بوتين.. ماذا يريد؟
بوتين.. ماذا يريد؟

في ذروة الفشل الاستراتيجي بالسيطرة على أوكرانيا، ومحاولات التعويض تكتيكيا السيطرة على شرقها وجنوبها، وفي لحظة حرجة داخليا وخارجيا، يلجأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الاستعانة بقيصر روسيا العظيم بطرس الأكبر من أجل إعطاء مبررات تاريخية لغزوته الأوكرانية، ومنحها غطاء جيوسياسيا يعطيه مشروعية في معركة استعادة الفضاء السوفياتي أو إخضاعه، فمنذ أن تجاوزت دباباته الحدود الأوكرانية باتجاه العاصمة كييف أعلن بوتين صراحة أنه قرر تجاوز التاريخ والجغرافيا، وأن هدفه إلغاء بلد مؤسس لتاريخ بلاده الإثني الديني والحضاري من الخارطة العالمية.

إصرار فلاديمير بوتين على الربط بين غزوته الأوكرانية وحرب الشمال التي خاضها بطرس الأكبر بداية القرن الثامن عشر رسالة واضحة المعاني للأوروبيين بأنه على خطى بطرس الأكبر في السعي إلى استعادة أراضي بلاده الأصلية، وهذا مؤشر على ان الحرب الأوكرانية قد تستمر لسنوات، كما استمرت حروب بطرس الأكبر 21 عاما، إلى ان تمكن من إحتلال أجزاء كبيرة من مملكة السويد، وضم الساحل الشرقي لبحر البلطيق، وانتهت بتقليص دور السويد السياسي والعسكري في شمال القارة الأوروبية.

في آخر لقاء له يقول الرئيس الروسي "زرنا للتو معرضا مخصصا للذكرى الـ350 لميلاد بطرس الأكبر، إنه أمر مدهش، وكأن شيئا لم يتغير، فبطرس الأكبر خاض حرب الشمال على مدى 21 عاما، ويسود انطباع بأنه من خلال الحرب ضد السويد استولى على شيء ما، إنه لم يستول على شيء بل استعاده". مما يعني ان بوتين في الأيام الأولى للغزو كان جادا في قرار إلغاء كيان الدولة الأوكرانية واستعادة مدينة كييف إلى "موطنها الأصلي".

ورغم هزيمته المبكرة على أبواب كييف إلا أنه لم يزل مسكونا بعقدة التاريخ، ويحاول إنكار خصوصيتها الجغرافية كعاصمة لدولة "كيفسكي روس"، فالواضح في كلام بوتين الأخير انه لا يعير اهتماما للموقف الأوروبي ومقاربته الأوكرانية، والدليل على ذلك تطرقه إلى مدينة بطرسبورغ عاصمة بطرس الأكبر، وهي إشارة بأن الغرب الذي يرفض الاعتراف بأن كييف أراض روسية هو نفسه الذي رفض الاعتراف بأن الأراضي التي بنيت عليها عاصمة القيصر سنة 1712 أراض روسية.

بالنسبة للمؤرخين الأوروبيين، وحتى الروس، لا يمكن المقارنة ما بين تجربة بطرس الأكبر الأوروبية وحتى حروبه غربا وبين تجربة فلاديمير بوتين في السنوات العشرة الأخيرة، تاريخيا كانت رحلة بطرس الأكبر إلى بعض المدن الأوروبية رحلة معرفية بهدف نقل التجربة الثقافية والصناعية إلى بلاده، حيث ساعدت رحلته الأوروبية في عملية إصلاح إمبراطورية غيرت مجرى التاريخ شرقا وغربا، فبينما تنكر بطرس في هولندا وبريطانيا تحت اسم (الرقيب بيوتر ميخائيلوف) الذي اهتم في صناعة السفن وزار المصانع والمدارس، كان الكولونيل في المخابرات السوفياتية فلاديمير بوتين يعمل في برلين متخفيا من أجل جمع المعلومات عمن يعتبرهم أعداء بلاده.

وعندما أصبح حاكما أعلن معاداته كل ما يعتبره قيما غربية ونسج علاقات مع أغلب الأحزاب اليمينية المعادية للقيم الليبرالية والحريات، وذلك بهدف منع نقل التجربة الغربية إلى بلاده، ولعل أدق توصيف له هو ما كتبته صحيفة لوفيغارو الفرنسية، عندما زار باريس عام 2017، وشارك في افتتاح معرض في قصر فرساي يؤرخ لزيارة بطرس الأكبر إلى فرنسا سنة 1717 حيث كتبت في افتتاحيتها "إن بطرس الأكبر قيصر طمح إلى جعل روسيا أوروبية، فيما بوتين يسعى لأن يجعل أوروبا روسية ويقدم نفسه كبديل مناسب عن الديمقراطية الغربية التي يتهمها بالعجز والانهيار".

تاريخيا انتهت حرب الشتاء بموطئ قدم روسي دائم على بحر البلطيق وأمنت حدود الإمبراطورية الغربية وهيأتها للالتفاف شرقا، لكن الحرب الأوكرانية دفعت روسيا إلى التراجع شرقا والاستنزاف غربا، ما يؤكد أن بوتين لن ينجح حاضرا ولا مستقبلا في توظيف بطرس الأكبر ضمن مخططاته.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!