السلفية.. تساؤلات عدة
السلفية.. تساؤلات عدة

تتعدّد السلفيات وتتنوّع، وتتباين في مستوى درجة "التَّسلّف" فيها، وتُراوِغ، أو تُخاتِل، أو تُخاصِم وتُصادِم، في مراوحة بين حالتي: التَّخَفِّي والتَّجَلِّي. ولأجل هذا كله، تبقى ظاهرة "التَّسلّف" ظاهرة عامة، يُمكن ملاحظتها في كل الأديان، وفي كل المذاهب، بل وفي كل الأفكار ذات المنحى الأيديولوجي تقريبا، على اعتبار أن كل هذه تسعى في النهاية للتحكّم في المسلكيات العمومية لجماعة بشرية ما؛ ما يعني بالضرورة بِنَاء قول على قول، وفعل على فعل، بكل ما يستلزمه ذلك من اقتداءٍ وترميزٍ وتقديس. 

لكن، حديثنا هنا لن يكون عن "التَّسلّف" في العموم، لن يكون عن السلفية بالمطلق، بل عن "السلفية السنيّة"، أي عن السلفية التي تأخذ هذه الصفة عند إطلاقها، من حيث هي وصف يُطْلق على تيّار إسلامي اتباعي أثري مخصوص، تيّار يجد جذره الأساس في الحراك الفكري والاجتماعي للمُحدِّثين الأوائل خلال القرنين: الثاني والثالث الهجريين، ويظهر في السياق المعاصر كتيار أثري، حرفي، نصوصي، يُحَدِّد معيار الصوابية المعاصرة بحالة الأسلاف؛ كحالة نموذجية افترضها لسبب وحيد: ظرفها الزماني الخاص.

تبدأ السلفية السنية ـ كتيار اتباعي ـ بالمُحَدِّثِين أواخر القرن الثاني الهجري وعموم القرن الثالث. ثم تزدهر ـ وخاصة بعد الانقلاب المُتَوكّلي ـ بفضل تراكمات الأطروحة العقائدية التي تكونت بفعل الصراع المحتدم مع المنافسين في الساحة: الفرق والمذاهب الأخرى. والأهم، أنها ـ كي تؤسس مشروعيتها ـ تزعم أنها الوريث الوحيد لـ"السلف الصالح" المُتَحدِّد ـ في زعمها ـ بجيل الصحابة والتابعين (بينما هي في الحقيقة تنتقي مجموعة مُحَدّدة منهم، وتُلْبِس آخرين قناعاتها الخاصة بأثر رجعي)، وأن كلَّ خير منهم وعنهم، وكل فلاح ونجاح باتباعهم، وبمقدار حرفية الاتباع، يكون الفعل صوابا. وفي المقابل، يؤكدون على أن كل شر وبلاء فمن الأخلاف، هؤلاء الأخلاف الذين يكفي للحكم على مقولاتهم بالخطأ (بل بالابتداع الذي هو جريمة عقائدية كبرى !) أنها مما لم يَقل به الأسلاف، إذ لو كانت صوابا لسبق إليه الأسلاف، الذين هم ـ وفق المنطق السلفي ـ الأجدر بكل خير، هم الأصوب دائما، وهم الأكرم والأعقل والأعلم.. إلخ مقولات التقديس/ التوثين. 

هذا التيار بقي رائجا على المستوى الجماهيري منذ القرن الثاني وإلى اليوم، بقي رغم تقلبات الزمان وتبدّل الأحوال. وقد وجد وقوده الذي يُغذيّه ويمنحه طاقة الحياة والتجدّد المتكرر في حالة الجمود العقلي أوالسبات المعرفي الذي دخل فيه  العقل العربي/ الإسلامي منذ عشرة قرون تقريبا. فطوال هذه القرون، كانت السلفية التقليدية تقتات على واقعة التخلف والانحطاط، تستمد منها مادتها، وتتعزز وتزدهر في محيطها الحيوي كطوق نجاة في محيط عقل عربي ـ عشائري في مُكَوّنه الأساس ـ لم يتجاوز بعد عبادة الأسلاف.   

