صلاة خلال مظاهرة سودانية مؤيدة للرئيس المصري الأسبق محمد مرسي - أرشيف
صلاة خلال مظاهرة سودانية مؤيدة للرئيس المصري الأسبق محمد مرسي - أرشيف

قلت في الجزء الأول من هذا المقال أن جماعة الإخوان المسلمين شيدت نظاما استبداديا فاسدا طوال الثلاثين عاماً التي حكمت فيها السودان وجاء السقوط المدوي لذلك النظام بثورة شعبية عارمة اندلعت في ديسمبر 2018، ومع ذلك فقد ظلت الجماعة تسعى بالظفر والناب للعودة للسلطة دون أن تدفع أية استحقاقات لتلك العودة سوى تشكيل واجهة جديدة تحت مسمى "التيار الإسلامي العريض". 

قال القيادي الإخواني حسن رزق في المؤتمر الصحفي لتدشين الواجهة الجديدة للجماعة : ( الوحدة بين الجماعات الإسلامية تنطلق من مرتكز التأكيد على فهم الإسلام بشموله على أساس الكتاب وصحيح السنة، وما هو مجمع ومتفق عليه)، ومن جانبه قال القيادي محمد على الجزولي، إن هدف التيار العريض هو ( تنزيل قيم الدين على جميع أوجه الحياة في شؤون المعاش والمعاد في شمول وتكامل وفق فهم عميق لمقاصد الدين). 

إن فكرة "الشمول" التي أشار إليها رزق والجزولي تمثل العمود الفقري الذي قامت عليه جماعة الإخوان باعتبار أن الإسلام دين يحكم كل مناحي الحياة وهو الأمر الذي يتطلب في نظرهم ضرورة تطبيق الشريعة وأسلمة الدولة وعودة الخلافة، ذلك أن تلك الشمولية تعنى بالنسبة لهم استحالة فصل الدين عن الدولة كما حدث في الديانة المسيحية.    

وقد شرح الدكتور يوسف القرضاوي فكرة الشمول هذه في كتابه "التربية السياسية عند الإمام حسن البنا" بالقول إنها تعني: (أن الاسلام يشمل الحياة كلها بتوجيهه وتشريعه: رأسيا منذ يولد الإنسان حتى يتوفاه الله. بل من قبل أن يولد وبعد أن يموت حيث هناك أحكام شرعية تتعلق بالجنين وأحكام تتعلق بالإنسان بعد موته. وأفقيا، حيث يوجه الإسلام المسلم في حياته الفردية والأسرية والاجتماعية والسياسية من أدب الاستنجاء إلى إمامة الحكم وعلاقات السلم والحرب). 

ولكن على العكس التام مما يدعيه هؤلاء فإن شمولية الدين واستمرار فاعليته تكمن في عموميته وتساميه عن الوقائع المتجددة وعدم تدخله في تفاصيل الحياة المتغيرة، فهو يطرح الإجابات على الأسئلة الوجودية الأساسية حول الحياة والموت، خلق الكون ومسيره ومآله الأخير، مصير الإنسان والقيم التي يجب أن تحكم حياته. 

إن اكتفاء الدين بطرح المبادئ والتصورات والقيم الكبرى وامتناعه عن الاستغراق في الشؤون التفصيلية المرتبطة بكيفية إنزالها على واقع الناس في الحياة هو الذي يؤكد على شموليته، وهذا هو الأمر الذي يثبته النص الديني (القرآن) والتجربة التاريخية الإسلامية. 

في مسألة السياسة والحكم، يؤكد القرآن على قيم عامة أساسية مثل الحرية والعدل والشورى، ولكنه يصمت عن كيفية تطبيقها في الواقع الحياتي المتغير، ولا يضع تفصيلات محددة يجب إتباعها في جميع الأحوال والأوقات، وكذلك فعل الرسول الكريم في واقع الممارسة التاريخية، فهو لم يترك لأصحابه دليلا تفصيليا لكيفية تسيير شؤون المسلمين بعد رحيله، وكذلك امتنع عن اختيار من يخلفه في إدارة أمرهم. 

إن عدم وجود نظرية سياسية في الإسلام يؤكد ما ذهبنا إليه من أن شمولية الدين تعني اكتفاءه بوضع القيم والمبادئ العامة التي يجب أن تلتزم بها السلطة السياسية في المجتمع دون الخوض في تفاصيل الأشكال والآليات التي تتخذها السلطة في إنزال تلك المبادئ إلى الواقع التطبيقي. 

