زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل يسير أمام تمثال لريتشارد نيكسون
زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش ماكونيل يسير أمام تمثال لريتشارد نيكسون

مضى على وجودي في الولايات المتحدة ٥٠ سنة. وصلت إلى مطار فيلادلفيا الدولي في الخامس من يونيو 1972، حين كان الرئيس، ريتشارد نيكسون، في البيت الابيض. تلك السنة كانت بداية فضيحة ووترغيت التي سترغم نيكسون في أغسطس 1974 على أن يصبح أول رئيس في تاريخ الولايات المتحدة يضطر إلى الاستقالة، تفاديا لمحاكمته في مجلس النواب وطرده من البيت الأبيض بقرار من مجلس الشيوخ. ب

بعد 50 سنة لا تزال الولايات المتحدة تعيش في ظل الفضائح والاضطرابات التي شهدتها خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، على الرغم من أن ولايته انتهت في بداية يناير 2021. نصف قرن تقريبا تفصل بين رئيسين كانا الأكثر انتهاكا للدستور الأميركي والأعراف السياسية والتقاليد والقيم الأخلاقية التي يفترض أن يتحلى بها، وأن يمثلها الرئيس الأميركي.

وكما عاشت الولايات المتحدة في ظل فضيحة ووترغيت والإرث الثقيل الذي تركه ريتشارد نيكسون لسنوات طويلة، كذلك سوف تبقى الولايات المتحدة في ظل الإرث السياسي الخطير الذي تركه دونالد ترامب لسنوات طويلة .

ريتشارد نيكسون ودونالد ترامب يفصل بينهما حوالي نصف قرن، ولكنهما بأحقادهما وجشعهما للسطلة  يبدوان وكأنهما توأمان ملتصقان على الرغم من المسافة الزمنية الطويلة التي تفصل بينهما. 

يختلف نيكسون وترامب في أشياء، ويلتقيان في أشياء. نيكسون كان سياسيا محترفا، وخدم في الكونغرس وانتخب كنائب للرئيس دوايت أيزنهاور، وهو بهذا المقياس كان رجلا ناجحا. ولد نيكسون في عائلة متواضعة ويمكن القول أنه صنع نفسه بنفسه. ترامب ورث ثروته ووظيفته كمقاول ورجل أعمال من والده، ولم يعتبر رجل أعمال ناجح. نيكسون تزوج من امرأة واحدة، ولم يعرف عنه تورطه في أي أي علاقات جنسية او عاطفية خارج زواجه. ترامب تزوج 3 مرات، وكان يتبجح بعلاقاته الجنسية خارج زواجه، وواجه خلال حياته تهما عديدة من نساء من خلفيات مختلفة بأنه تحرش بهن جنسيا. 

ولكن نيكسون وترامب يعانيان من شهوة السلطة، ولا يترددان في استخدام كل الأساليب المتاحة، للاحتفاظ بالسلطة حتى ولو اقتضى ذلك انتهاك القوانين والأعراف والتضحية بالعاملين معهم. جوهر فضيحة ووترغيت هو رغبة نيكسون بضمان إعادة التجديد لنفسه لولاية ثانية من خلال اعتماد مؤامرة متشعبة للتجسس على الحزب الديمقراطي، وتشويه سمعة مرشحه المتقدم أدموند ماسكي، ومحاولة التغطية على الفضيحة وانتهاكات القوانين التي لجأ اليها نيكسون ومساعديه في البيت الأبيض والعاملين في حملته الانتخابية.  

دونالد ترامب حوكم مرتين لأنه اراد البقاء في السلطة بأي وسيلة. المرة الأولى لانه حاول الضغط على الرئيس الأوكراني فلودومير زيلينسكي وتعليق شحنات الأسلحة لأوكرانيا لإرغام رئيسها على التحقيق بعائلة منافسه الديمقراطي جوزف بايدن. والمرة الثانية بتهمة التحريض على العصيان  في محاولة انقلابية سافرة لإلغاء نتائج انتخابات رئاسية شرعية فاز بها منافسه  جوزف بايدن، وادعى ترامب انه هو الذي فاز بها على الرغم من أن جميع الادلة وقرارات المحاكم تبين أنه خسرها. 

 نيكسون وترامب ينظران إلى العالم بريبة ويعتقدان انهما محاطان بالأعداء، وهذا ما يجعلهما يتمسكان بنظريات المؤامرة لتفسير أي معارضة شرعية لهما، وما يفسر سعيهما الى الانتقام الشخصي من أي منافس أو أي شخص يتجرأ على توجيه أي انتقاد لهما حتى ولو كان فاترا أو شرعيا. نيكسون وترامب كانا يتحدثان دائما عن الأشخاص الذين يكنون لهما الكراهية في محاولة سافرة تكشف عن كراهيتهما العميقة لمنافسيهم وخصومهم الذين يصنفونهما بالأعداء.