كون السلفية، حتى في صورها المعاصرة، تبدو كحالة جمود عقلي وتبلّد روحي وسكون إرادة، ليس هو موضوع النقاش في هذا المقال. موضوعنا هنا مرتبط بحالة تَجاذب وتَخَادم، و ـ أحيانا ـ تحالف حركي، بين السلفية التقليدية من جهة، والقومية العروبية من جهة أخرى، على الرغم من أن مبادئ الإسلام في طبعتها النصوصية الأولى كانت مساواتية، أي كانت متجاوزة للقومي، وذات طابع عالمي، وأيضا، على الرغم من كون الطرف الآخر: القومية العروبية، ذات نَفَس شوفيني عنصري واضح، و كونها ـ في نسختها الرائجة ـ علمانية، مُتَخَفِّفَة من الديني إلى حد كبير، بل إلى درجة التنصيص ـ أحيانا ـ على تحييد الدين. 

في المشهد الفكري العربي الإسلامي المعاصر (الذي يُهَيمن عليه السلفيون بشكل مباشر أو غير مباشر) تجد أن ثمة ميلا واضحا للاعتداد بالعروبة على حساب مبادئ أصيلة في الإسلام. كتابات الإسلاميين تنضح بميل صريح أو خفي إلى تقرير "الإسلام كَمَجْدٍ عروبي"، لا بالاعتماد على مواضعات الحراك العربي الراهن فحسب، بل وأيضا بالاعتماد على الاستثمار في كل التاريخ: وقائعَ وأفكارًا وشخصيات؛ لتأكيد أصالة المبدأ القومي العروبي، ابتداء من مقولة: "العرب مادة الإسلام"، وانتهاء بمقولة: هذا "إسلام أعجمي"؛ على سبيل التَّنقّص والازدراء.  

على الضفة الأخرى، في المشهد الفكري القومي العروبي، تجد أن ثمة ميلا، لا للاعتداد بالإسلام كدين صنع العربَ كأمة ذات حضارة عالمية، وإنما للاعتداد بالإسلام في صورته السلفية كما هي عند السلفيين الأقحاح. فالعروبي هنا، ومهما كان قوميا علمانيا، فإنه يجد في السلفية (إذ يفهمها، أو يشعر بها على نحو ما؛ كحالة تعنصر عروبي) أصالةَ العربي, يجد أصل العروبة، يجد في أعلام السلفية وتاريخها أساسا للفكرة وللمشروع ، بل وللدولة التي يشتغل عليها، وللمستهدفات التي يطمح إليها.

إن هذا التماهي المعاصر، الذي قد يصل ـ في بعض منحنياته ـ إلى صورة من صور التحالف الصريح، يبدو غير مفهوم للوهلة الأولى، يبدو وكأنه خيانة طارئة، خيانة معاصرة تتجاهل التاريخ، خيانة للمقولات الأساسية عند هؤلاء السلفيين وعند هؤلاء العروبيين. فهل يُضَحِّي السلفي المُتأسلم بـ"عالمية الإسلام" التي هو مُكَوِّن جوهري فيه، لصالح التأطير القومي العروبي المتحدد بأمة عربية واحدة ؟ وهل يُضَحِّي العروبي القومي بـ"قوميته" التي هي مُكَوِّن جوهري فيه، لصالح رُؤى عالمية من شأنها أن تُذِيب حدود الانتماء القومي العنصري ؟

في تقديري، هما يلتقيان في المبدأ العنصري؛ مهما اختلفا. السلفية تيار ديني، ظاهر مبادئه العالمية، ولكنه في الحقيقة قومي، لقد نشأ في الأصل بفعل دوافع قومية، وتغذّى على هذا الدافع طوال تاريخه، وبالتالي، فهو لا يخسر عالميته التي لم يؤمن بها حقيقة، بل يُوظِّفها في النهاية لصالح مبدأ العروبة القومي. كما أن القومي لا يُضَحِّي بعروبته لصالح عالمية الرؤية الدينية السلفية التي تُجَاهر بعالميتها، إذ يدرك تماما أن السلفية هي مَحض تعبير عروبي عن الإسلام، يُدْرك أنها الإسلام مختصرا في هَمٍّ عروبي واهتمامٍ قومي، وبالتالي، تغدو العالمية في السلفية مجرد دعم وإسناد، وإعلان شعاراتي في النهاية، من شأنه أن يُضِيف إلى حساب القومية؛ ولا يسحب من رصيدها بحال.

هكذا تتضح الصورة بعمومها؛ كما بتفاصيلها المميزة، فيبدو الشيخ السلفي/ ابن تيمية الذي نصَّ صراحة على أن "جنس العرب أفضل من غيرهم"، هو معشوق السلفيين الأول، كما هو معشوق العروبيين الذين بدأوا ـ في ما يُشبه الهلوسة الجماعية ـ بالحديث عن العبقرية الاستثنائية لابن تيمية، بل وأحيانا، عن التسامح الديني التيموي، وربما عن الإسهام الحضاري لابن تيمية !  

