WASHINGTON, DC - JUNE 9: Former U.S. President Donald Trump is displayed on a screen during a hearing by the Select Committee…
الجلسة حفلت بلحظات وتعليقات صعقت الكثير من الأميركيين

قدمت الجلسة الأولى للجنة مجلس النواب المختصة بالتحقيق في اقتحام مبنى الكابيتول في السادس من يناير 2021 سردية مروّعة  للأحداث الدموية في ذلك اليوم، والتطورات التي سبقته وعقبته، مدعومة بالشهادات المصورة لبعض أبرز المسؤولين في إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، وشهادات حية لعناصر من الشرطة المكلفة حماية الكونغرس، وعرض فيلم وثائقي للمرة الاولى تضمن مشاهد عنف مقززة، تضافرت جميعها لتكشف للأميركيين بشكل لا لبس فيه، أن ما جرى في ذلك اليوم لم يكن تظاهرة ارتجالية، بل "مثّل ذروة المحاولة الانقلابية" التي قادها الرئيس السابق ترامب ضد الدستور، كما قال رئيس اللجنة بيني تومبسون. نائبة رئيس اللجنة الجمهورية ليز تشيني قالت إن ترامب "أشرف على خطة من سبعة أجزاء لإلغاء نتائج الانتخابات". وفي الجلسات اللاحقة سوف يتم التطرق بالتفصيل لجميع أجزاء هذه الخطة الانقلابية، من خلال الشهادات الحية للشهود، أو مقتطفات من مئات الشهادات المصورة للذين لعبوا أدوارا هامة في ذلك اليوم أو ما سبقه من تحضير للاقتحام، أو ما لحقه من محاولات للتغطية على الحقائق.

وإذا كان أحد أهداف اللجنة، هو الكشف عن الأدلة الملموسة والدامغة بأن ترامب على الرغم من جميع ادعاءاته العلنية بأنه لم يخسر الانتخابات ،The Jan 6 committee accuses Tump وانه علم من كبار مساعديه في الحملة الانتخابية وفي البيت الابيض فور الإعلان عن النتائج انه خسر الانتخابات، وبالتالي فان ادعاءاته كانت تهدف لأن تكون أساسا سياسيا للمحاولة الانقلابية التي دعا اليها، لوقف التصديق على انتخاب جوزف بايدن الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة، فان اللجنة نجحت في مهمتها.

وخلال أقل من ساعتين، حفلت بالصور والوثائق والشهادات وشرائط العنف، شاهد عشرين مليون أميركي على شاشات تلفزيوناتهم وبوضوح دامغ هشاشة النظام الديموقراطي الذي اقترب في ذلك اليوم من الانهيار، بعد أن احتل مئات المتطرفين صرح الديموقراطية الأميركية، ليساهموا مع أكثرية الأعضاء الجمهوريين في المجلس في محاولة انقلابية عنيفة يقودها رئيس في البيت الابيض لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، لإلغاء نتائج انتخابات نزيهة فاز بها منافسه.

ما شاهده الأميركيون، كان سردا مفصلا ومثيرا وسريع الإيقاع لوقائع ذلك اليوم والدور المركزي للرئيس السابق ترامب في التحريض على الهجوم، والاستمتاع بمراقبة وقائعه الحية في البيت الأبيض. نائبة رئيس اللجنة، الجمهورية ليز تشيني نسبت إلى ترامب موافقته على مطالب المتطرفين الذين كانوا يرددون خلال اقتحامهم لمبنى الكابيتول "اشنقوا مايك بينس"، حين قال "لديهم الفكرة الصحيحة" للتخلص من نائبه. الجلسة وثقت بشكل واضح أن عناصر الميليشيات المؤيدة لترامب اجتمعوا في واشنطن لتنسيق الاقتحام، وأن هؤلاء بدأوا بزحفهم باتجاه الكابيتول، قبل أن يدعو ترامب في خطابه في ذلك اليوم مؤيديه لحصار الكابيتول، ما يبين أن الاقتحام لم يكن عملا عفويا أو تحركا ارتجاليا، بل نتيجة تنظيم مسبق ومتعمد.

