اليوم سعر غالون المحروقات أكثر من أي قضية إنسانية في الشرق الأوسط. هذه المعادلة أدركتها السعودية ولعبتها بمهارة، خصوصا بعد غزو روسيا لأوكرانيا، بشكل فرض النقلة الأميركية.
هناك فرصة أمام الرياض أيضا للخروج من مربع دونالد ترامب والانقسام الحزبي الأميركي بتأسيس علاقة استراتيجية وثابتة مع بايدن. فحرب فلاديمير بوتين على أوكرانيا لن تنتهي في أي وقت قريب، والصين رغم جبروتها الاقتصادي لا تملك الأوراق الدفاعية والإقليمية التي هي بحوزة واشنطن.
زيارة بايدن للمملكة هي إقرار ولو متأخر بتاريخية واستراتيجية العلاقة مع السعودية، وفرصة للبحث جديا في هيكلية أمنية للخليج واقتصادية نفطية للغرب تتخطى تهديدات إيران بالنسبة للمنطقة وتهديدات بوتين بالنسبة للأوروبيين.

