قارب تابع للبحرية الإسرائيلية على الحدود مع لبنان (أرشيفية)
قارب تابع للبحرية الإسرائيلية على الحدود مع لبنان (أرشيفية)

إذا جرى الاستناد الى ظاهر الكلام الذي صدر عن بعض المسؤولين الإسرائيليين، من جهة وعن الأمين العام لـ"حزب الله" حسن نصرالله، من جهة أخرى فإن شبح حرب جديدة يلوح في الأفق. 

ولكن إذا تمّ التعمّق في بواطن هذا الكلام، فيبدو واضحاً أنّ الطرفين يرفضان الذهاب إلى هذا الخيار. 

 وإذ يتمسّك المسؤولون الإسرائيليون بكامل حقل "كاريش" الغازي، رافضين أن ينازعهم لبنان على أيّ حقّ فيه، فإنّهم يفضّلون إحياء المفاوضات مع لبنان التي توقفت في أيّار/مايو 2021، على الرغم من جهوزية جيشهم الكاملة. 

وفي المقابل، فإنّ الأمين العام لـ"حزب الله"، وعلى الرغم من تأكيد استعداد حزبه للحرب ومواجهة عمليات استخراج الغاز من حقل "كاريش" بتهديده سفينة "إينرجان باور" بالإستهداف، إلّا أنّه أظهر، بشكل لا لبس فيه، أنّه يضع نفسه خلف قرار الدولة اللبنانية التي وجّه كبار مسؤوليها الرسميين دعوة عاجلة جدّاً الى الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين لزيارة بيروت من أجل إحياء مفاوضات الحدود البحرية. 

وقد ذهب نصرالله، في كلمة تلفزيونية ألقاها أمس، إلى أبعد من ذلك، إذ إنّه رفض أن يُحدّد موقف حزبه من "لبنانية" الخط 29 الذي يصل الى عمق حقل "كاريش"، داعياً من يطالبه بذلك إلى "التريّث قليلاً"، مشيراً إلى أنّه لن يفعل شيئاً من شأنه أن يُربك الموقف الرسمي. 

وهذا يُفيد بأنّ "حزب الله" يدعم المفاوضات التي تطلب السلطات اللبنانية المختصة من الوسيط الأميركي إحياءها، كما يدعم موقف رئيس الجمهورية ميشال عون الذي كان قد رفض توقيع مرسوم تعديل الحدود البحرية الجنوبية، بحيث تضم إلى الخط 23 الذي تبلغ مساحته 860 كيلومتراً مربّعاً الخط 29 الذي تبلغ مساحته 2290 كيلومتراً مربّعاً. 

وعليه يُصبح الهدف المحدّد للدعوة التي وجّهها المسؤولون اللبنانيّون الى الوسيط الأميركي لزيارة بيروت المتوقّعة بعد غد الأحد، بتشجيع من "حزب الله" أمام احتمالين لا ثالث لهما: إمّا أنّ السطات اللبنانية باتت تملك موقفاً إيجابياً من عرض قدّمه هوكشتاين في آخر زيارة قام بها لبيروت في فبراير الأخير، وإمّا أنّ هؤلاء المسؤولين يشاركون في مناورة يطلبها "حزب الله" لدرس إمكانات المواجهة، بعد تجييش الرأي العام حول ملف استخراج الغاز على اعتباره "المخرج الوحيد" من الكارثة التي وقعوا فيها. 

لماذا حصر المسألة بهذين الاحتمالين؟ 

نبدأ من "الاحتمال التفاوضي"! 

يعرف المسؤولون اللبنانيون تمام المعرفة أنّ الوسطاء الأميركيين الذين عملوا على هذا الملف، على مرّ السنوات، رفضوا أيّ بحث في حق لبنان بالنقطة 29، وأنّ إسرائيل تركت طاولة المفاوضات، في جولتها الخامسة، لأنّ الوفد المفاوض اللبناني أصرّ على البحث في هذه النقطة، وقالت إنها لن تعود قبل أن يُهمل لبنان هذا المطلب "المستجد". 

كما يُدرك هؤلاء المسؤولون أنّ العرض الأخير الذي قدّمه هوكشتاين لا يستجيب لهذا المطلب، حتى جزئياً. 

وهذا يعني أنّ دعوة الوسيط الأميركي لزيارة لبنان بهدف العمل على إحياء المفاوضات لا قيمة لها إذا لم يكن المسؤولون اللبنانيون قد توصّلوا الى صياغة موقف إيجابي من هذا العرض. 

وفي هذه الحالة، تكون سفينة " إينرجان باور" قد دخلت الى منطقة إسرائيلية خالصة، فتسقط التحفّظات وتنطلق المفاوضات مجدّداً لترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، وفق رؤية أميركية تقوم على فصل الحقول لتحريرها من كل تداخل. 

ولكن، لا يمكن الركون إلى "حصرية" هذا الإحتمال، إذ إنّ المناورة قد تكون واردة، وهدفها تثبيت "النزاع الإشكالي" مع إسرائيل، وانتظار التوقيت الأكثر ملاءمة لخوض "مغامرة" الحرب. 

وفي هذه الحالة، فإنّ المسؤولين اللبنانيين، عندما يلتقي بهم هوكشتاين، سوف يطلبون منه، بطريقة ملتبسة، إحياء المفاوضات من دون قيد أو شرط، ويدعونه إلى الطلب من إسرائيل أن توقف كلّ خطط استخراج الغاز من حقل "كاريش" على اعتبار أنّها "نقطة نزاع"، وإلّا فإنّ الحرب على الأبواب، على اعتبار أنّ "الشعب اللبناني" لن يقف متفرّجاً على ثروته "المنهوبة"، وفي هذه الحالة، فإنّ الحرب لن تكون بين لبنان وإسرائيل فحسب، بل سوف تؤدي "إلى انفجار إقليمي" أيضاً، بدليل ما قاله نصرالله أمس أنّ لبنان لن يكون وحيداً في هذه الحرب، في إشارة ضمنية منه إلى أنّ "محور الممانعة" سوف يكون شريكاً فاعلاً فيها. 