ويكشف سلوك كلا الرئيسين السابقين في تعاملهما مع الإعلاميين والسياسيين الذين  انتقدوا سياساتهما، مدى استهتارهما بالدستور والقوانين، ومدى استعدادهما لاستغلال المؤسسات الرسمية لخدمة طموحاتهما السياسية. كلاهما كانا يطلبان ويتوقعان ولاء أعمى من العاملين معهما.  

كان لدى الرئيس نيكسون قائمة بأسماء أعدائه في الصحافة، وكان يحذر مساعديه دائما بأن لا يثقوا بالصحافيين، ويحضهم أن لا ينسوا أبدا أن الصحافة والصحافيين هم أعداؤهم. (المفارقة ان الصحافيين بوب وودوورد وكارل بيرنستين، من صحيفة واشنطن بوست، لعبا دورا بارزا في كشف فضيحة ووترغيت ومسؤولية نيكسون المباشرة في التغطية عليها، ما أدى إلى ارغامه على الاستقالة). ترامب كان يكرر دائما وصف الصحافة والصحافيين بانهم "أعداء الشعب"، وكان دائما يحرض الأميركيين ضد الصحافيين ووسائل الإعلام. 

في سبعينات القرن الماضي نجح النظام السياسي الاميركي بمؤسساته الهامة : الكونغرس بقياداته الديمقراطية والجمهورية، والمحاكم الفدرالية، وأبرزها المحكمة العليا (إضافة رلى تقاليد الصحافة الحرة) في صد الانتهاكات الدستورية الخطيرة لريتشارد نيكسون ومساعديه، وإنقاذ البلاد من أزمة دستورية خطيرة.

تميزت تحقيقات لجان الكونغرس في مجلسي النواب والشيوخ في فضيحة ووترغيت بانها كانت الى حد كبير خالية من الانحيازات الحزبية الضيقة، حين قام بعض القياديين الجمهوريين في المجلسين بالاصرار على الحصول على الحقائق من البيت الابيض حتى ولو كانت تضر بالرئيس نيكسون الجمهوري. وقبل استقالته بيوم واحد التقى نيكسون ببضعة مشرعين جمهوريين من المجلسين في البيت الأبيض الذين أبلغوه بصراحة وببساطة أنه لن يجد حتى الحد الأدنى من الجمهوريين المستعدين للدفاع عنه وإنقاذه من قرار مجلس الشيوخ بخلعه عن منصبه في حال محاكمته. في اليوم التالي أعلن نيكسون استقالته رسميا.

نظام الحزبين في سبعينات القرن الماضي أكد جدواه، وأهميته لصيانة الديموقراطية الاميركية آنذاك. القادة الجمهوريين ارادوا التخلص من نيكسون، مثلهم مثل القادة الديمقراطيين حين أدركوا مدى خطورته على الديمقراطية الأميركية. 

هذا هو الفارق الكبير بين المناخ السياسي السائد في واشنطن قبل خمسين سنة، والمناخ السياسي الراهن حيث يبدو الحزب الجمهوري وكأنه تحول الى طائفة دينية متشددة تدين بالولاء للرئيس ترامب ولطروحاته المؤامراتية، ونزواته الشخصية. في سنة 1973، وافق 77 عضوا في مجلس الشيوخ من أعضاء الحزبين على تشكيل لجنة للتحقيق في فضيحة ووترغيت. ولكن قيادة الحزب الجمهوري الحالية في مجلس الشيوخ رفضت تشكيل لجنة للتحقيق في العصيان الذي أدى إلى اجتياح مبنى الكابيتول في السادس من يناير 2021، بينما رفضت قيادة الحزب الجمهوري في مجلس النواب الاعتراف بشرعية اللجنة التي أسستها الأكثرية الديمقراطية للتحقيق باجتياح الكابيتول. وحين عينت رئيسة المجلس نانسي بيلوسي النائبين الجمهوريين ليز تشيني وآدم كينزينغر لعضوية لجنة التحقيق، تبرأت منهما قيادة الحزب الجمهوري.  

ولا تزال استطلاعات الرأي تبين ان أكثرية من الناخبين الجمهوريين تعتقد ان الرئيس ترامب هو الفائز في الانتخابات الرئاسية، وان الرئيس بايدن يفتقر الى الشرعية، ما يعني ان "الكذبة الكبرى" التي وقف ورائها دونالد ترامب والعديد من القياديين الجمهوريين، والتي تدعي ان ترامب هو الفائز في الانتخابات الرئاسية، هي التي تجعل العديد من المؤرخين والمحللين للقول أن التحدي الدستوري الذي واجهته الولايات المتحدة في بداية سبعينات القرن الماضي، لا يقارن بسلبيته بالتحدي الخطير ، لا بل الوجودي الذي تواجهه الولايات المتحدة منذ انتخابات 2020 الرئاسية، والمتوقع ان يستمر إلى الانتخابات النصفية في نوفمبر المقبل، وحتى الانتخابات الرئاسية في 2024.  

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.