بدلاً من أن يطالب لبنان بما أشارت الدراسات المعتبرة أنه حقٌّ له، وهو الخط المنتهي عند النقطة ٢٩، أهمل الموضوع دهراً، ثم اعتمد الخط المنتهي عند النقطة ٢٣
بدلاً من أن يطالب لبنان بما أشارت الدراسات المعتبرة أنه حقٌّ له، وهو الخط المنتهي عند النقطة ٢٩، أهمل الموضوع دهراً، ثم اعتمد الخط المنتهي عند النقطة ٢٣

تريد الطبقة الحاكمة في لبنان الإيحاء بأنها قد اتخذت موقفاً حاسماً حازماً في موضوع المفاوضات غير المباشرة مع "العدو الإسرائيلي"، إذ أبلغت الوسيط الأميركي جوابها بأنها وبالإجماع لن تقبل إلا بكامل ما هو شمال الخط 23، مع إضافة كل "حقل قانا" إليه.

هو موقف ظاهره القوة والثبات والتأكيد على تمام الحق، فيما هو، في واقع الأمر، تنازل وتخاذل وتفريط بالمصلحة الوطنية الجليّة. وكل الحجج التي يسوقها أركان المنظومة، وكل الانتصاريات التي سوف تلي قبول إسرائيل بالعرض اللبناني أو بعضه لا تنفع لطمس الحقيقة القبيحة وهي أن جميع أطراف المنظومة، من الرؤساء الثلاثة إلى المقاومة، شركاء في جريمة حرمان لبنان، في حاضره ومستقبله من ثروات كانت لتكون له لولا سوؤهم وإساءاتهم.

الخلاف حول ترسيم الحدود البحرية أمر شائع في كافة أنحاء العالم. مسائله على الدوام معقّدة في تفاصيلها إنما بسيطة وسهلة في إطارها العام. كل طرف من الجانبين المختلفين يعلن ما يراه حقاًً له، ويسجّله وفق الإجراءات المتعارف عليها لدى الأمم المتحدة، وحينما يتجلى الخلاف يعمد الجانبان إلى المحاكم الدولية أو إلى التحكيم المتفق على شروطه بينهما، أو إلى الوساطة. ليس ما يبرّر أن يخرج الخلاف بين لبنان وإسرائيل عن هذا الإطار.

إسرائيل ترى بأن حقها في الحصرية والاستثمار يشمل المنطقة البحرية الممتدة من النقطة البرية عند أقصى ساحلها الشمالي إلى النقطة واحد عند الخطّ المقرّر مع قبرص. وإذ هي قد استثمرت للتوّ ونجحت بالإنتاج في حقول غازية عدّة في المساحة البحرية الحصرية الاقتصادية التابعة لها، خارج أي منطقة متنازع عليها، فإنها من مصلحتها حل الخلاف حول الحدود البحرية مع لبنان للمزيد من التقدم، وهي بالتالي أبدت استعداداً للتوصل مع لبنان إلى صيغة مرضية للجانبين.

الولايات المتحدة بحكم قراءتها لمصالحها معنية بتخفيض التوتر في كافة أنحاء العالم وصولاً إلى الاستقرار، والشرق الأوسط كان ولا يزال يشغل قدراً كبيراً من جهودها في هذا الصدد. هي معنية كذلك بمصلحة حليفتها إسرائيل طبعاً، كما بمساعدة لبنان للخروج من محنته ولتجنيبه المزيد من التورّط في حروب الآخرين، على صعوبة الأمر هنا. هي بالتالي، استجابة للطلب الإسرائيلي كما انطلاقاً من تقييمها الموضوعي للحال القائم، مستعدة للقيام بالوساطة في موضوع الحدود البحرية.