وإذا كان عشق السلفيين لابن تيمية مفهوما، من حيث كونه يُعَبِّر عن السلفية في أشد صورها أثرية واتباعا وتعصّبا، فإن تعصّب القوميين له قد لا يبدو مفهوما لكثير من الدارسين الذين يستنكرون عشق كُتَّاب علمانيين لتراث شيخ دين متزمّت ومنغلق أشد ما يكون التزمت والانغلاق، والذين لا يُكَلّفون أنفسهم البحث في الدّوافع والمُحَفّزات التي تقع خارج دائرة: ديني، ولا ديني. ولو أنهم بحثوا في "المشترك العروبي" الذي يتعالى ـ حتى في حالة الديني اللاَّواعية ـ على "المشترك الديني"؛ لأدركوا أن من طبيعة الأمور في مثل هذا السياق، أن يكون ابن تيمية محل احتفاء سلفي وعروبي في آن واحد.  

إذن، ابن تيمية نموذج للديني السلفي الذي يجد الاحتفاء والتقدير والتبجيل من تيّار قومي يدعي العلمانية. وهذه في الظاهر مفارقة، بينما هي في الباطن موافقة واتفاق. 

وفي المقابل، وعلى نحو معاكس، تبدو الدولة الأموية دولة علمانية عروبية قومية، وبالتالي، تبدو وكأنها الأقل إسلامية، والأقرب إلى الدولة اللاّدينية، بل وإلى الدولة المعادية للدين. وهنا، من الطبيعي أن يحتفي بها القومي العروبي العلماني واللاَّديني. ولكن تحدث المفارقة الظاهرة عندما يحتفي بها الديني السلفي. غير أنها مفارقة سطحية تُخْفِي أصلَ الموافقة، فبفهم أصالة المبدأ القومي العروبي عند السلفي (وهو يتعالى على الديني حقيقة)، يمكن فهم هذا الاحتفاء من قبل المُتَزمِّت الديني باللاّديني. ولا يمكن فهم التعشّق السلفي المهموم بالدين للدولة الأموية المناهضة للدين (على الأقل؛ كما يفهمه السلفيون) إلا على هذا الأساس. 

لقد نشأ التيار السلفي كرد فعل على النفوذ اللاَّعربي (= الموالي) في العصر العباسي، أو هو برز وازدهر واستنفر جهوده في هذا العصر، وإلا فقد بدأ في العصر الأموي كخطاب سلطة ضد المعارضين والثائرين المدعومين ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ من الرعايا غير العرب في دولة الأمويين المتعصبة أشد ما يكون التعصب للعرق العربي. 

وحتى تتسع وتتعمّق دائرة الفهم لظاهرة الاشتباك القومي السلفي، لا بد أن نفهم كيف أن تيار العقل (= أهل الرأي) كان هو المقابل لتيار الاتباع (= أهل الحديث)، وكيف أن هذا التيار الأخير ذا الطابع الجبري (المناهض لحرية الإرادة) كان هو المعارض للدولة العباسية إبان نشأتها، على اعتبار أنها نشأت على أكتاف الموالي. بل ونفهم مثلا كيف أن الإمام أبا حنيفة (أحد أئمة المذاهب الأربعة) كان محل تبديع وتكفير وسب وشتم من قبل التيار السلفي، في الظاهر؛ لأنه غير أثري/ عقلاني، وفي الباطن؛ لأنه غير عربي. وربما لأنه غير عربي؛ تمثّل العقّل وتخفّف من النقل. ما يعني أنه استخفّ بالأسلاف (قطع الصلة مع الذهنية العشائرية)، الذين هم في النهاية العرب البسطاء الذين يزعم السلفيون أنهم أصح الناس عقولا وأكملهم تديّنا، وأولى من غيرهم بمطلق الصواب.  

إذن، وبناء على كل ما سبق، نستطيع أن نفهم جزءا مُهّما من إشكاليات الحراك العربي المعاصر، أي نفهم حالة: العروبي غير المتديّن إذ يبدو سلفيا، إذ يبدو أثريا اتباعيا، عشوائيا، مجافيا لكل صور التعقّل، ومرتابا بكل مسارات الحرية !  

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.