لم تخلُ خطابات وشعارات قوى الإسلام السياسي الشيعي، في أيام معارضة النظام السابق، من توظيف الآيات القرآنية التي تركز على موضوعة الدولة، ولذلك كانت تستحضر في خطابها السياسي الأدعية الواردة عن المرويات الشيعية، في دعاء الافتتاح "أللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة." وتردد الزعامات السياسية الكردية مظلوميتها التاريخية من الدولة الدكتاتورية الشمولية، وترفع دائما شعارات الدولة الديمقراطية التي تضمن حقوقها القومية. وأما القوى السياسية السنية فكانت دائما توحي بأنها تملك موروثا تاريخيا يرتبط بقوة بكيان الدولة وإدارتها.
لكن ذلك المخيال بالدولة في أيام المعارضة، لم يتجسد على أرض الواقع في أيام الحكم. وتحول التفكير من بناء الدولة التي كانوا يحلمون بها، إلى العمل على تدمير كل ما يتعلق بحكم القانون والمؤسسات! وباتوا يتصارعون كل يوم لفرض سيطرتهم على مواردها. وبدلا من أن يغادروا فكرة مظلوميتهم من الدولة، باتوا يعملون على إدامة فكرة المظلومية من خلال تغليفها بنظرية المؤامرة! ولذلك-كما يقول المفكر المغربي عبد الله العروي- "إن الدولة بقيت سرا محجوبا عنهم. كيف يفهمونها، كيف ينظرونها وهم لا يعاينونها ولا يلمسونها".
عدوى العلاقة المأزومة بين الطبقة الحاكمة والدولة، انتقلت إلى العلاقة بين المجتمع والدولة. وكيف لا تنتقل وهي امتداد تأريخي لتأزم علاقتنا مع الأنظمة السياسية التسلطية والشمولية، التي كانت تختزل الدولة بشخص الحاكم أو الحزب، ولذلك جعلتنا نكره وننفر من كل المؤسسات والقوانين ونعدها تصب لخدمة الطبقة الحاكمة وتسلطها، بحيث أصبحنا مصابين بانفصام الشخصية، فنحن بالعلن نخضع لما يفرضه نظام الحكم، ولكننا بالخفاء نلعن كل ما يتعلق بالأوامر والنواهي التي تصدرها الدولة. كنا وما زلنا نعتقد أن حزمة القوانين والتشريعات التي تصدر من الدولة هدفها ليس تنظيم شؤون حياتنا اليومية، وإنما هي إجراءات من قبل الطبقة الحاكمة لإخضاعنا وإجبارنا.
وبدلا من أن تتجاوز قوى السلطة تلك الأزمة، عملت على ترسيخها، واستبدلت مفهوم الدولة المتعالي عن التناقضات الاجتماعية، إلى حكم بعنوان الطوائف والقوميات. وبدلا من ترسيخ مفاهيم "الشعب"، "الأمة"، "المجتمع"، استبدلتها بمفهوم يقسم المجتمع إلى مكونات طائفية وعرقية. ولم يبق في هذا الخواء العدمي سوى روابط لما قبل الدولة، وهي القبائل والأسر والطوائف، والإثنيات القديمة.
منذ تأسيس الدولة في العراق، لم تكن في يوم من الأيام دولة مواطنة، ولن تكون اليوم في ظل حكم الأوليغارشيات التي تسيطر على النظام وتعتاش بطريقة طفيلية على موارد الدولة. وكانت، ولا تزال، أبرز أخطاء الأحزاب والقوى التي حكمت العراق هي توسيع الهوة بين الحكام والمحكومين، وجعلت المحكومين غير قادرين على التمييز بين حقدهم وكراهيتهم على الطبقة الحاكمة وبين تمردهم على الدولة .
