القوات الروسية تحقق تقدما شرق أوكرانيا
القوات الروسية تكبدت خسائر عدة في أوكرانيا.

بعد فشل ما يمكن تسميته "الخطة ألف" بالسيطرة على أوكرانيا، لا يبدو أن "الخطة باء" أفضل حالا، وهي حتى الآن بعيدة عن تحقيق أهدافها، لكن ما بين الانتقال من خطة إلى أخرى، تظهر حقائق الفشل الاستراتيجي لموسكو وهزائمها الميدانية. 

فبعد الهزيمة على أبواب كييف والضربة القاسية التي تلقاها فلاديمير بوتين في الأسبوع الأول من غزو أوكرانيا أو ما يمكن تسميته بـ"الخطة ألف"، التي على الأغلب كانت تستهدف احتلال العاصمة كييف وإسقاط النظام السياسي في الأيام الأولى للغزو، يبدو أن عدوى الفشل انتقلت "للخطة باء"، التي أراد من خلالها الكرملين حفظ ماء الوجه والاكتفاء بعملية احتلال إقليم دونباس وربط جنوب شرق أوكرانيا مع شبه جزيرة القرم بريّاً، لكن حتى الآن هذه الخطة لم تحقق أهدافها.

فعليا وحتى الآن تمكنت المقاومة الأوكرانية في شرق البلاد من الصمود، وفي بعض المحاور انتقلت من الدفاع إلى الهجوم، وفي آخر المعارك تمكنت من استعادة كثير من الأراضي التي خسرتها في مدينة سيفيردونتسك، حيث أكد حاكم إقيلم لوغانسك، سيرغي غايداي، أن "القوات الروسية كانت تسيطر على حوالي 70 بالمية من المدينة لكنها أُجبرت على التراجع في اليومين الماضيين فيما المدينة الآن مقسمة إلى شطرين ويخشى الجنود الروس التنقل بحرية".  

يأتي هذا الفشل بعدما رمت موسكو بثقلها من أجل احتلال العاصمة الإدارية للجزء الأوكراني من منطقة لوغانسك، حيث سيطر انفصاليون تابعون لها على أجزاء منها، وهذا يعني فشلا جزئيا "للخطة باء"، حيث لم يستطع الجنرال الروسي ألكسندرد فورنيكوف الذي حدد العاشر من الشهر الحالي موعدا للسيطرة على العاصمة الإدارية سيفيرودنتسك إضافة إلى طريق "ليسيشاتسك - باخموت" الذي سيفتح الطريق إلى كراماتورسك عاصمة منطقة دونيتسك.

بالتزامن مع الوضع الميداني المعقد الذي يواجهه بوتين في شرق أوكرانيا، بدأت الولايات المتحدة تزويد الأوكران بأسلحة أكثر تطورا قادرة على ضرب العمق الروسي، إضافة إلى كميات كبيرة من الأسلحة المضادة للطائرات والدروع التي كانت أحد أهم العوامل في منع سقوط أي مدينة كبرى في يد الجيش الروسي، لكن ما أصبح واضحا أن الولايات المتحدة وحلف الناتو انتقلا أيضا إلى "الخطة باء" التي تعتمد على منع موسكو من تحقيق أهدافها في مناطق الشرق وخصوصا إقليم دونباس. 

لذلك تم تزويد المقاومة الأوكرانية بأسلحة رادعة ستتسبب بإستنزاف كبير للجيش الروسي وتُفشل خطط بوتين البديلة، وهذا الأمر سيضع الرئيس الروسي وفريقيه الأمني والعسكري أمام حرج كبير قد يدفعهم، من أجل الحفاظ على ما تبقى من هيبتهم في الداخل والخارج، لللجوء إلى خطوات غير مدروسة قد توسع نطاق النزاع خارج الحدود الأوكرانية، خصوصا أن لا ضمانات أن كييف لن تستخدم الصواريخ الأميركية (MLRS)  في العمق الروسي بالرغم من التطمينات الأميركية حول نطاق استخدامها. 

كما أن هذه الأسلحة ستُخل بموازين القوى، لذلك عاودت موسكو إلى قصف العمق الأوكراني حيث انهالت الصواريخ على العاصمة كييف وبعض المدن الأخرى، وعلى الأرجح أن هذا القصف أقرب إلى تحذير استباقي من أن الرد سيكون عنيفا وبلا حدود.

من كييف إلى دونباس ومن "الخطة ألف" إلى "الخطة باء"، وإذا فشلت سيبحث فلاديمير بوتين وجنرالاته عن خطط أخرى، وذلك تجنبا لإعلان الهزيمة، هذا ما يخدم أيضا خطط الغرب الذي يستفيد من إصرار بوتين على استمرار الحرب من أجل مزيد من الاستنزاف خصوصا أن هناك من يحاول إسقاط الهزيمة الأفغانية على الحرب الأوكرانية في المقارنة بين نتائج الحربين، إذ أن الهزيمة في الأولى كانت أحد أسباب تفكك الاتحاد السوفياتي والهزيمة الثانية قد تكون أحد أسباب تفكك الاتحاد الروسي والأخطر أن تستمر هذه الحرب لسنوات حتى تحقق أهدافها كما استمرت الحرب الأفغانية.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.