من جولة "شراكة" في جنوب شرق الولايات المتحدة.
وفد شراكة مع حاكم ولاية جورجيا بريان ب. كيمب والقنصل العامة الإسرائيلية آنات سلطان.

مرت الدبلوماسية بالعديد من التحولات في السنوات الأخيرة وتطورت إلى شيء مختلف تماماً عما كانت عليه. لقد غير عصر المعلومات بشكل جذري قطاعات عدة، بما في ذلك الإعلام والتعليم والسياسة والدبلوماسية بالتأكيد.  لم تعد الدبلوماسية التقليدية، والتي كانت مقتصرة على العلاقات الحكومية الدولية، الواجهة الوحيدة للدبلوماسية. أصبح تعزيز الروابط بين البلدين يعتمد الآن أيضا على عامة الشعب، فيما يعرف بدبلوماسية المواطن.

يمكن تعريف دبلوماسية المواطن على أنها تفاعل غير رسمي يهدف إلى التأثير على الرأي العام من أجل مساعدة القادة في حل النزاعات أو إدارتها. فهي تقدم الحلول الممكنة دون مفاوضات رسمية، ويمكن أن يكون المواطنين الدبلوماسيين أساتذة جامعات أو باحثين أو طلبة أو رجال أعمال أو رياضيين أو فنانين أو عاملين في المجال الإنساني أو سائحين. وفي المقابل، الدبلوماسية التقليدية هي ما يقوم به المبعوث الدولي أو الدبلوماسي لتحسين العلاقات بين الحكومات من خلال التواصل مع مبعوث دولي آخر.

إن أهمية دبلوماسية المواطن تكمن في الحالات المعقدة خاصة عندما يستفحل سوء فهم الطرف الآخر بسبب عدم التواصل، ولعل الذي ميز الاتفاقيات الإبراهيمية أنها ركزت على السلام الدافئ أو السلام بين الشعوب بعكس اتفاقيات السلام السابقة، ولهذه الأسباب أنشئت عدة منظمات وشبكات، مثل منظمة "شراكة"، تدعم هذا التوجه لدعم عميلة السلام الذي لن يتحقق بدون معرفة الشعوب لبعضها البعض لكي تتمكن من التعاون في جميع المجالات والذي سيصب في مصلحة الجميع.

ورغم أن "شراكة" منظمة غير حكومية هدفها الأساسي توطيد فكرة دبلوماسية المواطن بين مواطني دول الاتفاقيات الإبراهيمية، فإنها في الوقت نفسه تقوم بالتنسيق مع الجهات الحكومية مثل السفارات والقنصليات في حال سفر أعضائها إلى دول مختلفة لتوطيد عملية السلام. 

ومن هنا تضح أهمية تقبل الدبلوماسيين والمسؤولين لفكرة دبلوماسية المواطن، وقد شاهدنا هذا التقبل بالفعل من خلال زيارة وفد "شراكة" إلى الولايات المتحدة. فقنصلية إسرائيل في جنوب شرق الولايات المتحدة في أتلانتا ونورث كارولينا تحت قيادة القنصل العام، آنات سلطان، جسدت التكامل الناجح بين الدبلوماسية التقليدية ودبلوماسية المواطن. وقد شاهدت بنفسي العمل المتفاني للقنصلية بدمج الدبلوماسية التقليدية ودبلوماسية المواطن، وذلك من خلال استثمار الدبلوماسيين في القنصلية وعلى رأسهم القنصل العام في مهارات أعضاء "شراكة" في زيارتهم إلى نورث كارولينا وأتلانتا بين 21 مارس و25 مارس 2022 لجعل الزيارة ناجحة بأكبر قدر ممكن. 

وما جعل زيارة وفد "شراكة" ناجحة هي أن القنصلية، وبدعم من القنصل العام، تدرك تماماً أهمية دبلوماسية المواطن في تحقيق المهمة المتمثلة في تعزيز السلام وإظهار الأثر الإيجابي للاتفاقيات الإبراهيمية. فقد تضمن جدول وفد أعضاء منظمة "شراكة" اجتماعات مع أعضاء الكونغرس ومجلس مدينة رالي وعمدة دورهام والمسؤولين في المتحف الدولي للحقوق المدنية وأعضاء هيئة التدريس والطلبة من جامعات مختلفة، وكل ذلك بتنسيق مع الدبلوماسيين والقنصل العام، الذين كانوا مرافقين لنا في كل هذه الاجتماعات. 

