اتهامات ضخمة بالتحرش داخل مدرسة لبنانية
"كل الأمهات لسن مثاليات وكل الآباء ليسوا كذلك، ولا يجب أن نتوقع منهم ذلك!".

لا.. الأم ليست شخصا مقدسا ولا معصوما. الأم قد تخطئ في حق نفسها وفي حق زوجها وفي حق أبنائها. الأم قد تكون شخصية سامة/مضرة (toxic person). ونفس الكلام قد ينطبق على عدد من الآباء.

مناسبة هذا الكلام هو استغراب الناس حولنا من أي شخص قد يشتكي من سلوكيات سلبية أو ضارة من أحد الوالدين، وتحديدا من الأم، على اعتبار أن الأخيرة لا يمكن إلا أن تكون جيدة، بل ومثالية.  مقدسة. وهذا غير صحيح..

منذ أيام قليلة، انتشر على وسائل الإعلام المصرية خبر جريمةِ قتل قامت بها أم شابة مصرية (بمستوى جامعي) في حق أطفالها الثلاثة، تاركة رسالة لزوجها تعتذر وتبرر جريمتها، قبل أن تحاول الانتحار.

الجريمة بشعة، هذا أمر أكيد. لكنها ليست استثنائية: عشرات الآباء والأمهات قتلوا أبناءهم، وعشرات الأبناء قتلوا آباءهم أو أمهاتهم! أخبار كهذه نسمع عنها بشكل دوري في الإعلام وفي محيطنا؛ والتصور الاستيهامي الذي يملكه البعض عن "مجتمع مثالي" غير حقيقي. 

كل الأمهات لسن مثاليات وكل الآباء ليسوا كذلك، ولا يجب أن نتوقع منهم ذلك!

الحقيقة الأولى التي يجب أن نواجهها هي أن معظمنا يستهين بالأمراض النفسية وأن الكثير من جرائم القتل المشابهة يتسبب فيها المرض النفسي. المعطيات المتوفرة حاليا بخصوص جريمة القتل التي قامت بها الأم المصرية لا تمكننا من تدقيق المعطيات بخصوصها، لكن الكثير من الجرائم المشابهة يَثبت فيها أن القاتل أو القاتلة كانوا يعانون من مرض نفسي مستفحل استهانت به العائلة، أو أخذته\أخذتها إلى راق شرعي أو أي مشعوذ يدعي علاجهم.

ولعل أولى السبل للحد من هذه الجرائم هي أن نعي أن الطبيب النفسي ليس ترفا أو عارا نخجل منه! الحكومات، بدورها، عليها أن توفر ما يكفي من المستشفيات النفسية التي تعالج المرضى في ظروف تحترم كرامتهم.

لكن هذا ليس كل شيء. الحقيقة الثانية المهمة والمحورية هي أن كل الناس ليسوا مؤهلين لأن يصبحوا آباء وأمهات. 

للأسف، معظم الناس يعتبرون الزواج والإنجاب من "ضروريات الحياة". القليلون فقط يسائلون هذا الاختيار ويتساءلون إن كانوا مستعدين له فعلا. كما أن الأغلبية تعتبر أن الاستعداد والجاهزية ماديان فقط: عمل قار، أجرة مناسبة، سكن، "جهاز" في المجتمعات التي تنتشر فيها ثقافة جهاز العروس، صداق، وغير ذلك من الأمور المادية.

لكن الزواج ليس خطوبة وعرسا واحتفالا.. والزواج ليس شقة وأثاثا. الزواج اختيار حياتي ليس سهلا. بل أنه فعلا أمر غريب ومستفز أن نفكر في كل التفاصيل المادية، وأن ننسى أو نتناسى ما يلي حفلة الزفاف: الحياة المشتركة! 

أما الإنجاب، فهو معضلة اجتماعية أكبر. كم عدد الأشخاص والأزواج الذين يفكرون جديا قبل الإنجاب؟ كم عدد الأفراد والأزواج الذين ينجبون دون تفكير، فقط لأن تلك "سنة الحياة" ولأنهم تزوجوا وأن المرحلة "الطبيعية" اللاحقة هي الإنجاب؟ 

إن كنا نستطيع الانفصال عن الزوج\الزوجة إن استحالت العشرة؛ فإن الأطفال مسؤولية أعظم وهي ليست مسؤولية مادية فقط، بل مسؤولية نفسية وتربوية ومعنوية رهيبة. فكم من الأشخاص يسائلونها ويفكرون فيها جديا قبل قرار الإنجاب؟ كم من الأشخاص يمارسون ضغطا رهيبا على الآخرين من أجل الزواج الإنجاب، دون أن يسائلوا أنفسهم: هل هذا الشخص، رجلا كان أو امرأة، وخارج كل اعتبارات مادية، مؤهل لدور الأمومة أو الأبوة؟ هل هو مستعد لها؟

في المثال الوارد أعلاه، عدم أهلية الأم، نفسيا، للزواج والإنجاب أدى لجريمة قتل بشعة. النتيجة فيها موجعة وواضحة للعيان. لكن، في آلاف الحالات الأخرى، لا تكون النتيجة بهذا الوضوح: رجال ونساء غير مؤهلين نفسيا، يتزوجون وينجبون ليدمروا شريكهم نفسيا أو ينجبوا وينتجوا عاهات نفسية ومجتمعية نراها بالمئات حولنا.

حين نشجع رجلا (أو نضغط عليه) من أجل الزواج والإنجاب لأنه يملك الإمكانيات المادية لذلك، أو نشجع امرأة (نضغط عليها) لكي "لا يفوتها القطار"... لنتذكر أن القطار قد يقتل في طريقه أشخاصا آخرين ذنبهم أنهم نتاج مجتمع لا يسائل إحدى أهم القرارات التي قد يأخذها المرء في حياته. والقتل ليس دائما جريمة نراها بالعيان!

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.