وقد أثبتت تجربة حكم الجماعة في السودان طوال ثلاثين عام أن الشمولية التي تتحدث عنها ليست سوى وهم يعشعش في العقول، حيث اتضح أن الجماعة لم تكن تملك أية رؤية لطبيعة الدولة مما أدى إلى تحول السلطة التي بين يديها إلى استبداد سياسي مطلق يوظف الدولة لقمع الخصوم، كما اشتكى زعيم الجماعة الراحل الدكتور حسن الترابي من بؤس الفقه السياسي التاريخي للمسلمين وافتقاره للمبادئ التي توضح كيفية الحكم وتداول السلطة بطرق سلمية بعيدا عن أسلوبي الغلبة والوراثة.  

إن شمولية الدين الحقيقية ليست سياسية بل هى تلك التي تسعى للإجابة على أسئلة الوجود وتنشد القيم الكبرى "الحرية، العدل، الخ" ولعل من أبلغ العبارات الدالة عليها هي تلك المنسوبة للفقيه ابن القيم: "أينما يكون العدل فثم شرع الله". هذه المقولة تبين أن أحد المقاصد الكلية للدين هو تحقيق العدل وبالتالي فإنه ليس مهما نوع النظام السياسي (الوسيلة) الذي يتم عن طريقه الوصول لتلك الغاية، بل إن تنزيلها إلى أرض الواقع والممارسة وحده كفيل بإعطائها الصفة الإسلامية. 

وفي ذات المؤتمر الصحفي قال القيادي الإخواني أمين حسن عمر إن الهدف من إعلان قيام التيار الإسلامي العريض هو: ( تنسيق المواقف بين التيارات الإسلامية نحو الهدف الأول، وهو نهضة البلد بالدين) ! 

ظل الإخوان طوال ثلاثين عاما من حكمهم للسودان يرددون عبارة "نهضة البلد بالدين"، ومع ذلك فشلوا في تعريف كنهها، ففي المجال السياسي قاموا باستنساخ تجربة  "اللجان الشعبية" من نظام العقيد القذافي وعندما فشلت التجربة ابتدعوا نظاما أطلقوا عليه اسم "التوالي السياسي" وعندما فشل الأخير ركنوا إلى نظام الحزب الواحد الذي أسلم أمره في خاتمة المطاف لديكتاتور فرد يحكم بواسطة دائرة من اللصوص ! 

أما في الجانب الاجتماعي فقد رفعوا شعار "إعادة صياغة الإنسان السوداني" الذي ركز على خلق شخصية دينية تهتم بالمظهر والرسوم والأشكال ولا تلتفت لجوهر الدين، مما أدى إلى إطالة اللحى واصطناع زبيبة الصلاة والتسابق على بناء المساجد من قبل آكلي أموال السحت، فانتشر الفساد بصورة غير مسبوقة في تاريخ البلاد وباعتراف قادة الجماعة. 

وعلى صعيد الحريات، أفرز حكم الجماعة أسوأ نموذج لانتهاك حقوق الإنسان حيث تم إطلاق أيادي أجهزة الأمن والمليشيات كوسيلة أولى وأساسية لإحكام السيطرة على الدولة، فتم تعذيب وقتل المعارضين السياسيين في المعتقلات القبيحة المعروفة بإسم "بيوت الاشباح"، وارتكبت المجازر التي راح ضحيتها عشرات بل مئات الآلاف من المواطنين الأبرياء والعزل في مناطق النزاعات. 

قد انتهت عبارة "نهضة البلد بالدين" إلى مجرد شعار خالي من المحتوي، شأنه شأن جميع شعارات الجماعة، وبعد أن أفاق قادتها من صدمة الثورة العارمة التي أدت لسقوط نظامهم، لم يقم بينهم شخص أو فئة عاقلة تدعوهم لتقييم الفشل المدوي للشعارات وتطالبهم بالابتعاد عن إعادة  تدويرها دون إجراء المراجعات اللازمة، بل عمدوا لتجميع صفوفهم مدفوعين بشهوة الرجوع للسلطة مرة أخرى، فتأمل !     

إذا أرادت الجماعة أن تجد لها مكانا في الساحة السودانية فلن يكفيها تغيير واجهاتها مع الاحتفاظ بنفس المباديء والأفكار، إذ يتوجب عليها أن تبتعد عن إستخدام الدين كأيدولوجيا للوصول للسلطة فضلا عن ضرورة ابتداع برامج مفصلة لكيفية إيجاد الحلول العملية للمشاكل بدلا عن رفع الشعارات الفضفاضة . 

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.