"إنتاج الدكتور الأسواني الأدبي يتمتع برواج استثنائي بحيث ترجم إلى 37 لغة وطبع في أكثر من 100 دولة"
"إنتاج الدكتور الأسواني الأدبي يتمتع برواج استثنائي بحيث ترجم إلى 37 لغة وطبع في أكثر من 100 دولة"

هاجم الإعلام المصري قبل أيام الروائي المصري والعالمي الدكتور، علاء الأسواني، المعروف بمعارضته لنظامي مبارك والسيسي، وكان السبب المعلن لهذا الهجوم إجراؤه لقاء مع وكيله الأدبي في لندن والذي نقله بدوره إلى إحدى محطات الإذاعة الإسرائيلية بمناسبة صدور الطبعة العبرية من روايته "جمهورية كأن" وهي ثالث رواية للكاتب تترجم إلى اللغة العبرية.

وشارك في هذا الهجوم أغلب الإعلاميين، وقال أحدهم إن ما دفع الأسواني لإجراء مقابلة مع إذاعة إسرائيلية هو سعيه للحصول على جائزة نوبل، مع أن إنتاج الدكتور الأسواني الأدبي يتمتع برواج استثنائي بحيث ترجم إلى 37 لغة وطبع في أكثر من 100 دولة وتم اختياره في كبريات العواصم كأحد أهم الروائيين والمفكّرين في عالم اليوم، وبالتالي هو مرشح طبيعي لجائزة نوبل ولكن العقليّة التآمريّة رائجة في هذه المنطقة، فقد اتّهموا قبله الكاتب الكبير، نجيب محفوظ، بأن سبب حصوله على جائزة نوبل تأييده لاتفاق السلام المصري الإسرائيلي!. 

كما ربط نفس الإعلامي هذه المقابلة مع شهادة الدكتوراه الشرفيّة في الأدب الإنساني التي منحته إياها قبل أيام إحدى أهم الجامعات الأميركية المتخصّصة في الفنون والآداب، بما يشير إلى أنّ هذا الإعلامي لا يعرف أن هذا التكريم يحمل الرقم عشرين في قائمة الجوائز والتكريمات التي حصل عليها الأسواني من أهم المراكز الثقافية في العالم.

وتابع الإعلامي متسائلاً عن جدوى الترجمة إلى اللغة العبرية لقلّة عدد من يقرأ بهذه اللغة، ولكن الحقيقة أن 25 في المئة من الإسرائيلين يقرؤون الكتب بشكل يومي وأن 47.4 في المئة من الإسرائيليين يقرأ أكثر من خمسة كتب سنويا، بينما قالت منظمة اليونسكو أن معدّل قراءة الفرد العربي يكاد يكون صفريّا حيث يقرأ بمعدل ست دقائق سنويا مقارنةً مع 200 ساعة للأوروبي!.  

ولكن الاتّهام الأكثر غرابة الذي وجّهه هؤلاء الإعلاميون عبر القنوات الرسمية التي تعكس دائما مواقف الحكومة المصرية فقد كان أن هذا اللقاء يعتبر "تطبيعاً مع العدو الاسرائيلي"، والمفارقة أن رئيس الوزراء الإسرائيلي زار مصر وقابل الرئيس السيسي مرتين خلال الأشهر الماضية، بالإضافة إلى زيارات عديدة متبادلة بين الوزراء والمسؤولين الأمنيين في البلدين كان آخرها زيارة سامح شكري، وزير الخارجية المصري لإسرائيل قبل بضعة أسابيع.

كما دخل آلاف السيّاح الإسرائيليين إلى سيناء قبل شهر للاحتفال بعيد الفصح اليهودي وأقاموا هناك مهرجانين موسيقيين، وترافق ذلك مع الإعلان عن افتتاح خط طيران مباشر بين تل أبيب وشرم الشيخ، ولم نسمع في كل هذه المناسبات أي انتقاد أو استنكار من هؤلاء الإعلاميين لهذا "التطبيع". 

ولعل الأهم من كل ما سبق الشراكة الاستراتيجية في مجال الغاز بين مصر وإسرائيل والذي توّج بتوقيع أهم اتّفاق اقتصادي بين البلدين بلغت قيمته الإجمالية 15 مليار دولار، وبدأ تشغيله عام 2020 تصدّر فيه إسرائيل 200 مليون قدم مكعّب من الغاز يوميًا لمصر على أن تزيد الكمية تدريجيا، وهناك تتم إسالته وإعادة تصديره.

وأدّى غاز شرق المتوسط إلى قيام تحالف اقتصادي بين مصر وإسرائيل وقبرص، والذي ترافق في بعض الأوقات مع تنسيق عسكري لمواجهة الاستفزازات التركية، أي أن العلاقات المصرية الإسرائيلية على المستويات السياسية والاقتصادية والسياحية وحتى العسكرية على أفضل ما يرام وهذا من مصلحة شعوب المنطقة والشعب المصري تحديداً، مما يجعل صراخ الإعلاميين المصريين وهجومهم على اللقاء الإذاعي للأسواني استعراض تمثيلي لا يخدع أحداً. 

وكذلك من الملاحظ أن هذا الإعلام يستخدم باستمرار عند الحديث عن إسرائيل مفردة "الكيان"، وهذه الكلمة تعني عدم الاعتراف بدولة إسرائيل، رغم أن اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية تنصّ على الاعتراف الكامل المتبادل بين جمهورية مصر العربية ودولة إسرائيل، وعلى احترام كل منهما سيادة الآخر وسلامة أراضيه وحق كل منهما في العيش بسلام داخل حدوده الآمنة، بالإضافة إلى تعهّد كل طرف بالامتناع عن أفعال الإثارة والتحريض ضد الطرف الآخر، وبالتالي فإن كلمة "الكيان" لا تتماشى مع هذه الاتفاقيات التي التزمت فيها كافة الحكومات المصرية المتعاقبة منذ أكثر من 43 عاماً، وللتأكّد من ذلك ما على هؤلاء الإعلاميين سوى إلقاء نظرة على السفارة الإسرائيلية في القاهرة. 

