لقد صارت إسبانيا "ضلعا أساسيا في مثلث معقد"
لقد صارت إسبانيا "ضلعا أساسيا في مثلث معقد"

لا يمكن قراءة الأزمة الحالية بين الجزائر واسبانيا، إلا إذا نظر إليها من زاوية كونها امتدادا لأزمة أكبر بين الجزائر والمغرب. فإسبانيا قد تكون هنا تلك الكرة الملونة في لعبة البيلياردو، التي تُضرب للاصطدام بكرة أخرى يجب إسقاطها بإحدى الثقوب.

هكذا يبدو المشهد اليوم من شرفة العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين، وكأن من آمنوا بإحلال السلام والتعاون وحسن الجوار بين الأشقاء في المنطقة المغاربية، وبينهم وبين الأصدقاء في منطقة حوض الأبيض المتوسط، كانوا مجرد مثاليين غارقين في الأوهام. وأن من يقتفي أثرهم، لا شك أنه سيصحو على نفسه أمام أسوار حلم مستحيل، أو هو مثل من يطارد خيط دخان، على تعبير الشاعر نزار قباني في قصيدته "قارئة الفنجان"، التي أبدع في أدائها الفنان عبد الحليم حافظ. وقد أصبح فهم ما يجري أمامنا من وقائع وأحداث متلاحقة، يحتاج لمنجمين فلكيين بارعين. والحال أننا الآن بصدد أكثر من فنجان، إذ تنتشر في الخلف فناجين أخرى، شرقا وغربا ومن كل جهات هذا العالم الممتد على مرمى الأزمات والمآسي التي تكاد لا تنتهي.

لقد صارت إسبانيا "ضلعا أساسيا في مثلث معقد"، في مواجهة كل من المغرب والجزائر، "البلدان المتنازعان على الهيمنة والنفوذ في منطقة المغرب العربي والساحل". كما كتب محلل سياسي إسباني. إن "إسبانيا أغلقت أزمة مع المغرب لكنها فتحت أزمة أخرى مع الجزائر"، مضيفا أن ما يحدث الآن هو "حلقة من ذلك التنافس الإقليمي، حيث تخاطر إسبانيا بالتورط فيه".

مباشرة بعد إعلان الجزائر تعليق معاهدة الصداقة التي أبرمتها مع إسبانيا منذ عشرين عاما، كان التبرير هو: "التحول غير المبرر"! في موقف الدولة الإيبيرية من الصحراء الغربية. وبعد هذا الخرق، لم تجد صحف إسبانية من نعت مناسب للجزائر إلا عبارة: "العدو التاريخي للمغرب".

بل إننا إذا عدنا إلى التاريخ القريب، والأسباب التي كانت خلف عقد الجزائر معاهدتها مع إسبانيا، سنجد أنه تم إبرامها في أعقاب "أزمة جزيرة ليلى" التي حصلت بين المغرب وإسبانيا في يوليو 2002. لما أعطت إسبانيا دفعة قوية لعلاقاتها مع الجزائر، ورفعت رتبة العلاقات مع الجزائر إلى نفس مستوى العلاقات مع المغرب، وبلغ هذا التقارب ذروته بتوقيع معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون الموقعة في أكتوبر 2002.  أما في السبعينيات فقد شجع النظام الجزائري استقلال جزر الكناري، كوسيلة للضغط حتى لا تتسامح إسبانيا مع المغرب".

قرابة نصف قرن مضت على اندلاع النزاع الجزائري- المغربي، ظل خلالها ملف الصحراء الغربية عسيراً وعصيا على الطي والإقفال النهائي. وكلما تسرب الاعتقاد بنهايته، سرعان ما يعود ليفتح من جديد، ليتبين للرائي أنه ذهب ضحية خدعة سراب متلألئ فوق رمال متحركة.

لقد حافظ الرئيس عبد المجيد تبون على وضعية الحدود الجزائرية- المغربية المغلقة منذ 1994، كما اتسم النزاع بين الجارين في عهده، بمزيد من الحدة في التصعيد الدبلوماسي والإعلامي.

وفي الأيام الأخيرة من عام 2020، بعد أزمة معبر "الكركارات"، أعلنت البوليساريو خرق القرار الأممي بوقف إطلاق النار، بعد ثلاثة عقود من إقراره. تلى ذلك مباشرة اعتراف ترامب بالسيادة المغربية على الصحراء، وهو الاعتراف المقترن بتطبيع الرباط مع إسرائيل. يومها صرحت القيادة الجزائرية "أن الأمن القومي الاستراتيجي للجزائر بات مهددا بوصول العدو الصهيوني إلى الحدود". ثم أتت مراجعة إسبانيا لموقفها من ملف الصحراء الغربية لتزيد الوضع بين الجزائر والمغرب تفاقما. أما قطع الجزائر لعلاقاتها الدبلوماسية مع المغرب فهو سابقة مثيرة، إذ استمرت من قبل العلاقات الدبلوماسية بين الجارين، رغم التوتر العالي في علاقاتهما الثنائية، منذ ما يسمى بـ"حرب الرمال" في 1963، والمواجهات بين الجيش المغربي والبوليساريو في الثمانينيات، وما أسفرت عنه من الآلاف من القتلى والجرحى والسجناء.

