مرت الدبلوماسية بالعديد من التحولات في السنوات الأخيرة وتطورت إلى شيء مختلف تماماً عما كانت عليه. لقد غير عصر المعلومات بشكل جذري قطاعات عدة، بما في ذلك الإعلام والتعليم والسياسة والدبلوماسية بالتأكيد. لم تعد الدبلوماسية التقليدية، والتي كانت مقتصرة على العلاقات الحكومية الدولية، الواجهة الوحيدة للدبلوماسية. أصبح تعزيز الروابط بين البلدين يعتمد الآن أيضا على عامة الشعب، فيما يعرف بدبلوماسية المواطن.
يمكن تعريف دبلوماسية المواطن على أنها تفاعل غير رسمي يهدف إلى التأثير على الرأي العام من أجل مساعدة القادة في حل النزاعات أو إدارتها. فهي تقدم الحلول الممكنة دون مفاوضات رسمية، ويمكن أن يكون المواطنين الدبلوماسيين أساتذة جامعات أو باحثين أو طلبة أو رجال أعمال أو رياضيين أو فنانين أو عاملين في المجال الإنساني أو سائحين. وفي المقابل، الدبلوماسية التقليدية هي ما يقوم به المبعوث الدولي أو الدبلوماسي لتحسين العلاقات بين الحكومات من خلال التواصل مع مبعوث دولي آخر.
إن أهمية دبلوماسية المواطن تكمن في الحالات المعقدة خاصة عندما يستفحل سوء فهم الطرف الآخر بسبب عدم التواصل، ولعل الذي ميز الاتفاقيات الإبراهيمية أنها ركزت على السلام الدافئ أو السلام بين الشعوب بعكس اتفاقيات السلام السابقة، ولهذه الأسباب أنشئت عدة منظمات وشبكات، مثل منظمة "شراكة"، تدعم هذا التوجه لدعم عميلة السلام الذي لن يتحقق بدون معرفة الشعوب لبعضها البعض لكي تتمكن من التعاون في جميع المجالات والذي سيصب في مصلحة الجميع.
ورغم أن "شراكة" منظمة غير حكومية هدفها الأساسي توطيد فكرة دبلوماسية المواطن بين مواطني دول الاتفاقيات الإبراهيمية، فإنها في الوقت نفسه تقوم بالتنسيق مع الجهات الحكومية مثل السفارات والقنصليات في حال سفر أعضائها إلى دول مختلفة لتوطيد عملية السلام.
ومن هنا تضح أهمية تقبل الدبلوماسيين والمسؤولين لفكرة دبلوماسية المواطن، وقد شاهدنا هذا التقبل بالفعل من خلال زيارة وفد "شراكة" إلى الولايات المتحدة. فقنصلية إسرائيل في جنوب شرق الولايات المتحدة في أتلانتا ونورث كارولينا تحت قيادة القنصل العام، آنات سلطان، جسدت التكامل الناجح بين الدبلوماسية التقليدية ودبلوماسية المواطن. وقد شاهدت بنفسي العمل المتفاني للقنصلية بدمج الدبلوماسية التقليدية ودبلوماسية المواطن، وذلك من خلال استثمار الدبلوماسيين في القنصلية وعلى رأسهم القنصل العام في مهارات أعضاء "شراكة" في زيارتهم إلى نورث كارولينا وأتلانتا بين 21 مارس و25 مارس 2022 لجعل الزيارة ناجحة بأكبر قدر ممكن.
وما جعل زيارة وفد "شراكة" ناجحة هي أن القنصلية، وبدعم من القنصل العام، تدرك تماماً أهمية دبلوماسية المواطن في تحقيق المهمة المتمثلة في تعزيز السلام وإظهار الأثر الإيجابي للاتفاقيات الإبراهيمية. فقد تضمن جدول وفد أعضاء منظمة "شراكة" اجتماعات مع أعضاء الكونغرس ومجلس مدينة رالي وعمدة دورهام والمسؤولين في المتحف الدولي للحقوق المدنية وأعضاء هيئة التدريس والطلبة من جامعات مختلفة، وكل ذلك بتنسيق مع الدبلوماسيين والقنصل العام، الذين كانوا مرافقين لنا في كل هذه الاجتماعات.
