مشهد من العاصمة الأردنية، عّمان، في ظل إجراءات الحظر الصحي في أغسطس عام 2020
مشهد من العاصمة الأردنية، عّمان، في ظل إجراءات الحظر الصحي في أغسطس عام 2020

"أثر الفراشة لا يرى، أثر الفراشة لا يزول".. هذه جملة شعرية "درويشية" لمفهوم فيزيائي علمي معروف اسمه "أثر الفراشة"، من خلاله يمكن فهم أثر أصغر "سلوك" في إحداث تغييرات كبيرة وضخمة.

أثر الفراشة هو ما يخطر ببالي منذ أسبوع تقريبا كلما راجعت حيثيات وتداعيات وتفاصيل ما تم تسميته بعبث واضح "كف يد" المفوض العام لحقوق الإنسان في الأردن عن العمل!

وبحسب كل الوارد من تفاصيل، أجدُني أصل إلى قناعة شخصية مفادها أن رئيس مجلس الأمناء للمركز الوطني لحقوق الإنسان، وهو سياسي أخواني سابق انقلب على تياره لينشئ تيارا إسلاميا مستحدثا وجديدا، قرر أن يوسع طموحاته السياسية "وهي مشروعة طبعا كطموحات" فوجد أن إزاحة المفوض العام قد تفتح له طريقا جديدا في المشهد السياسي الأردني الفوضوي أصلا.

هذا السلوك الصغير والذي يبدأ بإطار محلي ضيق لا يتجاوز رؤية أكثر ضيقا لرجل لا يحمل أكثر من صفة رئيس مجلس أمناء لمركز وطني معني بحقوق الإنسان، أخذ مداه على شكل ارتدادات زلزالية متتابعة ومتضخمة، لأسمع شخصيا في عاصمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل حديثا عن نية وقف منح أوروبية للأردن، وتساؤلات عن مصداقية الدولة الأردنية في ملف حقوق الإنسان!

لا بد من تفصيل الحدث وتفكيكه، لفهم الملابسات "وكيف يتم خلق الالتباسات"، وهذا يتطلب بالضرورة استحضار ذاكرة شخصية تؤسس أساسات الفهم وتشكيل الموقف في مقال رأي وموقف.

علاقتي الشخصية مع القانوني والشاعر الأستاذ، علاء العرموطي، قديمة، وفي الذاكرة من عام ٢٠٠٥ مشهد في كوبنهاغن حيث كنت أرافقه في زيارة رسمية مع وزير عامل في الحكومة الأردنية حينها، وكان العرموطي يقاتل بإيمان وقناعة لإنشاء مؤسسة أردنية مستقلة معنية بالتحقيق في الشكاوي والمظالم على المؤسسات الرسمية نموذجا الأوروبي اسمه " Ombudsman" أو محقق الشكاوي، وتحول في نسخته الأردنية، التي تحققت بالفعل "مع بعض التغييرات المشوهة للفكرة"، إلى "ديوان المظالم".

في كوبنهاغن، وبعد يوم طويل مع مرافقنا الدنماركي من وزارة الخارجية، سألتُ العرموطي عن لحظة دفاعه المستميت حينها عن الملك وأن الفكرة، كما كان يقول للمرافق الدنماركي، هي ملكية تأتي في سياق رؤية الملك نفسه للإصلاح السياسي (ونذكّر أن هذا الحديث يعود إلى عام ٢٠٠٥) فرد صديقي المحامي والشاعر : أنا مؤمن أن المؤسسات الحقوقية هي مؤسسات تحمي الدولة والعرش.

في نفس سياق الاستحضارات الشخصية، فإنني لا أدعي شرف معرفة شخصية بالسياسي الأردني إرحيل الغرايبة، رئيس مجلس أمناء المركز الوطني لحقوق الإنسان، لكن أتذكر لقاءً يتيما معه يعكس انفتاح الرجل ربما على "الإنسانية" بمعناها الواسع وذلك في انتخابات البرلمان عام ٢٠٠٧.

