استقالة نواب أكبر كتلة برلمانية بعد ثمانية أشهر من فشل تشكيل حكومة عراقية
"لا تريد الطبقة السياسية الحاكمة مغادرة تفكيرها الذي يعادي الدولة". أرشيفية

لم تخلُ خطابات وشعارات قوى الإسلام السياسي الشيعي، في أيام معارضة النظام السابق، من توظيف الآيات القرآنية التي تركز على موضوعة الدولة، ولذلك كانت تستحضر في خطابها السياسي الأدعية الواردة عن المرويات الشيعية، في دعاء الافتتاح "أللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة." وتردد الزعامات السياسية الكردية مظلوميتها التاريخية من الدولة الدكتاتورية الشمولية، وترفع دائما شعارات الدولة الديمقراطية التي تضمن حقوقها القومية. وأما القوى السياسية السنية فكانت دائما توحي بأنها تملك موروثا تاريخيا يرتبط بقوة بكيان الدولة وإدارتها.  

لكن ذلك المخيال بالدولة في أيام المعارضة، لم يتجسد على أرض الواقع في أيام الحكم. وتحول التفكير من بناء الدولة التي كانوا يحلمون بها، إلى العمل على تدمير كل ما يتعلق بحكم القانون والمؤسسات! وباتوا يتصارعون كل يوم لفرض سيطرتهم على مواردها. وبدلا من أن يغادروا فكرة مظلوميتهم من الدولة، باتوا يعملون على إدامة فكرة المظلومية من خلال تغليفها بنظرية المؤامرة! ولذلك-كما يقول المفكر المغربي عبد الله العروي- "إن الدولة بقيت سرا محجوبا عنهم. كيف يفهمونها، كيف ينظرونها وهم لا يعاينونها ولا يلمسونها".  

عدوى العلاقة المأزومة بين الطبقة الحاكمة والدولة، انتقلت إلى العلاقة بين المجتمع والدولة. وكيف لا تنتقل وهي امتداد تأريخي لتأزم علاقتنا مع الأنظمة السياسية التسلطية والشمولية، التي كانت تختزل الدولة بشخص الحاكم أو الحزب، ولذلك جعلتنا نكره وننفر من كل المؤسسات والقوانين ونعدها تصب لخدمة الطبقة الحاكمة وتسلطها، بحيث أصبحنا مصابين بانفصام الشخصية، فنحن بالعلن نخضع لما يفرضه نظام الحكم، ولكننا بالخفاء نلعن كل ما يتعلق بالأوامر والنواهي التي تصدرها الدولة. كنا وما زلنا نعتقد أن حزمة القوانين والتشريعات التي تصدر من الدولة هدفها ليس تنظيم شؤون حياتنا اليومية، وإنما هي إجراءات من قبل الطبقة الحاكمة لإخضاعنا وإجبارنا. 

وبدلا من أن تتجاوز قوى السلطة تلك الأزمة، عملت على ترسيخها، واستبدلت مفهوم الدولة المتعالي عن التناقضات الاجتماعية، إلى حكم بعنوان الطوائف والقوميات. وبدلا من ترسيخ مفاهيم "الشعب"، "الأمة"، "المجتمع"، استبدلتها بمفهوم يقسم المجتمع إلى مكونات طائفية وعرقية. ولم يبق في هذا الخواء العدمي سوى روابط لما قبل الدولة، وهي القبائل والأسر والطوائف، والإثنيات القديمة. 

منذ تأسيس الدولة في العراق، لم تكن في يوم من الأيام دولة مواطنة، ولن تكون اليوم في ظل حكم الأوليغارشيات التي تسيطر على النظام وتعتاش بطريقة طفيلية على موارد الدولة. وكانت، ولا تزال، أبرز أخطاء الأحزاب والقوى التي حكمت العراق هي توسيع الهوة بين الحكام والمحكومين، وجعلت المحكومين غير قادرين على التمييز بين حقدهم وكراهيتهم على الطبقة الحاكمة وبين تمردهم على الدولة .  