في حوار مع مجلة "لوبوان" الفرنسية، (مايو- 2021)، حذر الرئيس تبون من قيام المملكة المغربية بالاعتداء على بلده الجزائر، قائلا إن "المغرب هو المعتدي دائما... والقطيعة تأتي من المغرب، وبالضبط من النظام الملكي وليس الشعب المغربي الذي نحترمه". وفي لقاء مع الصحافة المحلية تكلم تبون بلهجة جزائرية صارمة: "إن الحرب إذا اندلعت فلن تتوقف مطلقا".

إلا أن المراقبين يلاحظون خلاف ما يدعيه الرئيس تبون. بهذا الصدد صرح إدوارد موحى، مؤسس "المنظمة الثورية للرجال الزرق - الموريهوب"، (أول حركة تحرير صحراوية تأسست في أحضان النظام الجزائري في نهاية ستينيات القرن الماضي): "إن الجزائر كما يشهد العالم، كانت دائما هي السباقة لإثارة كل المشاكل والقلاقل المتصلة بقضية الصحراء. وهي من صنعت هذا النزاع العبثي الذي طال، وهي لا ترغب مطلقا في جعل حد له، بل إن العقيدة الأساسية للدبلوماسية الجزائرية أصبحت تقتصر على ملف واحد ووحيد، هو العداء للمغرب، والتهرب من كل النداءات والمساعي الإيجابية لإيجاد الحلول الممكنة التي تحافظ على السلم في المنطقة، وتؤكد على الأخوة بين الشعبين وعلى حسن الجوار".

ويضيف موحى: "إن مشكلة الصحراء الغربية باتت معضلة لدى حكام الجزائر، لا يرون حلا أمثل وأنسب من انتصار عقيدتهم، نعم أصبح العداء للمغرب عقيدة لدى جنرالات الجزائر الذين يحكمون البلاد، وبات السبيل للإفلات من غضب الشارع ومن احتجاجات الحراك الشعبي، الذي يرفع شعار "دولة مدنية لا عسكرية"، ويهتف بإسقاط الفساد، هو تصدير كل الأزمات الداخلية بتعليقها على شماعة قضية الصحراء الغربية. لذلك فكلما ازداد الوضع الاجتماعي والاقتصادي في الجزائر تأزما، اتجه النظام الجزائري صوب افتعال حرب مع المغرب".

وفي لحظة خادعة، بدا لحكام الجزائر أنهم انتصروا، وهم يتابعون بحماسة زائدة أزمات الدبلوماسية المغربية المتوالية، وتراجعاتها في ألمانيا وفرنسا واسبانيا، خاصة بعد استقبال مدريد لزعيم البوليساريو، (أبريل - 2021)، "لأسباب إنسانية" - كما قالت اسبانيا-  للتشافي من كورونا، رغم عبوره حدودها بوثائق مزورة وهوية منتحلة. وبعد افتضاح الأمر تأزمت العلاقة بين المغرب وإسبانيا. لكن الأزمة انطفأت قبل اكتمال عام على التوتر غير المسبوق في تاريخ البلدين، اللذين تربطهما علاقات ومصالح قوية. بالموازاة لم تستمر طويلا أزمة الرباط مع بون وباريس. 

والأنكى من كل ذلك، بالنسبة للجزائر، هو التغير الذي طرأ على موقف الدولة المستعمرة السابقة للصحراء، في مارس 2022، بدخول إسبانيا "مرحلة جديدة من العلاقات مع المغرب، توجت بإعلان قبول الدولة الإيبيرية للمبادرة المغربية بشأن ملف الصحراء، التي تقترح الحكم الذاتي للصحراويين. باعتبارها "مبادرة جدية وواقعية وأكثر صدقية باتجاه حل عادل ودائم للنزاع"، كما وصفها كل من رئيس الوزراء الاسباني بيدرو سانشيز ووزير خارجيته خوسيه مانويل ألباريس. 

