البرلمان العراقي
"لا يمكن أن نتخيّل أنَّ اِستلاب الدولة مِن قبل مافيات سياسية وقوى اللادولة قد يترك لنا مجالاً محدداً مِن دون أن يصاب بِعَدوى الفوضى والخراب". الصورة إرشيفية.

في المقال السابق ركزتُ على كُره الطبقة السياسية لِلدولة، واستكمال الموضوع يستوجب تتبع خارطةَ الفوضى والخراب التي أسستها منظومةُ الحكم وقوى السلطة والنفوذ. والخراب في العراق لم يعد يقتصر على مجالٍ محدَد مِن مجالات السياسة والاقتصاد والثقافة، بل أصبح نظاماً بنيوياً يحكم كلَّ مجالات النظام السياسي والدولة والمجتمع! 

ولا يمكن أن نتخيّل أنَّ اِستلاب الدولة مِن قبل مافيات سياسية وقوى اللادولة قد يترك لنا مجالاً محدداً مِن دون أن يصاب بِعَدوى الفوضى والخراب. فمَن لا يؤمن بالدولةِ يسعى جاهداً لِتخريب كلّ ملامحها في تفاصيل الحياة اليومية. والطبقةُ السياسية الحاكمة لم تفشل فقط في "تحقيق مقبولية اجتماعية" و"شرعنة عملها السياسي بالمنجز" الذي تقدّمه لِلمواطن ويتلمّسه في المجال العام، وإنّما فشلت حتّى في استغلال موارد الدولة وقوّة السلاح في أن تُجبر المجتمع على تقبّلها. فيوماً بعد آخر تزداد الفجوةُ بينها وبين الجمهور. والحقيقة، التي لا تريد الاعتراف بها، أنَّ الزبائن المرتبطين بمصالح نفعيّة معها باتوا أقل تمسكاً بها، ولعلَّ خارطة الأوزان الانتخابية في انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول خير دليل على ذلك.  

وربما يكون العمل على إلغاء الدولة وتفاصيلها، مفهوماً على اعتبار أنَّ القطيعة الفكرية والثقافية بين مفهوم الدولة وبين أحزاب السلطة وزعاماتها واضحاً وصريحاً سواء على مستوى الخطاب السياسي أو المواقف السياسية؛ فمَن يبرر لِشرعية السلاح المنفلت تحت عناوين مختلفة، ومَن يطالب بضمان حق المكوّن وهو بيدهِ الحكم ويسيطر على القرار السياسي، قطعاً لا يعرف معنى الدولة باعتبارها المؤسسة العليا التي تُعبّر عن كيان الأمّة المتعالي عن التناقضات الاجتماعية والتي تصهر جماعات وتنوّعها وتقوم بوظيفة حماية المجتمع وتحقيق طموحاته.  

لكنّ الموضوع الذي بات يحتاج إلى إعادة ترتيب في أولياتنا لِقراءة الأزمة السياسية في العراق، هو الحكومة كونها ماسكة لِلثروة والقدرة، فإن كلّ شيء يدور في فلكها ويبدأ من عندها، فإذا اعتلت تدهورت الأمور، وإن صحَّت تعافت بالتبعية. بيد أنّها أصبحت مِن دون لون وطعم ورائحة، وتساوى وجودها وعدم وجودها! وبدلاً من أن تتحدّث بالخطط والاستراتيجيات ورسم وتنفيذ السياسات العامة، بات خطابها تكرار لخطاب التذمّر والتشكي الذي يتحدَّث عنه المواطن!  

ولكي تدرك مأساة العراقيين، تخيّل أنَّ المواطن يعيش تحت ظلّ حكومةٍ رئيس وزرائها يصرّح لِوسائل الإعلام بأنَّ "وظيفته تحوّلت إلى تعقيب المعاملات"! وإنَّ وزير الداخلية، الذي توعّد في أوّل أيام استلامه المنصب بقطع يد كلّ فاسد وعابث بأمنِ المواطن، يصرّح بأنّه "مكتوف الأيدي" وليس مِن صلاحيته تحريك حاجز أمني أو فوج قتالي واحد مِن دون اللجوء إلى قيادات عمليات بغداد وأخذ موافقة قائدها! ووزير التربية الذي يهتم بنقل تحايا وسلام شيوخ العشائر لِرئيس حكومته، فشل في الحفاظ على سرية أسئلة الامتحانات الوزارية!  

