تقرير يقول إن إسرائيل وضعت تمويلا لاستهداف البرنامج النووي الإيراني
المفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني تتعثر ما يزيد من توترات الشرق الأوسط- أرشيف لموقع نووي إيراني

هنالك تغير هائل في النظام العالمي وقوى جديدة ستظهر وتتراجع غيرها، التحالفات ستتغير، وإقليم الشرق الأوسط فعليا وواقعيا يتغير، نحن نعيش هذا التغيير ونشعر به يوميا.

لنتفق أولا على ما لم يعد يمكن إنكاره، العالم الذي عرفناه قبل ثورة "تكنولوجيا المعلومات" انتهى. وانتهى تماما.

العلاقات الدولية التي تأسست في ذلك العالم كانت ضمن سياقاته وظروفه ومعطياته، وهي سياقات وظروف ومعطيات انتهت مع انتهاء ذلك العالم، مما يعني بالضرورة والتراتب المنطقي انتهاء فاعلية "منظومة العلاقات الدولية" القديمة، وتفكيكها لإعادة تركيب منظومة جديدة متسقة مع العالم الجديد والراهن.

من المعطيات التي شهدت أيضا تغييرا أحدث بدوره حزمة تغييرات جوهرية، مصادر الطاقة، والتي ترافقت مع مع ثورة تكنولوجيا المعلومات، فالعالم اليوم يتحول تدريجيا من الاتكال على النفط إلى مصادر طاقة بديلة وصديقة للبيئة ومتوفرة، ومراقبة "الغاز" بحقوله ومناطق تنقيبه أحدثت زلالزل بهزات ارتدادية في عالم التحالفات الدولية وعلاقات الدول بين بعضها البعض، وفي إقليم الشرق الأوسط فإننا أسلفنا القول قبل ذلك أنه يتفكك الآن، في إعادة تركيب لمشروع شرق المتوسط، الشرق الأوسط كان يتناسب مع النفط كمصدر طاقة عالمي يتحكم في مصار الأمم والشعوب، واليوم صار الغاز المتوفر شرق حوض المتوسط عنوان العلاقات التي تتشكل بغرائبية لا يفسرها إلا الغاز، ولا يجعلها منطقية إلا التحالفات القائمة على المشاركة والتعاون.

مشاركة وتعاون؟ تلك عبارة ليست سهلة في شرق المتوسط، فالجيران على ذلك الطرف من الساحل الطويل ليسوا على وفاق أبدا، ويحملون من العالم الذي تفكك إرثا يرونه مقدسا وهائلا من الكراهية والدم والحروب وكثير من الحقوق التي لم تجد حلولا حاسمة.

لكن الغاز " الوفير جدا" تحت البحر، لا يعرف فضيلة الصبر والانتظار. هو بطبيعته "غاز" قابل للتلاشي بعد وقت ليس ببعيد.

شرق المتوسط الذي فيه تركيا واليونان وقبرص وإيطاليا نزولا نحو الساحل إلى لبنان وسوريا وإسرائيل لينتهي الخط الساحلي عند غزة – الأكثر حظا حسب المتوقع بوفرة الغاز على عتباتها البحرية- ثم مصر حتى ليبيا، والله وحده "وعباده الصالحين وغير الصالحين من الشركات العملاقة" يعرفون أين يمكن أن ينتهي بحر الغاز تحت المتوسط. 

العلاقات الدولية التي تتغير اليوم، ليست فكرة ضيقة محصورة بسفارات وتبادل دبلوماسي، ولا هي نطاق تحالفات إقليمية مزاجية او مصلحية براغماتية، التغيير في العلاقات الدولية يتطلب إعادة نظر في كل أسس المنظومة السابقة وهذا يشمل القوانين الدولية التي تنظم الحدود البحرية وقوانين أعالي البحار. تلك ضرورة حيوية اليوم تؤسس لشكل العالم في الغد، وربما شكل الحروب فيه إن لم يتصرف العالم بحكمة الآن.
--
هل هنالك حرب قادمة؟ 
من الصعب الحصول على إجابة حاسمة لهذا السؤال القاسي، والمشروع.

لكن يمكن لنا ان نشارك ولو ذهنيا بعملية التفكيك والتركيب، لنفهم شكل الطريق القادم في المنطقة والعالم.
هو عالم جديد ومختلف تماما بمعطياته، وإقليم شرق متوسط الصراع فيه على بحيرات الغاز المحيطة به تتطلب تعاونا وشراكات اكثر من حروب ونزاعات.

إذن هذا يتطلب تفاهمات سريعة ومدروسة، والتفاهمات في شرق المتوسط معقدة بسبب إرث تاريخي ثقيل ومتشابك، أنتج على الدوام مراكز قوى متطرفة، بمجملها أصوليات دينية او قومية.
التفاهمات تعني العمل بقوة زلزالية هائلة لتغيير المزاج الجمعي في كل ذلك الإقليم، وهذا ببساطة يعني التخلص -- بالتفكيك أو الإزاحة- من مراكز القوى اليمينية المتناحرة. 

فلنفصل أكثر حسب المشهد الراهن:

ما هي القوى اليمينية العنيدة في تطرفها "القومي او الديني" التي ترفض أي صيغة تعاون إقليمي هو من متطلبات المرحلة القادمة؟

إيران "ووكيلها الإقليمي حزب الله" وكل توابعهم الإقليمية المتفرقة على مساحات شرق المتوسط. وأيضا الحكومة اليمينية الحالية في إسرائيل، وهي حكومة يمين قومي إسرائيلي جاءت بعد حكومة تطرف ديني – قومي بقيادة نتنياهو.

