متظاهرون سودانيون ينددون بإسقاط نظام الرئيس المصري محمد مرسي في العاصمة، الخرطوم
متظاهرون سودانيون ينددون بإسقاط نظام الرئيس المصري محمد مرسي في العاصمة، الخرطوم

استولت جماعة الإخوان المسلمين على الحكم في السودان عبر الانقلاب العسكري، في يونيو 1989، وسيطرت على مقاليد الأمور لثلاثين عاما طبقت خلالها جميع الأفكار والشعارات التي ظلت ترفعها وكانت النتيجة هى تشييد أعتى دولة للاستبداد الديني والسياسي والفساد والجريمة شهدها تاريخ السودان الحديث منذ خروج المستعمر البريطاني عام 1956 حتى سقط حكمها بثورة شعبية اندلعت في ديسمبر 2018 .

وبعد السقوط المدوي لنظام الجماعة ظن الكثيرون أنها ستسعى للاستفادة من دروس التجربة البغيضة التي وضعت البلاد على شفير الهاوية، ولكن قيادتها آثرت الاستمرار في ذات الدرب الذي أدى لفشلها الذريع في حكم البلاد، مؤكدة صدقية قول المفكر المصري الراحل الدكتور، كمال أبو المجد، في حقها : "إن أغلبية الإخوان المسلمين, وخاصة قياداتهم كانوا مثل أسرة البوربون التي حكمت فرنسا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر: لا يتذكرون شيئا، ولا يتعلمون شيئا، فيرتكبون نفس الخطايا، فيثور عليهم الشعب من جديد".

لم تقم الجماعة بأداء المطلوبات المتوقعة من أي كيان سياسي سيطر على دفة لثلاثة عقود وانهار نظامه بثورة عارمة، وفي مقدمة تلك المطلوبات تقديم الاعتذار للشعب السوداني وإجراء المراجعات الفكرية الشاملة وعدم السعي لإجهاض المسار الجديد في البلاد.

وعلى العكس من ذلك، عملت على إفشال التغيير بكل السبل ثم خرجت للناس بكيان جديد في شكله ولكنه يحمل نفس الجوهر الذي ظلت تدعو إليه الجماعة من أفكار وشعارات تم تطبيقها وكان محصلتها الفشل الذريع. 

عجزت الجماعة عن تقديم اعتذار علني للشعب عن العسف والبطش وجرائم الإبادة الجماعية (بلغ ضحاياها في دارفور وحدها 300 ألف قتيل بحسب تقارير الأمم المتحدة) التي ارتكبتها ودفع السودانيون ثمنها غاليا من المهج والأرواح والدماء، والاعتذار ليس قيمة غير ذات جدوى بل هو ضرورة ومطلب أساسي للتعافي الفردي والجماعي، وهو يعني الاقتناع التام بأن هناك خطأ ينبغي تصحيحه وبالتالي فإن نوع الاعتذار لا بد وأن يقترن بنوع الخطأ وحجمه.

إن عدم تقديم الاعتذار العلني والواضح يعني أن الجماعة ما زالت تتمرس في موقفها القديم وأنها لم تدخل بعد في مرحلة التعافي التي تمكّنها من فتح صفحة جديدة مع الشعب السوداني، ذلك أن الندم المقترن بالاعتذار هما شرطان أساسيان للتعافي، لأنهما يستبطنان إدراك المخطئ للخطأ الذي ارتكبه وعزمه الأكيد على تصحيحه.

الأمر الثاني المهم لضمان عدم تكرار التجربة الفاشلة هو إجراء المراجعات الفكرية اللازمة لمنع قيام دولة الاستبداد والفساد التي شيدتها الجماعة في السودان، ومن المعلوم أن ممارسات الجماعة في الحكم لم تكن وليدة أخطاء غير مقصودة، بل كانت نتيجة مباشرة لتطبيق الأفكار والمفاهيم والشعارات التي ظلت تنادي بها من شاكلة الحاكمية والبيعة والطاعة والاستعلاء وأخوة العقيدة وغيرها.