هذا الأمر شكل تحولا جذريا في دبلوماسية إسبانيا، وضربة أقوى للبوليساريو وللجزائر، لربما هي أشد وقعا وإيلاما من اعتراف الرئيس ترامب، بعدما خابت المراهنة على تراجع الإدارة الأميركية الحالية عن قراره، في عهد الرئيس جو بايدن ونائبته كمالا هاريس. إلا أن ذلك لم يحصل، بل أمسى الخوف من انتقال "العدوى الاسبانية" إلى دول أخرى بالاتحاد الأوروبي، قد تلتحق بمجموعة المساندين للمغرب في ملف الصحراء.

لا شك أن النزاع حول الصحراء كان على حساب تنمية المنطقة ورخاء شعوبها، وعيش أبنائها في أمن دائم وسلام، وأنه أبقى على الاتحاد المغاربي كيانا بلا حياة منذ الإعلان عن ميلاده في فبراير 1989 بمراكش. يكفي هنا الحديث عن التسابق الكبير حول التسليح بين المغرب والجزائر، فالأرقام تجاوزت أعلى مستويات الإنفاق العسكري بعد الحرب الباردة، حسب المعهد الدولي لأبحاث السلام في ستوكهولم. في المدة الأخيرة، وبعدما كانت الجزائر تاريخياً زبونا للأسلحة الروسية، أقدمت على اقتناء طائرات بدون طيار من الصين ومن تركيا. وقد سبقها المغرب في هذا الاتجاه، حيث نشرت أخبار حول اقتناء المغرب طائرات بدون طيار "ستتولى مهام مراقبة الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية وتهريب المخدرات والتحركات الإرهابية". لكن تقارير خاصة كشفت أنه إضافة إلى طائرات "بيرقدار" التركية، أن المغرب، في سياق تعزيز ترسانته العسكرية، اقتنى في العام الماضي طائرات بدون طيار إسرائيلية من طراز "هيرون"، وطراز "هاروب كاميكازي"، حسب صحيفة هآرتس الإسرائيلية، وأنه بعد انضمام المغرب إلى "اتفاقات إبراهام"، زادت عقود الأسلحة بين تل أبيب وواشنطن والرباط.

ويرى خبراء أن تراكم عوامل الأزمة بين البلدين، وسباق التسلح بينهما، والمصالح المتناقضة والعدائية إلى حد كبير لكليهما، تثير القلق والخوف من احتمال نزاع مسلح واسع النطاق في شمال إفريقيا. ومع ذلك يستبعد أغلب هؤلاء الخبراء فرضية الحرب، على الرغم من الإنذارات التي أثيرت، والتي يغذيها إلى حد كبير جماعات الضغط الدولية القوية في سوق السلاح.

فالأمن في المنطقة وتدفق حركات الهجرة يشكلان تحديًا مشتركًا بين إسبانيا والاتحاد الأوروبي ودول المغرب العربي. من هنا حرص إسبانيا على محافظتها على تعاون ثنائي وثيق مع دول المنطقة، باعتبارها منطقة استراتيجية لإسبانيا بسبب قربها الجغرافي وروابطها التاريخية وكثافة التبادلات البشرية والاقتصادية والثقافية. وتدفع مدريد بتقارب أكبر بين الاتحاد الأوروبي والدول المغاربية، وتقوية سياسة الجوار الأوروبية وتطويرها.

ومنذ عام 2012، كانت إسبانيا الشريك التجاري الرائد للمغرب، وهي أيضًا الوجهة الإفريقية والعربية الرائدة للصادرات الإسبانية، حيث تعمل عشرون ألف شركة إسبانية. أما العلاقة الاقتصادية مع الجزائر فهي أصبحت بالمثل وثيقة الصلة، وبشكل خاص في قطاع الطاقة، ما يقرب من نصف الغاز الذي تستهلكه إسبانيا يأتي من الجزائر.

إلا أن قطع الجزائر لعلاقاتها الدبلوماسية مع المغرب في صيف 2021 كان له تأثير كبير على إمدادات الغاز الجزائري إلى أوروبا، بقرار إغلاق خط أنابيب الغاز المغاربي- الأوروبي عبر المغرب. رغم تأكيد السلطات الجزائرية، في ظل تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا، استمرار إمداد إسبانيا بالغاز عبر خط الغاز الثاني (ميدغاز)، الذي يربط الساحل الجزائري بولاية ألمرية. 

إن عواقب القطيعة بين الجزائر والمغرب مثيرة للقلق ومكلفة في نهاية المطاف بالنسبة للاتحاد الأوروبي. والمخاطر الناجمة عنها حقيقية ولا شك، بسبب ظهور تهديدات جديدة عابرة للحدود، لا سيما بشأن القضايا الحساسة، مثل الإرهاب والتطرف الديني وتدفقات الهجرة أو انعدام الأمن على الحدود.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.