قفزت أسعار القمح إلى مستوى قياسي جديد في 16 مايو 2022
"حتى اللحظة، يتبادل الجانبان الروسي والأوكراني الاتهامات حول مخزون القمح المعطل في الموانىء الأوكرانية المحاصرة".

تتشابك السلوكيات التربوية الدينية-الاجتماعية في العديد من المجتمعات العربية والعالمية، حيث تحرص الأسر على تعليم صغارها معنى تقدير نعمة الطعام بشكل عام، والخبز بشكل خاص لما له من "قدسية" ومباركة. ومن العادات المتوارثة التي احتفظت بها العديد من المجتمعات المشرقية، أن تقوم العروس بإلصاق عجينة خبز فوق الباب الخارجي لمنزل الزوجية قبل دخولها إليه كدلالة لمعاني الخصب والوفرة و"خميرة الذرية المباركة" التي تحملها في ذاتها كامرأة. 

كما أن العديد من هذه المجتمعات ما زالت تحتفظ بعادات راسخة مثل توزيع الخبز على الفقراء بغرض "النذور" الدينية، أو تجفيف البائت منه لأوقات العسر التي يشح خلالها الزاد، أو تجميعه علفا للدواجن أو رميه للطيور وكسب "الثواب" في إطعامها، واعتبار دوس كسرات الخبز عمدا أو رمي بقاياه في القمامة، من سلوكيات البطر المشينة التي سيحاسب عليها أصحابها في "الآخرة"، وتصنيفها من الكبائر. 

لايختلف الأمر مع العائلات المتدينة في العديد من الدول الغربية، إذ فرضت التقاليد الدينية الاجتماعية المتوارثة منذ مئات السنين وإلى اليوم، سلوكيات وقواعد اجتماعية صارمة تتعلق بالغذاء وتقدير نعمة العطاء، وما زالت العديد من هذه العائلات المحافظة في المجتمعات الأوربية والأميركية تبارك خبزها، وتلتزم حتى اليوم بطقس صلاة الشكر الخاصة قبل جلوس أفرادها إلى المائدة وتناول الطعام. 

هذه "الِنعَم" التي كانت منذ بدء اكتشاف البشرية لها موضع تقدير وشكر واحترام، والتي يفترض الواجب الأخلاقي أنها "نِعمٌ" محمية بقواعد لا يُعبَث بها، فلا تقربها السياسة، أو تخضع لمزاجيات، أو يلوثها تغول الحروب وجشع المحتكرين، أو أن تكون موضوعاً لمساومة ومقايضة وابتزاز، بوصف الغذاء خطاً أحمر وهبة فوق-تفاوضية. 

لكنها للأسف، تبدو بمجموعها مجرد محظورات تستغل كشعارات واهية للمتاجرة بها، حيث أثبتت المئة عام الأخيرة من تاريخ الحروب، أن الغالبية من صناع الحروب وتجارها، يضربون بالأخلاقيات عرض الحائط، ويستغلون قوت الشعوب للمقايضات السياسية، وأن هذا الخط الأحمر قد اخُترق-ولا يزال- عشرات المرات في معظم الصراعات السياسية أو المسلحة الداخلية أو الدولية حول العالم، وآخرها الغزو الروسي لأوكرانيا.  

المراقبون والمحللون السياسيون والمنظمات الدولية التي تعنى بالأمن الغذائي، سبق لهم أن توقعوا ونبهوا قبل بدء الغزو الروسي لأوكرانيا إلى احتمالية تسييس الغذاء، وتحويله إلى "سلاح" ضمن سياق أسلحة هذه الحرب، بل أسهبوا واستفاضوا في شرح المخاطر الكارثية والمجاعات المحتملة في العديد من دول العالم، وتداعياته الاقتصادية والاجتماعية على الدول الفقيرة والأفريقية بشكل خاص.  