كذلك كان من الضروري أن تكف الجماعة يدها عن العبث بمسار التغيير الذي تشكل بعد الثورة، ولكنها على العكس من ذلك سعت لعرقلة العملية الانتقالية بشتى السبل، وكان آخرها دعم الانقلاب العسكري الذي وقع في 25 أكتوبر 2021 وأطاح بمكتسبات الثورة.

وإذ يسعى أي تنظيم سياسي للوصول للسلطة من أجل تطبيق برنامجه، فقد وجدت الجماعة فرصة لم تتح لأي منظومة سياسية في السودان، حيث قامت بتنفيذ كل شعارتها وأفكارها خلال ثلاثين سنة، فما هو الجديد الذي ستقوم بطرحه؟ 

عقدت الجماعة، الشهر الماضي، مؤتمرا صحفيا أعلنت فيه تدشين تنظيم تحت مسمى "التيار الإسلامي العريض" جمعت فيه شتاتاً من أفراد وجماعات الإسلام السياسي، بمن فيهم مؤيدون لتنظيمات القاعدة وداعش.

وقد تحدث في المؤتمر الصحفي عدد من قيادات الإخوان وأعادوا سكب ذات النبيذ القديم في الكأس الجديدة التي يريدون أن يسقوا منها شعب السودان.

في حديثه بالمؤتمر الصحفي، قال القيادي الإخواني، حسن رزق، الذي تم اختياره رئيسا للتنظيم الجديد: "نؤمن بوحدة العمل الإسلامي، ونتفق على وحدة الهدف الذي يتمثل في تحقيق (الحاكمية لله) والحكم بما أنزل الله سبحانه)"، وأشار إلى أن "وحدة العمل الإسلامي فريضة شرعية وضرورة ملحة للدفاع عن الدين في وجه الكيد العالمي والمحلي".

مفهوم "الحاكمية" الذي تطرحه الجماعة ويقول به رزق يعني بالنسبة لهم حكم الله في الأرض، وأن ما عداه هو حكم الجاهلية أو الطاغوت حيث يعتدي البشر على أخص خصوصيات الله وهو التشريع.

وهو المفهوم الذي صاغه سيد قطب، وقال عنه إن "الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض وعلى أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية. تسند الحاكمية إلى البشر في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم والشرائع والقوانين والأنظمة والأوضاع بمعزل عن منهج الله للحياة وفيما لم يأذن الله به".

وبناءً على هذا المفهوم رفعت الجماعة شعار تطبيق الشريعة في السودان والذي تم اختزاله في بعض المواد بالقانون الجنائي وقانون النظام العام، استخدموها لإذلال المواطنين المقهورين و الجوعى، بينما كان أباطرة الفساد من قيادات التنظيم يسرحون ويمرحون في الأكل من موائد المال الحرام دون أن يطرف لهم جفن.

لم يمنع شعار الحاكمية الذي طبقته الجماعة قيام "دولة اللصوص" التي وقف على رأسها رموز الجماعة، فما هو الجديد الذي سيأتي به رزق وإخوانه من خلال ترديد الشعار المجرَّب "الحكم بما أنزل الله"؟ 

أما الخدعة الأخرى المعروفة التي استخدمتها واجهة الإخوان الجديدة فهى استثارة عواطف الناس عبر الحديث عن تهديد متوهم للدين، وقد عبّر عنها رزق بالقول: "التيار الإسلامي مُستهدف من دول الاستكبار العالمي ومن أذنابهم ومن أذناب أذنابهم، والمدافعة قائمة بيننا وبينهم إلى قيام الساعة. ولينصرن الله مَن ينصره إن الله لقوي عزيز".

وهاهي الجماعة تعود بعد ثلاثين عاما من السيطرة على الدولة لتردد نفس الأسطوانة المشروخة التي بدأت بها سنوات حكمها الاستبدادي الفاسد، حينما كان أتباعها يرددون الأهازيج من شاكلة: "أميركا وروسيا قد دنا عذابها .. علىَّ إن لاقيتها ضرابها"، إذ تستمر في اللجوء لتبرير عجزها وفشل شعاراتها وأخطائها المُرَّكبة بتبني نظرية المؤامرة، فالرد الجاهز لتفسير كل قصور و إخفاق وأزمة هو وجود مؤامرة من دول الاستكبار تستهدف الإسلام .

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!