وكان الغرابية مرشحا عن التيار الإسلامي حينها، وبدعوة من زميل صحفي "إسلامي" رتب اللقاء، اجتمعنا مع الرجل وهو يلتقي في مقهى بوسط البلد وباتفاق على سرية اللقاء وعدم نشره، مع مجموعة من الشباب والصبايا من مجتمع المثليين جنسيا، في حوار بادر به الشباب والصبايا بمناقشة المرشح الإسلامي الذي كان يسعى في سباقه الانتخابي لكسب الأصوات "وهذا مشروع طبعا في سياق التنافس الانتخابي"، ويومها فاجأني الرجل الإسلامي بمرونته الهائلة في الردود "الشرعية" بصيغة سياسية على كل تساؤلات مجتمع المثليين الأردني.

رغم كل محاولات تكييف القضية ضمن إطار "قانوني" بحت، إلا أن شعورا عاما لدى كل من يطّلع عليها يضعها في إطار سياسي أكثر تشابكا وتعقيدا، ومرشحة لمزيد من التصعيد على مستوى يتجاوز "محليتها" الأردنية، بدءا وليس انتهاءً بالمنحة الإسبانية التي يصر رئيس مجلس الأمناء "وطاقمه القانوني" على أن فيها مخالفات مالية جسيمة، وهو اتهام يتجاوز العرموطي ذاته ليصل إلى ذمة المانحين الإسبان والأوروبيين!

وحسب ما يرد من أخبار على تداعيات لعبة القمار السياسي فإن الخسارة بدأت فعليا بالتدحرج لتصل إلى حد إيقاف منح "دولية" كانت مرصودة لمشاريع في الأردن، بالإضافة إلى إعادة النظر في عملية تصنيف المركز الوطني لحقوق الإنسان تصنيفا متقدما بعد الهزة التي تعرض لها من خلال "كف يد" المفوض الشرعي المعين بإرادة ملكية وبتنسيب من الحكومة، وهذا بعد دولي آخر يضع الدولة الأردنية في خانة التساؤلات الملتبسة، هذا أثر الفراشة الذي لا يزال يحدث.

حسب حيثيات ما ورد إلينا وقد راجعت فيه أغلب الأطراف "الشاهدة عيانا أو عن بعد" ما حدث، فإن رئيس مجلس الأمناء استطاع صياغة قرار "كف يد" المفوض العام من خلال تحشيد ما يلزم شكليا من إسناد قانوني هو في طبيعته "غير قانوني".

ويبدو أن المفوض العام، الذي أثار جدلا قبل أشهر حين تحدث عن التعديلات الدستورية في لقاء عام كان هو ضيفه الرئيس، بالإضافة إلى ممارسته لصلاحياته باستقبال "حراكيين" في مبنى المركز، قد أثار حفيظة كل من المدافعين حد "التكفير السياسي" عن التعديلات الدستورية التي لا تزال تثير جدلا، وكذلك غضب الجهات التي تحاول "إخفاء" أي صوت معارض يتجاوز الخطوط الحمراء التي يعتقدون بوجودها في دولة تبحث عن حلول تغيير جذري يقودها الملك نفسه.

رئيس مجلس الأمناء "وهو لا يملك شرعية كل ما اتخذه من قرارات" أخفى عن المفوض العام نيته بكف يده ولم يفاتحه، ولو بودية السؤال، عن أي ملابسات لمشروع المنحة الإسبانية في رحلة جمعتهم إلى القاهرة.

لكن الأمين العام الخبير بالعمل السياسي "تحت الأرض خصوصا"، وهي مهارة يفتقدها المفوض العام، قرر وبعد رحلة القاهرة تشكيل لجنة "تحقق" أولى ترأسها عضو مجلس أمناء ويحمل أيضا صفة نائب "مشرع" في البرلمان، وقد حاولت التواصل مع سعادة النائب الذي رد أنه مشغول بورشة عمل في الخارج.