ورغم كل التحذيرات، حلّ بالعالم ما كان يُخشى من وقوعه، وبدأت نُذُر المجاعات تلوح كشؤم سيقرر أقدار 275 مليون شخص معرضون لانعدام الأمن الغذائي حول العالم هذا العام فقط، بحسب تقديرات رئيسة المفوضية الأوربية قبل أيام، وأيضا توقعات منظمة الفاو وبرنامج الغذاء العالمي. في الوقت الذي تتحدث فيه التقارير الاخبارية عن مئات الأطنان من القمح الأوكراني المكدس في الموانىء بسبب الحرب والسياسة، والذي يمكن أن يكون إسعافياً لهذه الشعوب المنكوبة قبل أن تفسده حرارة الصيف أو يتحول إلى طعام للقوارض داخل سفن الشحن.  

وهو ما دفع الأسبوع الفائت المجتمع الدولي إلى تصعيد حراكه السياسي والدبلوماسي المكثف في السياق، والذي يشي بنفاذ الصبر وتفاقم الغضب الدولي، حتى ولو أتى مغلفاً بالعبارات الدبلوماسية، إزاء هذه الحرب التي كان يمكن تفادي حدوثها وتسببت بسلسلة لامتناهية ومترابطة من الخراب العالمي.  

الملفت ضمن هذا الحراك الدولي، كانت الزيارة التي قام بها الرئيس السنغالي، ماكي سال، الذي يتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأفريقي للقاء الرئيس الروسي قبل توجهه إلى أوكرانيا. وهي زيارة وصفها الرئيس سال "بالودية"، وسعى خلالها إلى إبلاغ نظيره الروسي أن الدول الأفريقية "على الرغم من بعدها عن مسرح الحرب هي ضحايا لهذه الأزمة على المستوى الاقتصادي". 

لعل من تابع هذه الزيارة الأسبوع الفائت بالنقل المباشر، قد لاحظ البرود الروسي مقابل الجهد المستفيض الذي بذله رئيس الاتحاد الأفريقي لشرح معاناة بلاده. وهي معاناة  يفترض أنها معروفة في الأساس لدى الجانب الروسي ولاتحتاج إلى الكثير من الشرح، وهو انطباع تركته هذه الزيارة لمتابعها، والذي يصل إلى حدود الشعور بـ "الأسى"على الأفارقة الذين عليهم في كل حين إلى ما يشبه"استجداء العالم" للأسف الشديد. 

في الوقت الذي كان يمكن تجنيبهم المرور بمثل هذه التجربة القاسية والمضافة إلى كل مشاكلهم المتعلقة بتحديات التغير المناخي والفقر والأمراض المستوطنة وانعدام التنمية وغيرها. وهو ماتنبهت إليه بشكل ملفت رئيسة الاتحاد الأوربي بقولها، ما مفاده، إن ما تحتاجه الدول الأفريقية حقيقة هو مساعدتها في إيصال التكنولوجيا لها، بمعنى الدفع نحو النهوض بمواردها الذاتية لتطوير محاصيل زراعاتها التي تحفظ أمنها الغذائي وتحفظ أيضا، كرامتها. 

حتى اللحظة، يتبادل الجانبان الروسي والأوكراني الاتهامات حول مخزون القمح المعطل في الموانىء الأوكرانية المحاصرة، فيما العالم ينتظر طاقة فرج، إن اتسعت في الغد نسبياً بعد نجاح الوساطات الدولية بينهما، قد تعود وتغلق بعد غد، مع ما تؤكده مؤشرات هذه الحرب والتوقعات حول طول أمدها. 

واحدة من أصعب الصور التي تبادلتها وسائل الإعلام العالمية، كانت تلك الصور الملتقطة لطوابير الأوكرانيين الذين ينتظرون حصصهم التي لا تتجاوز رغيف خبز واحدا لكل شخص،  فيما بلادهم وإلى ما قبل أربعة أشهر تقريباً، كانت سلة غذاء العالم. فأي قهر أكبر من أن يصير قوت الشعوب رهيناً للسياسة، يخضع لشروطها وصفقاتها وعار مقايضاتها "القذرة". 

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!