ومن خلال هذه الاجتماعات، أدرك الوفد أن هناك عددا كبيرا، لا سيما في الجامعات الأميركية، معارضين أو مشككين للاتفاقيات الإبراهيمية. يمكن تفسير ذلك لعدة أسباب منها ازدياد نسبة معاداة السامية بشكل ملحوظ في الجامعات الأميركية والشعور السيء تجاه دول الخليج. فضلاً عن رفض قبول الاتفاقيات الإبراهيمية لأنها تمت تحت إدارة ترامب. أما البعض الآخر لا يتقبل معاهدات "سلام" هذه لأنها تمت مع دول الخليج وإسرائيل ولم تكن بينهم حرب، والبعض يجادل بأنه يجب أولاً إحلال السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

في ضوء هذه التحفظات، من الواضح أن التحديات كبيرة ولا شك أن الاعتماد على الدبلوماسية التقليدية فقط لن يؤدي إلى نتيجة مرغوبة. يقول خبراء في الدبلوماسية إن دبلوماسية المواطن تعزز دور الجهات الفاعلة غير الحكومية، لا سيما في العلاقات الصعبة بين الدول، وتساعد في حل النزاعات العميقة الجذور التي لا يستطيع القادة السياسيون والدبلوماسيون حلها بمفردهم.

القنصل العام، آنات سلطان، دبلوماسية محترفة، تدرك كل هذه التحديات وتدرك إمكانات دبلوماسية المواطن. وكان هذا واضحاً عندما قالت، "معاداة السامية لا تزال مستمرة، والعنصرية لا تزال موجودة، ولهذه الأسباب من المهم العمل معاً. الغرض من هذا الوفد نشر السلام والتعلم من بعضنا البعض، حتى نتمكن من بناء شرق أوسط خال من النزاعات. من المهم أن نجمع جميع الأطراف معاً لأنه فقط من خلال التفاهم المتبادل يمكننا إحداث التغيير". 

إن السمة المميزة لدبلوماسية المواطن هي التفاعلات غير الرسمية بين الشعوب، ولكن هذا لا يعني أنها غير رسمية بالكامل. فدبلوماسية المواطن تكمل لكنها بالتأكيد لا تحل محل الدبلوماسية المؤسسية التي تتمحور حول الدولة، والتي ستستمر في كونها الوسيلة المهيمنة التي يتم من خلالها سن السياسة الخارجية. وقد ذكر بعض صانعي السياسة الخارجية أن إشراك الجهات الفاعلة غير الحكومية في الدبلوماسية العامة يمكن أن يعزز القوة الناعمة للدولة. هذا يعيد إلى الأذهان كلمات جوزيف ناي، الذي كتب أن "القوة الناعمة - جعل الآخرين يرغبون في النتائج التي تريدها - تتعاون مع الشعوب بدلاً من إكراههم".

لكي تنجح دبلوماسية المواطن كأداة فعالة لحل النزاعات، يجب أن تظل غير رسمية بينما يتم توجيهها من الحكومات أيضاً. لذلك، يتعين على المؤسسات الدبلوماسية أن تأخذ دبلوماسية المواطن على محمل الجد وأن تعتبرها مكونا ضروريا وليست غير ضرورية للجهود الدبلوماسية، بسبب قوتها في الإقناع خاصة عندما تكون تحت إشراف مهني. تعتبر القنصلية الإسرائيلية في جنوب شرق الولايات المتحدة نموذجا يحتذى به باستثمارها لدبلوماسية المواطن بطريقة مهنية للغاية، وسيكون من الحكمة أن تتبع المعاهد الدبلوماسية الأخرى في دول الخليج العربي نفس هذا النهج.
 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.