ويعيد السياسيون بسذاجة، إنتاج مغذيات التوتر في العلاقة مع الدولة، في الوقت الذي صدعوا رؤوسنا بخطاباتهم عن مشروع بناء الدولة أو إعادة بنائها! لكن أحاديثهم تلك لا تتعدى سوى الخطابات واللقاءات التلفزيونية في أيام الانتخابات، وبعد هذا يعودون إلى الحديث عن حق المكون الطائفي، وهذا المنصب استحقاق لهذا المكون القومي، ويكون الحديث عن العرف السياسي باعتباره مقدسا وخطا أحمر لا يمكن تجاوزه.

لحد الآن لا تريد الطبقة السياسية الحاكمة مغادرة تفكيرها الذي يعادي الدولة، ويريد تدمير بقاياها الشكلية، وكأنما هناك ثأر قديم بينهم وبين الدولة ! وبدلا من الشروع في ترميم ما تبقى من مؤسسات وإعادة ارتباطها بالدولة، عملوا بخطين متوازيين: الأول تدمير بنيوي لكل رمزية مؤسسات الدولة  التي تعبر عن هيبة الدولة وكيانها وتعاليها عن الصراعات المجتمعية، ولعل المؤسسة العسكرية من أهم المؤسسات التي تعرضت إلى هذا التخريب المتعمد. والثاني، إنشاء كيانات موازية للدولة، إذ بدلا من أن يحكمنا الدستور والقوانين، بات يحكمنا التوافق بين الزعامات السياسية، وبدلا من أن تحتكر الدولة السلاح، باتت لدينا الكثير من العناوين السياسية والعسكرية التي تحمل السلاح خارج سيطرة الدولة وتريد أن تخضع الدولة والمجتمع لسطوة سلاحها المنلفت! 

ومن الرومانسية المفرطة التفكير بأن في مخيلة هذه الطبقة الحاكمة مساحة لفكرة الدولة ومفهومها؛ لأنها تعتقد أن نهاية سطوتها ونفوذها السياسي في قوة الدولة، وهي امتداد لموروث ثقافي واجتماعي لا يؤمن بمشروع الدولة، ولذلك لم يعد من المستغرب أن نجد في العراق من أسسوا أركان النظام السياسي وكتبوا الدستور، في كل يوم يعلنون تمردهم على النظام، ولا يحترمون الدستور الذي لم يعد حاكما وإنما أصبح وسيلة للاحتجاج السياسي عند التخاصم. 

الطبقة السياسية الحاكمة في العراق تستمد عداءها للدولة من كونها تتعارض مع انتمائها القومي والطائفي. فالكرد رغم أنهم شركاء في تأسيس النظام السياسي في العراق بعد 2003، يعتقدون أن بقاءهم ضمن خارطة العراق هو لضمان مصالحهم وليس شراكة حقيقية في الوطن، والمشروع الأكبر هو دولة قومية منفصلة عن الدولة العراقية. وهذا الركن الأساس في أزمة التفكير السياسي الكردي إزاء الدولة في العراق، والكثير من قوى الإسلام السياسي الشيعي تعتقد أن الانتماء المذهبي أكبر من أن يتم حصره في حدود الدولة العراقية، فالعقيدة أكبر وأهم من تلك الحدود المصطنعة، ولا تجد حرجا في التماهي مع الجمهورية الإسلامية في إيران، وتبرر تدخلاتها باعتبارها راعية لتجربة الحكم السياسي الشيعي! والكثير من الزعامات والقوى السياسية السنية تعتقد أن الانتماء الجغرافي العربي يبيح لهم تقبل التدخلات الإقليمية من دول الخليج ودورهم في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء السنة عندما تشتد الخلافات السياسية. 

وما دام من يحكموننا يعبرون في سلوكهم السياسي عن بغض للدولة ويفكرون بدولة تختلف عن الدولة بمفهومها المعاصر، ويتخيلون أن ديمومة حكمهم ونفوذهم في بقاء العمل خارج الدولة وضدا لها، فسنبقى بعيدين كل البعد عن حلم العيش في ظل الدولة.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!