استخدم الرئيس التركي سلاح اللاجئين السوريين ضد دول الاتحاد الأوروبي
استخدم الرئيس التركي سلاح اللاجئين السوريين ضد دول الاتحاد الأوروبي

من حيث التوقيت لا يوجد أسوأ من ذاك الذي اختاره الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ليعرقل طلبات انضمام فنلندا والسويد إلى حلف الناتو، عبر ربط موافقته بشروط لا علاقة لها بالحلف أو السياق الراهن للأحداث. وهي خطوة اعتبرها كثيرون بمثابة ابتزاز واضح للبلدين لتغيير سياستهما بشأن المسألة الكردية.

وفي الوقت الذي تبحث فيه العديد من البلدان الأوروبية عن طرق جديدة لتعزيز أمنها بعد التهديد الكبير الذي شكله الغزو الروسي لأراضي أوكرانيا، فإن تركيا تتصرف على نحو يتسم بالأنانية المفرطة.

ويمكن استشعار الغضب المكتوم لدى بعض الدول الأعضاء في الحلف ولا سيما بريطانيا والولايات المتحدة وربما بولندا وغيرها، من الموقف التركي، خاصة أن طلبات العضوية الجديدة تعتبر ملحة بالنظر إلى المخاطر القائمة.

لكن من الناحية الأخرى فإن النظام الداخلي للناتو ينص على ضرورة الحصول على موافقة جميع الدول لضم أعضاء جدد، وفي الوقت نفسه فإنه لا يتحدث عن أي إجراء يمكن اتخاذه لتفادي أية معارضة من هذه الدولة أو تلك.

والأسوأ أنه لا ينص على إمكانية طرد أية دولة عضو لأي سبب من الأسباب.

وأقصى ما يمكن القيام به ضد هذه الدولة هو عزلها أو تهميشها، على أمل أن تنسحب طواعية. لكن ذلك لن يحدث في حالة تركيا التي تدرك أنها مستفيدة من الحلف أكبر بكثير من فائدة الحلف من وجودها فيه.
فلولا هذه العضوية لما تمكنت من التنمر على جارتها اليونان مثلا أو القيام بمغامراتها في شرق المتوسط أو سوريا أو غيرها من المناطق. فهي تدرك أنها كانت لتدفع ثمنا غاليا في كل واحدة من هذه المغامرات.

هناك من يقول إن تركيا قدمت خدمات كبيرة وجليلة لحلف الناتو ولا سيما خلال الحرب الباردة مع الاتحاد السوفييتي السابق، وأنها حمت خاصرته الجنوبية. وهذا صحيح دون شك، لكن تركيا منذ عشرين عاما تقريبا لم تعد ذلك الحليف نفسه الذي يجري الحديث عنه.

فقد أظهرت على نحو متزايد ضعفا في المصداقية وعدم إمكانية الوثوق بها.

وإضافة إلى المماحكات والعقبات التي وضعتها في وجه الولايات المتحدة لاستخدام أراضيها وقت الحروب والعمليات العسكرية في المنطقة، فقد أظهرت أيضا ترددا في التعاون الاستخباراتي مع الأجهزة الأميركية.

كما عززت حكومة إردوغان من علاقتها مع التنظيمات الإرهابية مثل جبهة النصرة وحركة حماس وغيرهما، وخلال السنوات الأولى للأزمة السورية كانت تركيا بمثابة الجسر للمسلحين الذين التحقوا بتنظيم داعش.

واستخدم الرئيس التركي سلاح اللاجئين السوريين ضد دول الاتحاد الأوروبي وعمل على ابتزازهم، وأظهر ميلا واضحا نحو الديكتاتورية وقمع المعارضين في الداخل التركي.

ورغم التحذيرات الأميركية الواضحة والصارمة، مضت الحكومة التركية قدما في شراء صواريخ إس 400 الروسية. وهو الأمر الذي دفع البنتاغون إلى تعليق المساهمة التركية في صناعة المقاتلة إف 35.

وكان واضحا أن حكومة إردوغان تعاملت على الدوام مع الغرب ليس من منطلق الحليف أو الشريك وإنما وفق منطق الانتهازي الذي يستغل الفرص ويساوم ويبتز من أجل الحصول على مكاسب ومنافع آنية وخاصة.

وموقفها من عضوية فنلندا والسويد يندرج في هذا الإطار، ولا يستبعد أنها ربما تتطلع إلى روسيا للحصول على منافع من موقفها هذا.

كل ذلك يلقي علامات استفهام حول جدوى بقاء تركيا في حلف الناتو وما إذا كانت تنتمي إليه بالفعل.

بالطبع هناك من يجادل بأن ثمة فرق بين تركيا كبلد وبين حكومة إردوغان الإخوانية، وأنه لا ينبغي الحكم على تركيا انطلاقا من السياسات الحالية. وهذا الرأي لديه الكثير من الوجاهة، وفي الواقع هو الذي يجعل الكثيرين في الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة يتحملون صلافة الرئيس التركي وتصريحاته المستفزة ومغامراته التي لا تنتهي، وذلك اقتناعا منهم بأن مرحلة إردوغان مهما طالت سوف تنتهي، أما تركيا فتظل بلدا مهما لحلف الناتو وللعلاقات بين الشرق والغرب. لكن هذه الحجة تواجه مع ذلك تحديات متزايدة اليوم، ومع كل خطوة استفزازية تقوم بها حكومة إردوغان وخاصة في المجال الأوروبي، يتناقص صبر الدول الغربية تجاه أنقرة، ويفقد الداعون إلى التريث واعتماد أسلوب الصبر المزيد من حججهم المعنوية وقدرتهم على التبرير والإقناع.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.