تخيّل أنّك تعيش في "دولة" حكومتها لا تعير اهتماماً لحوادث وأحداث لو حصلت في بلدٍ يحترم مواطنيه لقدّمت استقالتها فوراً، أو على أقل التقادير يقدّم الوزير المسؤول عن الحادثة استقالته. لذلك لم تتوقف الحكومةُ كثيراً أمام تقرير البنك الدولي الذي كشف فيه أنَّ ما يقارب 90% مِن تلاميذ العراق لا يفهمون ما يقرأون، وأنَّ اضطراب الأوضاع قاد إلى نظام تعليميّ عاجز.  

ووزير المالية الذي صدع رؤوسنا بورقةِ الحكومة البيضاء للإصلاح الاقتصادي، لحدّ الآن لا يريد الاعتراف بأنَّ لا ورقته البيضاء ولا الصفراء ولا الحمراء كان لها أن تنجح في تأمين رواتب الموظفين لولا ارتفاع أسعار النفط! وإنَّ ورقته عجزت عن إيقاف الهدر والفساد في مزاد بيع العملة، وعن معالجة مشكلة البطالة.  

وفي كلّ حكومة تُعاد مهزلة الوزارات التي تُدار مِن دون وزير، بعد استقالة وزرائها! وكأنّما موضوع الوزير هو موضوع هامشي أو حلقة زائدة في إدارة المؤسسة. وقد تكون هذه هي الحقيقة التي أثبتتها السنوات الماضية، فالتضخم في عدد الوزارات ليس لحاجةٍ فرضتها سياسة إدارة الدولة، وإنّما هو سياسة لترضية الأحزاب والشخصيات بعد تشكيل الحكومة. وربما يتم استحداث وزارة لمجاملة شخصيات سياسية قريبة مِن رئيس الوزراء! ففي العراق نبحث عن منصب لِلسياسي وليس مهماً أن يكون حاجة الدولة لهذا المنصب، ولا حتّى كفاءته وخبرته في الإدارة. 

ورغم كلّ التقارير والمؤشرات التي تثبت تورط الحكومات السابقة في ملفات فساد وهدر بالمال العام وسوء إدارة، ناهيك عن عجزها عن حماية أرواح العراقيين، إلا أن المحاسبة لا تزال غائبة تماماً. لا بل باتت عُرفاً سياسياً تتفق عليه الحكومات بالالتزام بعدم ملاحقة الفاسدين ومَن تورط بدماء الأبرياء.  

وبسبب فشل الحكومات هانت مطالب المواطن العراقي، ولم يعد يطالب بمعجزةٍ اقتصادية أو مشاريع تنمية، بل باتت تنحصر في الحفاظ على أرواحهم مِن عصابات الخطف والاغتيال، ويحلم بطرق معبَّدة بصورةٍ صحيحة، ومؤسسات صحيّة تعطيه أملاً بالحياة بدلاً عن الرغبة بالموت، وبدلاً عن الرقود في المستشفيات، ومدراس لِلتعليم وليس بنايات خربه تحوّلت وظيفتها من إعداد أجيال متعلّمة إلى تجهيل المجتمع وتنمية تخلّفه. 

وستبقى معضلتنا مع الحكومات الفاشلة مستمرة، وسبب رئيس في البقاء ضمن دوامة فشل الدولة، ما دامت الطبقةُ السياسية تصرّ على اختيار حكومات تقودها شخصيات ديكورية لا تملك رؤيةً ولا شجاعة في اتخاذ القرار في الأوقات الحاسمة والأزمات. وما دامت الحكومة تنال شرعيتها مِن قبول ورضا الزعامات السياسية فستبقى أسيرة لمزاجها السياسي، وتسعى إلى تلبية مطالبها كونها ضامنة لبقائها في الحكومة. لذلك ليس من المتوقع أن تنتج هذه المنظومةُ حكومةً قويةً غايتها الاستجابة لمطالب الجمهور والنهوض بوظائفها الرئيسة، حتّى وإن تغيرت معادلة تقاسم السلطة بين الفرقاء السياسيين.  

لكنّ الأمل يبقى مرهوناً في الانقلاب على المنظومة الحاكمة مِن قبل حكومةٍ تعمل على تحقيق الاندماج مع جمهورها وليس تجاهله؛ ومِن ثمَّ، ربما تنقلب على الشرعية الموهومة التي تمنحها زعامات الأحزاب السياسية، وتعمل على التأسيس لِشرعيةٍ تربطها مع الجمهور مِن خلال تقديم المنجَز الاقتصادي والخدَمي. 

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.