واحتمال "المناورة" وارد للغاية، إذ إنّ لبنان، بعد أخذ وردٍّ استمرّا، منذ العام 2011 حتى العام 2020، وافق على "اتفاق إطار" انطلقت على أساسه المفاوضات، ولكنّه "نسفها"، بتعديل مطالبه، بعد خمس جولات لا غير. 

وخلافاً ل"الحيادية" التي أظهرها نصرالله، أمس لجهة وقوفه وراء قرار الدولة اللبنانية، فإنّه لم يلعب دوراً أساسياً في "نسف" المفاوضات بعدما كان قد وافق عليها، فحسب، بل دخل، بقوة، على خط النيل من الدور الأميركي وتشويه سمعة هوكشتاين، أيضاً. 

وقد كان لافتاً أنّه بمجرد أن قدّم الوسيط الأميركي عرضه الأخير، في فبراير الماضي، إلى المسؤولين اللبنانيين، شنّ "حزب الله" ضدّه حملة بدأتها "أجهزة الدعاية" التابعة له قبل أن يتولّاها نصرالله بالذات الذي كان قد قال، في مايو الماضي:" إنّ المقاومة هي ضمان ثروة الغاز في البحر، لا هوكشتاين ولا فرنكشتاين ولا أينشتاين"، واصفاً الوسيط الأميركي ب"غير النزيه والمتواطئ والداعم لإسرائيل"، زاعماً أنّ "الأميركيين يأتون للتفاوض حول الحدود لأنّهم يعرفون أنّ في لبنان مقاومة ستدفّع العدو ثمناً إذا منع لبنان من الإستفادة من حقوقه وثرواته". 

ولكن بمجرد أن لامست السفينة "انرجين باور" حقل "كاريش" الغازي، إختفى "التنمّر"، ولم يعد "الأميركيون هم من يأتون" بل أصبح المسؤولون اللبنانيون، بموافقة ودعم "حزب الله" يستنجدون بهم حتى...يأتوا! 

في الواقع، إنّ حاجة "حزب الله" الى الوقت لدراسة طريقة تعامله مع بدء إسرائيل استخراج الغاز من حقل "كاريش"، في سبتمبر المقبل، هي حاجة ملحّة. 

إذ إنّ الدخول في أيّ مواجهة مع إسرائيل يحتاج إلى توافر شروط عدّة، وأبرزها الآتي: 

 انتظار قرار إيران التي تربكها أوضاعها الداخلية المتردية، وعلاقاتها الدولية المرتبكة في ضوء العراقيل التي تحول دون إحياء "الاتفاق النووي" وصدور إدانة ضدّها عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية. 

مسح معمّق لمستويات الخرق المخابراتي الإسرائيلي لأسرار "حزب الله" العسكرية في لبنان، بعدما تبيّن عمق الخرق في سوريا. 

تجييش الرأي العام اللبناني للقبول بالخسائر التي سوف يتكبّدها، ومن شأنها أن تضيف مآسيَ كثيرة إلى مآسيه الضخمة الحالية. 

إرباك الجبهة الداخلية الإسرائيلية، خصوصاً وأنّها في الآونة الأخيرة، وبالتزامن مع المناورات البحرية والبريّة والحدودية التي أجراها الجيش الإسرائيلي، قد جرت تهيئتها لحرب مكلفة للغاية مع حزب يملك مائة ألف صاروخ وله باع طويلة مع تنظيمات فلسطينية والحدود السورية الإسرائيلية.   

وحتى توافر هذه الشروط، فإنّ "حزب الله" لا يمكن أن يخوض حرباً ضد إسرائيل، لأنّه، بالمحصلة منبوذ" إقليمياً ودولياً ولديه مشاكل حقيقية في الداخل اللبناني. 

وقد كان ملاحظاً أنّ أقرب المحلّلين العسكريين إلى "حزب الله" تعاطوا بخشية كبيرة مع أبعاد استضافة جزيرة قبرص لمناورة إسرائيلية ضخمة حاكت اجتياحاً لمناطق سيطرة "حزب الله" في لبنان. 

الخشية لم تكن انطلاقاً من الأبعاد العسكرية لهذه المناورة، فحسب بل من تقديم قبرص التي تربطها علاقات صداقة تاريخية مع لبنان، جغرافيتها لإسرائيل حتى تجهّز نفسها لحرب محتملة مع "حزب الله"، أيضاً. 

وتشكّل قبرص، وهي عضو في "الاتّحاد الأوروبي"، رمزية مهمّة للمواقف التي يمكن أن تتّخذها، في هذه المرحلة، الدول التي طالما وقفت الى جانب لبنان ضد الحروب الإسرائيلية عليه. 

إنّ دعوة هوكشتاين الى زيارة لبنان لإحياء المفاوضات قد تكون مناورة، ولكن المعطيات العسكرية والإقليمية والدولية والإقتصادية والمالية غير المتكافئة، بالإضافة إلى الخبرة الطويلة التي يتمتّع بها هوكشتاين الآتي إلى إدارة الرئيس جو بايدن من إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، يمكن أن تجعلها دعوة جدية منتجة لمفاعيل إيجابية للبنان الذي أهدر ما يفوق قدرته من المال والإستثمار والثروات والوقت وبات على حافة السقوط في آخر دركات الجحيم! 

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!