ومن خلال هذه الاجتماعات، أدرك الوفد أن هناك عددا كبيرا، لا سيما في الجامعات الأميركية، معارضين أو مشككين للاتفاقيات الإبراهيمية. يمكن تفسير ذلك لعدة أسباب منها ازدياد نسبة معاداة السامية بشكل ملحوظ في الجامعات الأميركية والشعور السيء تجاه دول الخليج. فضلاً عن رفض قبول الاتفاقيات الإبراهيمية لأنها تمت تحت إدارة ترامب. أما البعض الآخر لا يتقبل معاهدات "سلام" هذه لأنها تمت مع دول الخليج وإسرائيل ولم تكن بينهم حرب، والبعض يجادل بأنه يجب أولاً إحلال السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
في ضوء هذه التحفظات، من الواضح أن التحديات كبيرة ولا شك أن الاعتماد على الدبلوماسية التقليدية فقط لن يؤدي إلى نتيجة مرغوبة. يقول خبراء في الدبلوماسية إن دبلوماسية المواطن تعزز دور الجهات الفاعلة غير الحكومية، لا سيما في العلاقات الصعبة بين الدول، وتساعد في حل النزاعات العميقة الجذور التي لا يستطيع القادة السياسيون والدبلوماسيون حلها بمفردهم.
القنصل العام، آنات سلطان، دبلوماسية محترفة، تدرك كل هذه التحديات وتدرك إمكانات دبلوماسية المواطن. وكان هذا واضحاً عندما قالت، "معاداة السامية لا تزال مستمرة، والعنصرية لا تزال موجودة، ولهذه الأسباب من المهم العمل معاً. الغرض من هذا الوفد نشر السلام والتعلم من بعضنا البعض، حتى نتمكن من بناء شرق أوسط خال من النزاعات. من المهم أن نجمع جميع الأطراف معاً لأنه فقط من خلال التفاهم المتبادل يمكننا إحداث التغيير".
إن السمة المميزة لدبلوماسية المواطن هي التفاعلات غير الرسمية بين الشعوب، ولكن هذا لا يعني أنها غير رسمية بالكامل. فدبلوماسية المواطن تكمل لكنها بالتأكيد لا تحل محل الدبلوماسية المؤسسية التي تتمحور حول الدولة، والتي ستستمر في كونها الوسيلة المهيمنة التي يتم من خلالها سن السياسة الخارجية. وقد ذكر بعض صانعي السياسة الخارجية أن إشراك الجهات الفاعلة غير الحكومية في الدبلوماسية العامة يمكن أن يعزز القوة الناعمة للدولة. هذا يعيد إلى الأذهان كلمات جوزيف ناي، الذي كتب أن "القوة الناعمة - جعل الآخرين يرغبون في النتائج التي تريدها - تتعاون مع الشعوب بدلاً من إكراههم".
لكي تنجح دبلوماسية المواطن كأداة فعالة لحل النزاعات، يجب أن تظل غير رسمية بينما يتم توجيهها من الحكومات أيضاً. لذلك، يتعين على المؤسسات الدبلوماسية أن تأخذ دبلوماسية المواطن على محمل الجد وأن تعتبرها مكونا ضروريا وليست غير ضرورية للجهود الدبلوماسية، بسبب قوتها في الإقناع خاصة عندما تكون تحت إشراف مهني. تعتبر القنصلية الإسرائيلية في جنوب شرق الولايات المتحدة نموذجا يحتذى به باستثمارها لدبلوماسية المواطن بطريقة مهنية للغاية، وسيكون من الحكمة أن تتبع المعاهد الدبلوماسية الأخرى في دول الخليج العربي نفس هذا النهج.