لجنة التحقق تلك تم استحداثها بقرار منفرد من رئيس مجلس الأمناء دون العودة إلى المجلس نفسه، في خروج واضح على صلاحياته المحددة نصا في مؤسسة "حقوقية" عنوانها القانون نفسه، ومع ذلك رد المفوض العام على مخرجات لجنة التحقق غير الشرعية، وقد اطلعنا عليها لنجدها مناكفات تشبه إثارة أول الزوابع لتحقيق فكرة الموجة الهائجة والعالية.

رئيس مجلس الأمناء مارس أمانته لما يؤمن به، فشكل لجنة "تحقيق" ثانية (فلنلاحظ أن الأولى لجنة تحققا وليس تحقيقا) مما يعني أن ردود المفوض العام لم تكن كافية.

وقبل أن تكمل لجنة التحقيق أعمالها وقد وصلت إلى مرحلة الاستماع إلى شهود طلبهم المفوض العام، وحتى الاستماع إلى لجنة المشاريع التي تملك كل تفاصيل المشروع قيد النظر، قرر رئيس مجلس الأمناء الدعوة إلى جلسة طارئة حدد موعدها بشكل انفرادي في ساعة معينة، يقرر "اعتباطا" تأجيلها ساعتين بعد الموعد المحدد ليتسنى لمجموعة "حوارييه" حضورها.

وبدون قراءة أي تقرير تمت قراءة توصيات اللجنة التي لم تكمل أعمالها بعد، وأبلغ الرئيس ذو الخبرة بالعمل السياسي أن طلبا من هيئة "النزاهة" قد ورد بتحويل الملف إليهم. ورفض رئيس مجلس الأمناء اعتراضات بعض "الأمناء فعلا" لديه، قائلا إنه يرفض التحقيق مع لجنة التحقيق، وهي لجنة تستحق التحقيق فيها جيدا.

ورفض الرئيس حضور أحد الأعضاء عبر تطبيق "زووم" المعتمد فعلا في جلسات سابقة وهي عضو معروف باعتراضها على غالبية سياسات رئيس المجلس ذو الخلفية الإسلامية، والتي حسب إقرار من تواصلت معهم من سيدات ذوات محترمة من أعضاء في مجلس الأمناء كان يخاطبهن في كثير من الجلسات باستعلاء ذكوري "واضح"، حد قوله لإحداهن: "بكفي إني متحملِك".

كل الوقائع الواردة تثبت ما يشبه "الإعداد المسرحي" تمهيدا لإزاحة المفوض العام، والوقائع لم ينفها أحد ممن تواصلت معهم في مكالمات مباشرة، ومن بينهم الأستاذ القانوني عضو مجلس الأمناء، ليث نصراوين، والذي أكد لي بداية أن المفوض العام لا يزال يحمل صفته كمفوض عام لكن تم "كف يده" عن العمل فقط (!) وهو تكييف قانوني واضح زاد الالتباسات أكثر عندي، وللإنصاف فإن السيد نصراوين أيضا لم أعرفه شخصيا إلا في لقاء عابر ويتيم في الأردن حيث كنت ضيفا متحدثا عن موضوع "إقليمي" في الجمعية الأردنية للعلوم والثقافة.

وكان المتحدث قبلي الأستاذ نصراوين وكان جل حديثه دفاعا عن لجنة تحديث المنظومة السياسية التي كان عضوا فيها، ومدافعا شرسا بشكل قانوني عن التعديلات الدستورية الأخيرة التي، وللمصادفة، كان "المفوض العام" وهو أيضا رجل قانون، متحفظا عليها.