يبقى لبنان. لكن بدلاً من أن يطالب لبنان بما أشارت الدراسات المعتبرة أنه حقٌّ له، وهو الخط المنتهي عند النقطة 29، أهمل الموضوع دهراً، ثم اعتمد الخط المنتهي عند النقطة 23، دون مسوّغ علمي أو موضوعي، مبلِغاً الأمم المتحدة بقراره، متخلياً عن القدر الأكبر من المساحة ذات الثروات المرتقبة، ليصبح الخلاف مع إسرائيل، وموضوع الوساطة من جانب الولايات المتحدة، حول كيفية تقاسم المثلث بين النقطة البرية الحدودية والنقطتين 1 و23.

ومع إعداد الجيش اللبناني للدراسة الفنية التي تصادق على التقرير البحثي الصادر عن كبرى المؤسسات العلمية العالمية، والتي تفيد بأن ما يتوجب اعتماده هو الخط 29، كان المطلوب من السلطة السياسية اللبنانية وحسب إبلاغ الأمم المتحدة، وفق الأصول، بأن قراءة لبنان لحقّه السيادي قد تبدلت. على أن الأشهر والأعوام قد مرّت، والسلطة ممتنعة عن القيام بهذا الواجب الإلزامي.

لا شك بأن تعديل الموقف اللبناني، في حال تمّ تثبيته وفق المعايير الدولية المعتمدة، كان ليثير امتعاض الخصم الإسرائيلي والوسيط الأميركي في عملية التفاوض، وعن جدارة، لهدر الوقت والموارد في المراحل الماضية. لهما الحق بالامتعاض، لا بالاعتراض، ومن مصلحتهما لو أن التعديل حصل، أن يعودا إلى التفاوض ولو بعد حين. ولو صحّ أي أثر لمزاعم البعض في لبنان عن "تهديدات" أميركية أو إسرائيلية تمنع اعتماد الخط ٢٩، لما كان ثمة مبرر للتحفظ عن الكشف الصريح عنها، إذ لجاء الأمر مناسباً بالكامل لصالح "المقاومة" إذ تعلن كلامياً جهوزيتها الدفاع عن الحق اللبناني.

غير أن "المقاومة"، والتي، دون الرجوع إلى رأي الدولة اللبنانية في موضوع سيادي، استنبطت "مزارع شبعا" (وهي أملاك لبنانية داخل الأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل عام 1967) لتحافظ على سلاحها "المقاوم" بعد انسحاب إسرائيل من لبنان عام 2000، ارتأت، في موضوع الحدود البحرية، أن تبقى "تحت سقف الدولة" وألا تتخذ موقف في شأن أي خطّ يتوجب اعتماده. أي، بعبارة أخرى، حيث لا سيادة للبنان في مزارع شبعا، تبقي "المقاومة" الوطن والمواطنين رهائن حربها المعلّقة، أما حيث حقوق لبنان مبنية على معطيات واضحة، فحزب المقاومة ارتأى التحفظ.

ولكن ليت التحفظ هو الصمت. بل إن التحفظ عن إثبات الخط 29 أو نفيه من جانب "المقاومة" هو الوسيلة وحسب للمزيد من الركوب على سلامة اللبنانيين ومصالحهم.

الكلام هنا ليس موجهاً لمن يريد بقاء سلاح الحزب الموالي لإيران أولاً وأخيراً، بغض النظر عن أشكال التبريرات، فهؤلاء يتمسكون بالحجج مهما كانت واهية. بل هو لمن حاجج عن قناعة ومبدأ بأن مصلحة لبنان وقوته هما في بقاء المقاومة.

منطقكم يقتضي بأنه من حق لبنان وواجبه أولاً أن يعلن ما يعتبره ضمن سيادته، ثم في حال ثبت هذا الحق لدى المحاكم الدولية ولم تلتزم به إسرائيل، أو حتى في حال أنكرته هذه المحاكم لدى من يعتبرها منحازة، يبرز لديكم دور المقاومة لإحقاق الحق، فعندها يكون للتهديدات التي يطلقها حسن نصر الله مادة تبررها وتجعل منها سلاحاً بيد لبنان.