في قراءة المشهد الراهن، والمتغير تباعا كل يوم، فهنالك حديث قوي عن تسويات "غرف مغلقة" في الاتفاق النووي مع إيران، وإيران التي تحاول بنجاح "مرحلي ويائس" إخفاء تصدعاتها الشعبية الداخلية والاحتقانات في شارعها المقموع بالحديد والنار والمقدس، تسعى إلى الوصول "بيأس أيضا" إلى اتفاق يرفع الغطاء عن الغليان فيها، اتفاق يفتح البلاد على العالم وهي كعكة ضخمة للجميع في عملية "إعادة البناء" لبلد منهك لا تزال بنيته التحتية بالكامل تنتمي لسبعينيات القرن الماضي، مع ثورة نفطية كامنة وثروة غاز لا يمكن الاستفادة من متر مكعب منها بدون تسوية نهاية تعيد إيران للمجتمع الدولي. (إيران تشترك مع قطر ببحيرة غاز ضخمة في الخليج، التعاون ضرورة حتمية لاستخراجه والاستثمار فيه).

حزب الله، وكيل إيران الأكثر قوة في المنطقة، هو الأكثر خسارة في حال وصول طهران لاتفاقيات تسوية تصب في صالح إيران وحدها، وليس مستبعدا ان يتخلى الإيرانيون عن حليفهم "المذهبي" التاريخي للوصول إلى طريقة ترفع الغطاء عن الغليان في القدر.

حسب قراءات لمختصين، حزب الله قادر على الاستمرار بدون إيران وبتمويل ذاتي من "استثمارات الحزب حول العالم" لعامين على الأقل، لكن الدعم السياسي هو حبل السرة الذي يغذي وجود الحزب.

في القراءات المتوقعة، فإن الحزب يتم تفكيكه ليتحول إلى حزب سياسي ضمن منظومة "سياسية" جديدة يتم تركيبها في لبنان، حزب سياسي بلا هيمنة بعد نزع السلاح. ونزع السلاح عن حزب الله سيكون قاسيا وله أثمانه.

إسرائيل، ممثلة بحكومتها اليمينية التي ترفض النزول عن الشجرة، قد تواجه حربا مدروسة تهز الشجرة وتوقع المتشبثين بأغصانها، حتى ولو لزم الأمر "قلع الشجرة" كما يقول دبلوماسي أوروبي.

حكومة اليمين في إسرائيل، قد تسبق الجميع في عملية "التأزيم الإقليمي" وهناك سيناريوهات محتملة بأن يتم ضرب إيران من قبل إسرائيل مباشرة، وهذا سيعرض تسويات الاتفاق النووي للخطر، ويجر واشنطن إلى حرب لا تريدها بحكم التحالف التاريخي مع إسرائيل.

التصعيد الأخير في الضربات الإسرائيلية لأهداف إيرانية على الأراضي السورية أوقف مطار دمشق عن العمل، لكن ماذا هنالك في مطار دمشق ليتم ضربه؟ ما الذي يمكن أن يوجع إيران وحزب الله في الضربات الأخيرة؟
التقارير الصحفية تتحدث عن عمليات اغتيال متزايدة في الداخل الإيراني تستهدف شخصيات "نوعية"، تهديد إسرائيل بتدمير القرى الحاضنة لمنصات صواريخ حزب الله، والسعي الدائم عبر التجييش الإعلامي لعرقلة الاتفاق النووي الإيراني، بالإضافة إلى ما يتم توارده عن نشر أنظمة رادار متقدمة في الإمارات والبحرين على بعد كيلومترات قليلة من شواطيء إيران، ثم زيارة رئيس القوات البحرية الإيرانية إلى جزيرة طنب الإماراتية المحتلة وتصريحاته اللافتة عن "حضور إسرائيلي" في دول مجاورة والتهديد بالرد القوي.

لن أكون متشائما جدا ولا سوداويا لأنذر بحرب وشيكة ومدمرة، لكن المعطيات كلها تفضي إلى ضرورة تغيير المعادلات السابقة كلها، ولملمة شرق المتوسط ضمن منظومة تعاون لا يمكن أن تعيش بدون تسويات، ترضي الجميع، بلا استثناء، والتنمية الإقليمية هي مفتاح أبواب المرحلة القادمة، ولك ان تتخيل كيف يمكن ان تصبح غزة "الأكثر فقرا وبؤسا وظلما في العالم" ثرية بالغاز، وكيف يمكن لمصر أن تستفيد من إضاءة شوارع اليونان بطموح أوروبي يجعل أوروبا حرة من سيطرة موسكو على الطاقة.

ومتى يمكن للبنان أن ينهي مفاوضاته التي يشرف عليها الزعيم "المقاوم" نبيه بري للوصول إلى تسوية مع إسرائيل في حقول غاز مشتركة، وهل يمكن لإسرائيل أن تنقب عن الغاز المتوسطي  بوجود تشددها اليميني في الحكم، ودون الوصول إلى تسوية سلمية "عادلة ومنصفة" للفلسطينيين؟ وهذا يطرح على الطاولة خيارات جديدة لحلول خارج صندوق التراث الشرق أوسطي القديم.

لا أعرف إن كان هناك جواب حاسم لسؤال : هل ستندلع الحرب؟ لكن السؤال الأكثر واقعية : هل هناك حاجة لتلك الحرب؟

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.