This photograph taken on June 11, 2022 shows rockets for the Ukrainian BM-21 Grad, a multiple rocket launcher, in a field near…
جميع الأديان تمجد الحرب عند مختلف الشعوب

يكثر الحديث عن أن الحرب على أوكرانيا ستغير الكثير من معالم السياسات العالمية لدرجة توقع البعض انبثاق نظام دولي جديد وتفكك العولمة ونهاية هيمنة أميركا. حوالي منتصف القرن الماضي كتب غاستون بوتول عن الحرب كظاهرة سوسيولوجية وترجم كتابه الى العربية تحت عنوان "هذه هي الحرب".

اقترح بوتول لفظة Polémologie التي أخذها عن اليونانية لتعريف الحرب كظاهرة اجتماعية، لأنها مؤلفة من polemos   وتعني الحرب وlogos .  برأيه: "إن الحرب أروع الظاهرات الاجتماعية بلا خلاف. فهي التي تضع الحدود التي تدل على كل المنعطفات الكبرى للحوادث شئنا ذلك أم لا. وبالحرب كاد يبدأ تاريخ كل الحضارات الحديثة. وإذا كان علم الاجتماع، كما قال دوركهايم، "التاريخ مفهوماً على صورة ما" استطعنا أن نقول: إن الحرب هي التي ولّدت التاريخ. فالتاريخ بدأ في الواقع بكونه تاريخ المعارك المسلحة دون غيرها، ولعله سيبقى دوماً كذلك".

جميع الأديان تمجد الحرب عند مختلف الشعوب، ناهيك عن التنظيرات المتعلقة بضرورتها.

الحرب هي أيضاً العامل الأساسي الذي يلعب دوراً كبيراً في التحول الاجتماعي. فهي تقطع سبيل العزلة فتنتهي آجلا ام عاجلا بإرغام أكثر الدول انغلاقا على الانفتاح، كما حصل مع الصين واليابان في القرن الماضي. وبحسبه ربما كانت الشكل الاقوى والانجح في تحاور الحضارات وقطع عزلتها. 

وينهي تعليقه بكلمة واحدة: "إنها صورة من صور الانتقال المعجَّل".

وإذا استعدنا التاريخ الأوروبي نجد أن الحرب العالمية الثانية هي التي ساهمت في تغيير وضع المرأة الجذري وفي خروجها من البيت إلى ميدان العمل بسبب انشغال الرجل في الحرب.  وتجد اليزابيت بادنتر أن هذه الحرب هي في أساس استعادة التساؤل حول القيم التقليدية التي كانت سائدة في أوروبا وفي أصل ما أسمته قسمة العالم الاقتصادي بين النساء والرجال. وهذا كان من أهم التغيرات التي حصلت في القرن العشرين وأدت، مع اختراع حبوب منع الحمل، إلى الثورة الجنسية التي ترتب عليها سيطرة النساء على أجسادهن وتحكمهن في الولادات الأمر الذي حرّرهن فعلياً وجعلهن يتقاسمن العالم مع الرجال.

والحرب كما يراها بوتول تساهم في انتقال الثروات، إفقار فئات والصعود بأخرى، وإحداث أثر كبير على السكان، ومنها زيادة الوفيات وخاصة الفتيان. ان للحرب دور ديموغرافي أكيد.

المظهر الآخر للحرب، تشبيه الحرب بالعيد، فبماذا تشبه الحرب العيد ؟

العيد أولاً هو الاجتماع المادي لأفراد الجماعة، وهو شعيرة تنفق فيها الأموال أو تبعزق، فالجماعة تستهلك الخيرات التي كانت قد جمعتها وتتلفها في الإثارة والهيجان. وهذا كله يمكن أن يكون مصدر إلهاء، فتنتزع الفرد من محيطه المعتاد وتضعه في محيط مادي ونفسي غريب، فهي قبل كل شيء مصدر انفعالات لا يضاهى.

وهي كالعيد الذي يولد شيئاً من عدم الحساسية الجسدية، فيقوى تحمل الأفراد وحينئذٍ يستسلمون لنوبات غير مألوفة تصل إلى أن تجعلهم يقبلون ضربات أو أنواعاً من الألم الجسدي. وهذا يعني أن الأفراد يتحملون الكثير من الصعوبات خلال الحرب، لكن ماذا عن وضعهم عند انتهائها؟  فالحرب ساهمت بتغيير الظروف والشروط الطبيعية لمعيشة الأسر، ما يسبب التوتر والسترس والانهيارات. ولذك آثار نفسية عميقة، يمكن الإشارة بسرعة إلى ازدياد التوترات وتعميقها داخل الأسر وإلى ازدياد العدوانية والمشاكل النفسية بشكل عام. في لبنان نعاني منها حتى الآن.

الظاهرة الأخرى المهمة التي تتسبب فيها الأعياد والحروب، هدم بعض القواعد الأخلاقية ورفع المحرّمات (التابو)، بحيث تباح أعمال كان من المألوف تحريمها فتصبح مستحبة أو تفرض فرضاً. وينطبق هذا بشكل خاص على مشاكل التهجير واللجوء وما ينتج عنها على جميع الاصعدة. ونعلم ان معالجتها تشغل الدول والحكومات.

