الأكراد.. هل ثمة استفادة مما تنتظره تركيا؟
يناضل الأكراد من اجل حقوقهم وهويتهم في تركيا فيما تحاول السلطات طمسها

راهنا، يحضر المسلسل التركي "الذئب فقط" بكثافة في النقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي التركية/الكردية. فالعمل الدرامي الذي يتابعه الملايين من المشاهدين يوميا، ومن خلال ما يطرحه من رؤية قومية ونزعة عرقية فاشية، تذهب لحد نفي وجود الشعب الكردي في المنطقة، مُعظماً الدور التاريخي لأبناء الأرومة التركية، في المنطقة وكامل العالم، إنما يُعتبر نكوصا سهلا وسريعا عما قيل إن المجتمع والدولة في تركيا قد تجاوزاه ببطء طوال السنوات الماضية، أي القومية المطلقة، التي لا تعترف بوجود القوميات الأخرى، الكردية منها بالذات. 

لكن جملة خصائص المسلسل الدرامي هذه، إنما تكشف أبعادا أعمق بكثير من مجرد كونه "حدثا فنيا أو ثقافيا" محل جدل
 
فالأعداد الهائلة لمتابعيه، وحجم الحماسة ونوعية الانفعال الوجداني الذي يطغى على نمط التفاعل معه، والذي يظهر جليا من خلال تعليقات المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال هوية الجهة المُنتجة لهذه العمل، والعشرات من أمثاله - الشركات المرتبطة والمتداخلة بأجهزة الدولة العميقة في البلاد- يُظهر خاصية بنيوية ومركزية في الاجتماع السياسي التركي، خاصية ما تزال فاعلة حتى الآن بجموح منقطع النظير، هي الوله بالحكاية المركزية عن "الذات الجمعية"، التاريخية منها تحديدا، تلك التي اختلقتها الإيديولوجية السياسية للأتاتوركية في العقدين التأسيسيين لتركيا الحديثة، وحولتها عبر جملة من المؤسسات والاستراتيجيات إلى ما يشبه "الدين الرسمي" لأجيال من الأتراك. 

مختلف بلدان منطقتنا تقوم بدورها على نماذج مشابهة من تلك الرؤية المقدسة للـ"الذات الجمعية"، وإن كان النموذج التركي الأكثر وضوحا ومباشرة. ففي كل من تلك البلدان، ثمة رواية رسمية كبرى، تحكي للمجتمعات عن ماضيها وهويتها وآلية خلقها لذاتها وكيانها الدولاتي، تدعوهم لتقديس مجموعة من الشخوص والأحداث والمؤسسات، وتحذرهم من أية إمكانية للتخلي عنها، أو حتى التشكيك بتلك السردية، لأن ذلك سيعني فقدانهم لهويتهم ومكانتهم المركزية والامتيازية، مقارنة بالجماعات الأخرى. 

تعمل تلك السردية كآلة مهولة، تتسرب إلى وتتداخل مع وتصنع كل شيء آخر في ضمن الحياة العامة: رؤية الأفراد لأنفسهم ومعنى حياتهم، شكل النظام الحاكم في الدولة، المحددات التي يجب أن تُعين كـ"خطر على الأمن القومي"، هوية وأدوار مختلف مؤسسات الدولة، بالذات التعليم والجيش والإعلام، نمط علاقة هذه الدولة مع دول الجوار والقضايا الإقليمية.. إلخ من كل تفصيل آخر قد يخطر في البلاد. فالسردية الجمعية هي الروح الأعلى والأعمق للمجتمعات، وآليتها الأكثر مباشرة وسهولة لتعريف نفسها، كأفراد وكمجتمعات، وحيث لا فاصل بين المستويين. 

في مختلف مناطق العالم، لكن في منطقتنا بالذات، فإن تلك الآلية إنما كانت تمارس فداحتين متعامدتين، ما تزالان شديدتي التأثير على كل تفصيل من حيوات الأناس الخاضعين لتلك المرويات الجمعية. 

فهي أولا تعيق أي تصالح مع الحاضر. الحاضر الذي هو بالضرورة مختلف تماما عما تتضمنه تلك السرديات. إذ بينما تذهب كل سردية جمعية من تلك إلى تكريس مبدأ الجماعة الواحدة المغلقة وأدوارها المجيدة وشخصياتها الطاهرة، كما كل حكاية أسطورية وطفولية أخرى، فإن الحاضر الموضوعي مختلف عن كل ذلك، إن لم يكن على النقيض منه بالتفصيل. 