الجلسة حفلت بلحظات وتعليقات صعقت الكثير من الأميركيين. بعض هذه اللحظات عكست المعاناة الشخصية لمن كانوا في خضم معركة اقتحام الكابيتول. شهادة الشرطية كارولاين أدواردز التي لا تزال تعالج الجراح التي أصيبت بها في ذلك اليوم، تحدثت بهدوء طيف كانت "تتزحلق في دماء المجروحين" من زملائها وهم يحاولون صد هجمات المتطرفين. كارولاين ادواردز، جلست تراقب بصمت ووجوم شريط الهجوم الذي تعرضت له على يد المتطرفين.

ولعل أهم ما جاء في الجلسة كانت "المرافعة" التي قدمتها النائبة ليز تشيني، التي نبذتها قيادة الحزب الجمهوري في المجلس بسبب انتقاداتها اللاذعة للرئيس السابق ترامب، والتي شملت عرضا مفصلا ودقيقا وموثقا تضمن شهادات من مسؤولين سابقين في إدارة ترامب في البيت الابيض ووزارة العدل، بما فيها شهادة مصورة من وزير العدل السابق بيل بار قال فيها للجنة إنه لم ير أي دليل يبين أنه تمت سرقة الانتخابات من ترامب،  وان ادعاءات ترامب هي "هراء" واستخدم بار، الذي استقال من منصبه قبل أسابيع من نهاية ولاية ترامب، كلمة مبتذلة ليبلغ الرئيس السابق انه لا أساس لادعاءاته بشأن تزوير الانتخابات. وعقب ذلك شريطا مقتضبا لنجلة ترامب ايفانكا قالت فيه للجنة إن شهادة وليام بار "أثرّت على موقفي، فأنا احترم وزير العدل بار، ولذلك فأنا أقبل بما قاله".

ووجد دونالد ترامب نفسه في وضع لا يحسد عليه، حين اضطر إلى نقض ما قالته ابنته مدعيا انها "لم تشارك في دراسة نتائج الانتخابات" وإضافة إلى شهادة أيفانكا التي ناقضت ادعاءات والدها، كانت هناك شهادات مصورة لعدد من المساعدين المقربين لترامب في الحملة الانتخابية والبيت الأبيض الذين أبلغوا اللجنة أنهم قالوا لترامب بشكل لا لبس فيه أن الانتخابات لم تكن مزورة وانه خسرها.

ويمكن اعتبار مداخلة ليز تشيني، التي استمرت لأربعين دقيقة بمثابة لائحة اتهامات جنائية ضد الرئيس السابق يمكن لوزارة العدل أن تستخدمها إذا ارادت محاكمة ترامب بتهم التحريض على الفتنة، ومحاولة تقويض المؤسسات الدستورية والديموقراطية عبر محاولة انقلابية عنيفة. وكان من المناسب للجنة أن تختار نائبا جمهوريا، يتحلى بالخبرة القانونية (تشيني كانت تمارس المحاماة قبل انتخابها) وبالفصاحة والسمعة الشخصية الجيدة لتقديم الأدلة الدامغة بأن الرئيس السابق كان ولا يزال يشكل الخطر الأساسي الداخلي ضد الديموقراطية الأميركية.

وربما كانت الكلمات القوية واللاذعة التي وجهتها تشيني لزملائها الجمهوريين السابقين هي أبلغ ما جاء في مداخلتها، "سوف يأتي اليوم الذي يرحل فيه دونالد ترامب، ولكن عاركم سوف يبقى".

وسوف تسعى الجلسات التي ستعقد في الأيام والأسابيع المقبلة إلى إبراز دور ترامب في المحاولة الانقلابية، من خلال فضح ادعاءاته بأنه كان مقتنعا بالفعل بأن الانتخابات كانت مزورة وانه حرم منها، وللتأكيد بأنه كان منذ الكشف عن نتائج الانتخابات يخطط لإلغاء النتائج بمختلف الوسائل المتاحة بدءا بالضغوط السياسية ومحاولة ترهيب المسؤولين المحليين عن الانتخابات في الولايات المحورية، وانتهاء بالتحضير لاقتحام الكونغرس.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!