وينطبق كل ما على الحرب في أوكرانيا. يتوقع الكثيرون أنها ستغير الكثير من معالم السياسات العالمية لدرجة توقع البعض انبثاق نظام دولي جديد وتفكك العولمة ونهاية هيمنة أميركا. 

لا شك أن الحرب على أوكرانيا أدت، مع القيود المتكررة التي فرضتها جائحة كوفيد -19، إلى الإخلال بقواعد العولمة. فلقد تمزقت سلاسل التوريد خلال العامين الماضيين وحصل نقص واضطراب في دورة توزيعها. ما جعل البعض يتوقع ان ينتج عنها الاضطراب وإعادة التفكير في نموذج التجارة الحرة العالمية بالكامل.

مع الحرب أدركت الشركات، إضافة للوباء، هشاشتها ومخاطر الاختناقات التي تتعرض لها. ونتيجة لذلك، فإنهم اليوم يعيدون فحص مصدر مشترياتهم وموقع مخزوناتهم، حتى لو كان ذلك أكثر تكلفة. ويبدو أن العديد من الشركات تخطط لإعادة مصانعها إلى أوروبا وتتطلع إلى تنويع مورّديها. فتقوم الشركات من جميع القطاعات بنقل إنتاجها إلى دول أقرب (تركيا، المغرب، البرتغال)، كي تخفض اعتمادها على العملاق الآسيوي. فالصين، مصنع العالم وورشة عمله الكبرى، لم تعد رخيصة أو تنافسية كما كانت من قبل. بشكل يبدو الأمر معه كأنه لا يتعلق فقط بالانتقال المكاني ولكن بتغيير النموذج. 

قد يؤدي ذلك، عبر المشاركة، لإنشاء أنماط إنتاج أكثر تماشياً مع القيم؛ فالليبيرالية الاقتصادية والأسواق الحرة أضعفت الدولة ومؤسّساتها فتراجعت أهمية الصناديق الضامنة وازداد مستوى اللامساواة. فلقد أسيء استخدام مفهوم العولمة منذ سنوات تحت تأثير المنافسات الاقتصادية المتوحشة وإغلاق المصانع في الدول الغنية، والسياسات الحمائية بسبب الذين يؤمنون بأن فتح الحدود التجارية لا يصب في المصلحة الوطنية.

لكن يمكن للحرب في أوكرانيا أن تزيد من سرعة هذه الحركة. خصوصاً أن العقوبات ضد روسيا اعتبرت بمثابة ضربة قاتلة للتجارة الحرة كما تم تعريفها عندما تم إنشاء منظمة التجارة العالمية (OMC) في عام 1995، وانضمام روسيا اليها في عام 2012 .

أما بالنسبة لموسكو فلقد تسببت الحرب بعزلة بوتين، الذي كان قبل غزوه لأوكرانيا مناوراً ناجحاً ومحاورا دائما، ولو فظا، للعواصم الغربية. لكن القادة الغربيين لا يترددون اليوم في وصفه بـ"دكتاتور" و"مجرم حرب"، فبات معزولا وتعرّض مقرّبين منه للعقوبات. ما حدا بماكرون التصريح بأن بوتين "ارتكب خطأ تاريخياً وأساسياً بحق شعبه وبحق نفسه وبحق التاريخ".

سبق لبوتين أن بدأ بإعادة رسم الخرائط بشكل صارخ من خلال ضم شبه جزيرة القرم الأوكرانية المطلة على البحر الأسود عام 2014، واحتلال أجزاء من جورجيا (أبخازيا وجنوب أوسيتيا)، وأعلن استقلالهما سنة 2008 ثم استولى على شبه جزيرة القرم الأوكرانية سنة 2014 وقام بمساندة حرب انفصالية في منطقة دونباس شرق أوكرانيا، وكان قد استولى على عاصمة الشيشان عام 2000 وشارك في الحرب على الشعب السوري ولم يواجه أية ردة فعل قوية أو حاسمة من دول الغرب، ما شجعه على غزو أوكرانيا بكاملها بحسب وجهة النظر هذه.

كل ذلك أدّى الى ظهور ناتو مختلف بعد أن قررت كل من فنلندا والسويد، غير المنحازتين تاريخيا، الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي الذي لم يكن في سلم أولويات البلدين. وأعاد تسليح المانيا.

أما العقوبات على روسيا فسوف تؤثر على العالم ككل، لأنها تحمل خطر الإضرار بالمستهلكين خارج روسيا التي تعد مورّدا عالميا رئيسيا للحبوب ومصدراً لإمداد الأوروبيين بالطاقة. بدأ العالم بأسره يشعر بتداعيات الحرب التي تؤثر على النمو الاقتصادي وعلى قطاعي الغذاء والطاقة.

ولقد اعتبرت الأمم المتحدة أن الحرب في أوكرانيا تتسبب بأكبر ارتفاع بتكاليف المعيشة منذ جيل، ما يثير المخاوف من أزمة غذائية عالمية تهدد الملايين في البلدان الفقيرة وبحدوث موجات من المجاعة. الأمر الذي قد ينعكس بقيام انتفاضات أو تظاهرات ناهيك عن موجات الهجرة. فالعالم أصبح شديد الترابط.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!