موسكو
روسيا في المرتبة 136 على مؤشر منظمة الشفافية الدولية. أرشيفية

تعرّف منظمة الشفافية الدولية الفساد بأنه "إساءة استغلال السلطة المؤتمنة من أجل المصلحة العامة"، ويقوم المؤشر الذي تصدره المنظمة سنويا بترتيب الدول حول العالم حسب درجة مدى ملاحظة وجود الفساد في الموظفين والسياسيين.  

بحسب مؤشر العام 2021، جاء تصنيف الاتحاد الروسي في المرتبة 136، حيث يطال الفساد فيه بشكل بارز مجالات الرعاية الصحية والتعليم والإسكان والخدمات المجتمعية وخدمات الضمان الاجتماعي على مستوى العقود والمشتريات الحكومية وإصدار التصاريح والشهادات ووكالات تطبيق القانون وتوزيع الأراضي والبناء. 

ومن المعروف أن المعارض الروسي "أليكسي نافالني" كان قد فضح الفساد في مناقصات وعقود الحكومة، قبل أن يتم رسميا حظر مؤسسته FBK الخاصة بمكافحة الفساد في العام 2021 باعتبارها "منظمة متشددة" واتهامها من قبل مسؤولي بلاده "بتكذيب سلطات الدولة وسياساتها". 

عن موضوع الفساد في قطاع الاسكان تحديدا، ورغم استمرار الرقابة الحكومية المركزية على السينما الروسية العريقة، تمكن المخرج وكاتب السيناريو الروسي الشاب "يوري بيكوف" من تقديم فيلم ذكي بعنوان "الأحمق" 2014، الذي حاز على تقييمات نقدية عالمية رفيعة، وما زال يحظى بإعجاب ومشاهدات عالية على منصات المشاهدة الرقمية حتى اليوم، يعرّفه صانعه بأنه" ميلودراما اجتماعية"، لكنه فيلم يحمل دلالات خاصة ويمكن قراءته من زوايا مختلفة تتجاوز هذا التعريف.  

تتلخص قصة فيلم "الأحمق" حول شاب سبّاك لديه ميل فطري لمساعدة المجتمع، لكنه يعاني من ضغوط مالية وأسرية بسبب نزاهته وضميره الحيّ، حيث تطالبه أسرته باستمرار بالكف عن هذه النزاهة في سبيل تحسين دخله، في محاولة يائسة مستمرة لإفساده ودفعه لتلقي الرشى كالآخرين والتماهي مع مجتمعه الفاسد. 

يُستدعى السباك في وقت متأخر من ليلة باردة لإصلاح عطل طارىء في شقة تقع في بناء يشكل واحداً من مجمع سكني شعبي قديم، ليكتشف حينئذ أن البناء مائل وفيه شق طولي يمتد من أخمص كعب أساساته المعمارية حتى سطحه، فيقدّر من نفسه وبذعر شديد، أن البناء المهترىء قد بدأ يتداعى فعلاً وأنه آيل للسقوط بين لحظة وأخرى. 

ستفضي رحلته "الدونكيشوتية" الليلية المضنية لمناشدة عمدة المدينة وكبار الموظفين الحكوميين المسؤولين عن قضايا الإسكان والصيانة وغيرها لأجل التحرك الفوري وإخلاء قاطني البناء قبل انهياره، إلى اكتشاف هول من الحقائق المريعة عن مدى تورط هذه الفئة الحكومية التي تبدو في ظاهرها شديدة النعومة واللباقة. 

لكنها تشكل في العمق شبكة مترابطة ومتواطئة في الفساد والرشى واختلاس المال العام من العقود والصفقات وخدمات الصيانة والثراء غير الشرعي. شبكة متغولة تعلم بأمر الخطر الذي يحدق بالبناء منذ سنوات لكنها تغض النظر عنه بلا اكتراث،  وستبدي عند المواجهة الحقيقية بفسادها، عدم ترددها باللجوء إلى السلوك الاجرامي لإبعاد أي تهديد يطال وجودها. 

ورغم الخطر الذي سيهدد حياته بعد استثارته لـ "عش الدبابير" الحكومي الفاسد هذا وتورطه في هذه القضية، سيجازف السباك مدفوعا من حرصه على مجتمعه بالتحرك بمفرده في محاولة الإنقاذ المستميتة، لكنه سيصدم بمرارة جديدة ومضاعفة بحجم الفساد المجتمعي المستشري بدوره بين الطبقات المسحوقة. 

والمتمثل بالعنف الأسري والانغماس في الإدمان على الكحول والقمار والحياة العبثية بين الشبان وغيرها. وهي فئات تعيش حيواتها في بؤس شديد في ظل فساد عام جعل العديد من أفرادها يتماهون معه كواقع مقبول به، بحيث يغدو الفرد النزيه بين الفاسدين، أو المصلح بين الخطّائين، هو الأحمق الوحيد. 

إذا نزعنا عن فيلم " الأحمق" جنسيته الروسية، يمكن بسهولة إسقاط موضوعته مع أحوال الفساد في العديد من الدول التي تعاني من مثل هذه الآفة الكارثية، وهي نقطة تسجل لصالح الفيلم بمقدرته على الخروج من إطاره المحلي إلى الفضاء العام. 

كما يمكن ملاحظة تماهيه مع أفلام سينمائية تنتمي لدول ذات رقابات سياسية عامة وفنية صارمة مثل الأفلام الإيرانية على سبيل المثال لا الحصر، حيث يلجأ صنّاع مثل هذه الأفلام في المعتاد إلى الأسلوبية الرمزية في البناء الدرامي للقصة، تبدو في ظاهرها اجتماعية بسيطة، لكنها لاتخلو في معظم الأوقات، من إسقاط سياسي غير مباشر. 

وهو ما ينطبق على هذا الفيلم، حيث يمكن قراءة رسالته بمثابة إشارة بليغة غير مباشرة لشرخ الفساد الكبير الذي يطال المنظومة العامة أو بنية النظام السياسي "والدولة العميقة"، عبر اللجوء إلى رمزية" السباك" كمصلح يرتبط بالبنية التحتية، ورمزية الشرخ الطولاني في البناء الشعبي الممتد من القاعدة وحتى أعلى الهرم، والتنبيه إلى أهمية إنقاذ المجتمع المتداعي مع البناء-النظام، واحتمالية انهيارهما المزدوج. 

لايحمل فيلم "الأحمق" إبهاراً بصرياً أو سينمائياً ملفتاً، بل يمكن تصنيفه بالبارد والرتيب نسبياً، رغم ذلك تضمن بين سطوره الكثير من الدلالات، لعل أبرز مايمكن أن يضاف في السياق، هو تأكيده على عدم مقدرة الفرد الواحد بالمطلق في مواجهة منظومات فاسدة متغولة وراسخة كهذه، وأهمية العمل المجتمعي لمثل هذه المواجهات والانخراط في تنظيمات مدنية يمكن أن تشكل ثقلاً وضغطاً يراقب الأداء الحكومي ويحاسبه ويساهم في إصلاح مجتمعاتها بقدر ماهو متاح لها. 

لم يسقط البناء الذي نبّه السباك "الأحمق" إلى شرخه في نهاية الفيلم، لكنه ترك للمشاهد ترقب هذا السقوط في أي وقت، أو الاستمرار في الحياة والتعايش مع هذا الشرخ والتواطؤ معه.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.