يقول الحاضر الموضوعي في كل مثال إن المجتمعات مهما كانت صغيرة، فهي شديدة الثراء، بهوياتها الأهلية والسياسية، ونزعاتها الإيديولوجية والاجتماعية والثقافية. يضيف الحاضر لذلك رؤية شديدة الموضوعية لأفعال الشخصيات والمؤسسات والأحداث الماضية، التي قيل إنها ذات فاعلية مجيدة. فالحاضر يكشف على الدوام كتلة الأوهام التي تراكمت حول هذه أو تلك من الشخصيات والأحداث، بحكم التقادم الذي يكشف كل مضمون. 

الفداحة الأخرى كامنة في القدرة المتناهية لتلك المروية على تحطيم المستقبل، عبر خلق حواجز نفسية بين الخاضعين لها، المنجرين إلى الماضي وقواعده وقوانينه ومنطقه بالضرورة، وبين ما يطرحه العالم المعاصر من تحولات فكرية وسياسية واقتصادية، منافية تماماً لأية محافظة ومركزية مغلقة، مثل هي تلك المرويات التاريخية المكرسة. 

لكن، ومع التسليم بكل ذلك، ما تزال سرديات "الذات الجمعية" تلك في منطقتنا، والتي تتأتى بغالبها من أحداث أوائل القرن العشرين، وبالرغم من كل التحولات الجذرية التي حدثت طوال هذه الأزمنة، ما تزال تلك السرديات شديدة الفاعلية والقدرة على النهوض والتأثير. 

يحدث ذلك لأسباب مختلفة، على رأسها طاقة الطمأنينة التي تمنحها للمؤمنين بها. فهي في المحصلة شكل من الإيمان المطلق، شبيه بالأيمان الديني، الذي يمنح المندرج ضمن فضائها أداة سهلة لفهم الماضي وتفسير الحاضر وتحديد الموقف من المستقبل. وحيث أن الخروج منه يتطلب جهداً عقليا وتطورا اجتماعيا وتعليميا لا يبدو أن الغالبية المطلقة من مجتمعاتنا قد بلغته.

كذلك لأن تلك السرديات الجمعية تعطي المدافعين عنها مواقع امتيازية، بالذات في البلدان التي تشهد صراعات أهلية، وما أكثرها في منطقتنا. فالدفاع عن السردية الجمعية هو دفاع عن الذات ومكتسباتها، الرمزية والمادية على حدٍ سواء، والتخلي عنها يعني اجتراح توازنات وعلاقات أكثر مساواة مع الخاضعين لها، شركاء الأوطان والمجتمعات. 

مع الأمرين، فإن تلك السرديات هي مقولات في تقديس الذات، في ترويج النرجسية الجمعية وتكريسها، تلك التي يتلهف لها البشر أكثر من أي شيء آخر.  

في حديثه عن أغرب ما شهده خلال مسيرته السياسية الطويلة، التي امتدت لأكثر من ستة عقود، يروي زعيم أكراد تركيا "أحمد تُرك" إنه أثناء زيارة رسمية لبلغاريا قبل عدة سنوات، ضمن وفد رسمي مع الرئيس التركي الأسبق، عبدالله كول، حينما كان "أحمد تُرك" رئيساً لكتلة برلمانية، صُدم من مواقف الشخصيات والقوى السياسية التركية في بلغاريا، التي عبرت له عن تضامنها التام مع الأكراد ومسألتهم في تركيا، مذكرين إياه بأن نضالات الأكراد راهنا تذكرهم بما كانوا يعانونه ويناضلون في سبيله خلال عقد الثمانينات، أثناء حكم رئيس الوزراء البلغاري السابق تودور جيفكوف. 

الزعيم الكُردي الذي ما انبلجت معاناته ومعاناة شعبه إلا من جراء النسبة العظمى أبناء نفس "القومية"، الأتراك داخل تركيا. لكن بوضوح، يبدو أن الفارق بين موقفي أبناء نفس القومية على طرفي الحدود، هو بالضبط الفارق بين السرديتين الجمعيتين اللتين خضع لها كُل منهما. 

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.