ويعيد السياسيون بسذاجة، إنتاج مغذيات التوتر في العلاقة مع الدولة، في الوقت الذي صدعوا رؤوسنا بخطاباتهم عن مشروع بناء الدولة أو إعادة بنائها! لكن أحاديثهم تلك لا تتعدى سوى الخطابات واللقاءات التلفزيونية في أيام الانتخابات، وبعد هذا يعودون إلى الحديث عن حق المكون الطائفي، وهذا المنصب استحقاق لهذا المكون القومي، ويكون الحديث عن العرف السياسي باعتباره مقدسا وخطا أحمر لا يمكن تجاوزه.
لحد الآن لا تريد الطبقة السياسية الحاكمة مغادرة تفكيرها الذي يعادي الدولة، ويريد تدمير بقاياها الشكلية، وكأنما هناك ثأر قديم بينهم وبين الدولة ! وبدلا من الشروع في ترميم ما تبقى من مؤسسات وإعادة ارتباطها بالدولة، عملوا بخطين متوازيين: الأول تدمير بنيوي لكل رمزية مؤسسات الدولة التي تعبر عن هيبة الدولة وكيانها وتعاليها عن الصراعات المجتمعية، ولعل المؤسسة العسكرية من أهم المؤسسات التي تعرضت إلى هذا التخريب المتعمد. والثاني، إنشاء كيانات موازية للدولة، إذ بدلا من أن يحكمنا الدستور والقوانين، بات يحكمنا التوافق بين الزعامات السياسية، وبدلا من أن تحتكر الدولة السلاح، باتت لدينا الكثير من العناوين السياسية والعسكرية التي تحمل السلاح خارج سيطرة الدولة وتريد أن تخضع الدولة والمجتمع لسطوة سلاحها المنلفت!
ومن الرومانسية المفرطة التفكير بأن في مخيلة هذه الطبقة الحاكمة مساحة لفكرة الدولة ومفهومها؛ لأنها تعتقد أن نهاية سطوتها ونفوذها السياسي في قوة الدولة، وهي امتداد لموروث ثقافي واجتماعي لا يؤمن بمشروع الدولة، ولذلك لم يعد من المستغرب أن نجد في العراق من أسسوا أركان النظام السياسي وكتبوا الدستور، في كل يوم يعلنون تمردهم على النظام، ولا يحترمون الدستور الذي لم يعد حاكما وإنما أصبح وسيلة للاحتجاج السياسي عند التخاصم.
الطبقة السياسية الحاكمة في العراق تستمد عداءها للدولة من كونها تتعارض مع انتمائها القومي والطائفي. فالكرد رغم أنهم شركاء في تأسيس النظام السياسي في العراق بعد 2003، يعتقدون أن بقاءهم ضمن خارطة العراق هو لضمان مصالحهم وليس شراكة حقيقية في الوطن، والمشروع الأكبر هو دولة قومية منفصلة عن الدولة العراقية. وهذا الركن الأساس في أزمة التفكير السياسي الكردي إزاء الدولة في العراق، والكثير من قوى الإسلام السياسي الشيعي تعتقد أن الانتماء المذهبي أكبر من أن يتم حصره في حدود الدولة العراقية، فالعقيدة أكبر وأهم من تلك الحدود المصطنعة، ولا تجد حرجا في التماهي مع الجمهورية الإسلامية في إيران، وتبرر تدخلاتها باعتبارها راعية لتجربة الحكم السياسي الشيعي! والكثير من الزعامات والقوى السياسية السنية تعتقد أن الانتماء الجغرافي العربي يبيح لهم تقبل التدخلات الإقليمية من دول الخليج ودورهم في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء السنة عندما تشتد الخلافات السياسية.
وما دام من يحكموننا يعبرون في سلوكهم السياسي عن بغض للدولة ويفكرون بدولة تختلف عن الدولة بمفهومها المعاصر، ويتخيلون أن ديمومة حكمهم ونفوذهم في بقاء العمل خارج الدولة وضدا لها، فسنبقى بعيدين كل البعد عن حلم العيش في ظل الدولة.