وكذلك هناك تناقض كبير بين خطاب الكراهية ضد إسرائيل الذي يروّج له الإعلام المصري وبين ما يحدث على أرض الواقع، حيث تتم حماية السياح الاسرائيليين بترتيبات أمنية استثنائية ففي أحيان كثيرة تسبق سيارة أمن الرحلات السياحية وتعقبها سيارة أمن أخرى.

وعبّر عن ذلك نقيب مصري كان مسؤولًا عن حماية رحلة سياحية إسرائيلية، "إذا سقطت شعرة من رؤوس أحدكم فسيتم فصلي من عملي"، وربما كانت الحاجة لهذه الإجراءات الأمنية المكلّفة أقل لو خفّف الإعلام الرسمي المصري من حملات تحريضه المنظّمة ضد إسرائيل. 

كما يخدع الإعلام الرسمي المصري شعبه عندما يقول أن تحرير سيناء تمّ نتيجة الانتصار العسكري في حرب تشرين 1973، رغم أن الحقيقة تقول إنه بعد الأيام الأولى للحرب والتي شهدت النجاح في اقتحام خط بارليف والذي يعتبر إنجازا عسكريا لافتا، ولكن هجوما إسرائيليا معاكسا في الأيام الأخيرة من هذه الحرب أدّى إلى دخول قوات إسرائيلية إلى الضفة الغربية من قناة السويس عبر منطقة الدفرسوار ومحاصرة الجيش الثالث وعزل مدينة السويس مما جعل الطرفين يوافقان على وقف إطلاق النار دون انتصار حاسم لأحدهما.

والحقيقة أيضاً أن تحرير سيناء قد تم بفضل إتفاق السلام والخطوة الكبيرة والشجاعة التي اتّخذها الرئيس السادات بالذهاب شخصياً إلى القدس ومخاطبة الكنيست وقادة إسرائيل وجهاً لوجه. 

ومن الصعب فهم سبب خطاب الكراهيّة الذي يروّج له الإعلام الرسمي المصري إلّا باعتباره أحد مظاهر المنافسة والمزايدة في "الوطنيّة" الساذجة والزائفة مع إعلام الإسلاميين.

فمن الطبيعي أن تستخدم وسائل إعلام الإخوان المسلمين خطاباً تحريضياً ضد الحكومات المصرية المتعاقبة متهمةً إيّاها بنقص الوطنية بسبب اتفاقية السلام رغم أن التعهّد الأول الذي قدّمته حكومة الإخوان والرئيس مرسي حين استلامها السلطة كان الالتزام بكل الاتفاقيات التي وقّعتها الحكومات المصرية السابقة وكان المقصود تحديداً اتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية.

ولكن ليس أمام الإسلاميين سوى المزايدة الإعلامية في مثل هذه القضايا، لأنّهم لا يملكون برامج سياسية او اقتصادية أو اجتماعية حقيقية لمعالجة المشاكل التي تعاني منها شعوب المنطقة، أمّا غير المفهوم فهو أن تنجرّ الحكومة المصرية إلى مثل هذا الخطاب الإعلامي. 

وعند الحديث عن الإسلاميين لا بد من المرور على المواقف التي تتبنّاها مؤسسة الأزهر والتي عوضاً عن أن تكون مرجعية دينية تدعو إلى المحبة والسلام نراها من خلال بياناتها مؤسسة سياسية غاضبة تنتظر أي قرار أو تصرّف أو تصريح تراه غير مناسب لتصدر بيانات الشجب والإدانة، ضد "الكيان الصهيوني الإرهابي" والرئيس الفرنسي "العنصري" ماكرون والإدارة الأميركية والإعلام الغربي الذي يتعمّد الإساءة للإسلام، وخطاب الأزهر السياسي المتطّرف ينسجم مع خطابه الاجتماعي المتزمّت والذي أعاد مصر سنوات للوراء.

بحيث يبدو الأزهر في حالة منافسة مع الإخوان المسلمين والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في قطر، يرى فيه الأزهر أن المزيد من التطرّف هو الطريقة الأمثل للانتصار في هذه المنافسات. 

وفي النتيجة يعيش المواطن المصري هذه الأيام ضمن مناخ ثقافة الكراهية التي يشترك في الترويج لها الإعلام الرسمي والمعارض وخاصّة إعلام الإخوان المسلمين ومؤسسة الأزهر حيث يتعاون الجميع في نشر هذه الثقافة، خاصّة ضد الغرب وديمقراطيته ومفاهيمه في حقوق الإنسان وحريّة الفكر والمعتقد.

كما تتعاون هذه الأطراف في نشر مشاعر الغضب ضد كل ما هو مختلف وربما تلعب هذه العوامل بالاشتراك مع انخفاض مستوى المعيشة وزيادة أعداد من يعيشون تحت خط الفقر وانسداد آفاق المستقبل أمام أغلبية السكان دورًا في ما تشهده مصر حالياً من ارتفاع غير مسبوق في أعداد الجرائم مع زيادة في  غرابتها وتوحّشها، وإذا لم يكن تحسّن الوضع الاقتصادي متوقعًا على المدى القريب فلابدّ من التوقف عن الترويج لثقافة الكراهية على أمل التقليل من هذه الجرائم.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!