ورغم تأكيد أحد المصادر في المركز الوطني لحقوق الإنسان أن السيد نصراوين كان قد أعلن رغبته بالتقدم لمنصب المفوض، لولا إقرار اتفاق بين الأمناء على أنه لا يجوز لأي عضو في مجلس الأمناء التقدم للمنصب، إلا أن السيد نصراوين أكد لي بحزم وأحرف الجزم أنه "لم ولن يقبل أن يكون مفوضا عاما".

السيد نصراوين استطرد في حديثه أنه يرى في المخالفات "قيد التحقيق" تجاوزات مالية وقانونية جسيمة حسب وصفه، مؤكدا لي أنه تم الطلب من المفوض العام الاستقالة أكثر من مرة من قبل، و"من قبل" هنا تأكدت أنها كانت زمنيا قبل حضور أي اتهامات أو إثارة شبهات في القضية المنظورة للتحقيق.( وهذا يثبت ضمنيا نية مسبقة قديمة في التخلص من المفوض العام مكفوف اليد حاليا).

قرار "كف اليد" غير القانوني والبعيد عن النزاهة المؤسسية تبعته تداعيات داخلية واعتراضات من داخل مجلس الأمناء نفسه حد تقديم أحد أعضائه من السيدات الاستقالة المشفوعة بأسباب تفصيلية كان من أبرزها، حسب ما وصلني من نص الاستقالة المليئة، تلك التحفظات على آلية استحداث لجان التحقيق والتسرع باتخاذ القرارات الإدارية بدون وجه حق.

ببساطة، نحن هنا امام إقصاء سياسي تم تغليفه "بسذاجة" بمسار قانوني باهت الملامح، والأنكى أن عنوان كل الأحداث كان ولا يزال في مركز "وطني" يحاول أن يقنع المواطن المحتقن أصلا بحياديته الحقوقية ومرجعيته كأحد مراكز التظلم النزيهة.

لا شك أن العمل السياسي حالة مشروعة بل ومطلوبة في إعادة إنتاج الدولة الأردنية ضمن عملية إصلاح المنظومة السياسية، لكن استخدام مؤسسات الدولة كروافع سياسية تحقق الطموحات السياسية وضمن اتفاقات وصفقات "أمنية" تضمن الوصول السريع يعد هدما للإصلاح، لأنه ببساطة هدم لمؤسسات الدولة.

ومن المؤسف أن تتخذ الحكومة موقفا حياديا في قضية تعتبر من صلب صلاحياتها في التدخل الإجرائي حفاظا على سمعة مؤسساتها الوطنية، والاختفاء خلف تجيير "التعيينات" في المركز لحكومة سابقة غير منطقي في دولة دستورية "افتراضا"، تكمل فيها الحكومات عمل بعضها البعض، فكلها حكومات الملك الذي ينادي بالإصلاح لكن الحرائق تشتعل في كل منعطف "إصلاحي" والفاعل يبقى دوما مجهول الهوية.

وعودا على بدء، فإن أثر الفراشة الذي بدأنا الحديث به وعنه، يضع القضية على سكة "الجدل الدولي" وفقدان مصداقية مؤسسة تابعة للدولة من المفترض أن تكون مستقلة في قراراتها ليفتح ذلك ثغرة واسعة من الفراغ في عمل منظمات المجتمع المدني وهو ما يجعل التسلل "المريب" سهلا لكسب مصداقية المانحين الدوليين بأي طريقة تكسب للمال والمنح ومزيد من التقارير التي قد يصل بعضها إلى الشطط والتطرف في اتهام الأردن في قضايا حقوق الإنسان،

وحينها سيدرك الأردنيون أي خسارة فادحة تلك في المركز الوطني لحقوق الإنسان، وقد تحولت إلى ميدان مناكفات سياسية بتدخل أمني بوليسي لا يمكن التجاوز عنه، وربما كان اجتهادا فرديا لصاحب قرار أمني نصف أمي ونصف جاهل، يسعى فقط لإغلاق ملفاته الرسمية أمام رؤسائه حتى لو كان ذلك عن طريق الصفقات السياسية السرية.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!