ولكن الرجل لا يبدو مكترثاً بتحديد حقوق لبنان. بل يعمل وحسب إلى المباشرة بالتهديد، بأنه سوف يلجأ إلى سلاح المقاومة الحاسم في حال لم تمتنع إسرائيل عن "استباحة" هذه الحقوق الخفية.

أما كان من الأجدر من أصحاب منطق "المقاومة قوة للبنان" المثابرة على مطالبتها بتبني الخط 29؟ بين ليلة وضحاها، إثر إشهار حسن نصر الله موقفه غير الملتزم بالخط 29، في صفوف العديدين ممن كانوا من دعاة إحقاق الحق اللبناني بالحق والقانون الدوليين، انتقل الكلام إلى بعد نظر "السيد" وقدرته على تبديل الحسابات. واقع الأمر، وحدها حساباتكم ومواقفكم هي التي تبدلت هنا.

إحسان الظن بكامل الطاقم السياسي اللبناني، من الرؤساء إلى الأحزاب والمقاومة، يقتضي الافتراض بإنهم من الجهلة عديمي الخبرة والنظر، إذ أهملوا كيفما إهمال على مدى أكثر من عقد من الزمن قضية ترسيم الحدود البحرية، وصولاً إلى الحال القائم. واقع الأمر أن أداءهم في سائر الملفات يضفي على هذا الاحتمال بعض الصدقية.

ولكن، في هذه القضية كما في سائر الملفات، إهمالهم وتفريطهم بالمصلحة الوطنية الجلية لا يبدو بتاتاً على أن أساسه الجهل والغباء، بل تجاهل المواطن واستغباؤه. والمسألة جرمية على الأرجح، تستوجب المتابعة والملاحقة والمقاضاة، سواء كان الجرم الإهمال المفرّط والتقصير الفاضح عن القيام بالواجب، أو ما يتعداه.

وما يتعداه إما أن يكون مصلحة ذاتية، أي أنهم استفادوا واقتطعوا وارتشوا، والمطلوب عندها تبين من أقدم على ماذا، ومن حصل على ماذا، وصولاً إلى العقوبة العادلة. أو أن يكون مصلحة عقائدية.

والمصلحة العقائدية، والتي قد تكون عليها "المقاومة"، هي القائلة ضمناً بأن الضرر المترتب عن عدم إحقاق الحق اللبناني بالخط 29، سواء من خلال إثارة البلبلة منعاً لأية تسوية، أو من خلال تسوية مجتزأة عند الخط 23أو ما يقاربه يستفيد منها الطاقم السياسي، هو ضرر آني يمكن القبول به للمحافظة على سلاح "المقاومة" تحضيراً للملحمة الفاصلة.

كلام محور المقاومة ومن استجاب لدعايته الشاطحة يكاد أن يكون هزلياً لولا أنه مأساوي. حديث مستفيض، بالأرقام الجوفاء، عن "الكيان المؤقت" وزواله القريب المحتّم، وعن قدرات في السلاح والعتاد لدى فصائل المقاومة تتعاظم استعداداً للانتصارات الموعودة، وعن اقتراب ساعة الحسم التي يرتعد لها العدو، وعن إصغاء دقيق من جانب العدو لكل إشارة تصدر عن الأمين العام. بل البعض ذهب إلى حد كتابة الرسائل بلسان العدو يعلن فيها انبهاره بذكاء الرجل ودهائه وولائه لأمام الزمان.

هذا كله فيما إسرائيل تثبّت نفسها على أنها إحدى أفضل الدول في الإنجاز والتقدم على مستوى الكوكب، وتعمّق شراكاتها في المنطقة لتحقيق الأمن والازدهار والمستقبل الواعد لأهلها.

هذا كله فيما لبنان أصبح مضرب المثل حول الفساد والانهيار، وهوى إلى أرقام ومراتب قياسية في التراجع والبؤس، وفيما من له القدرة والكفاءة من أهله يسعى آسفاً إلى الهجرة لضمان مستقبل أولاده.

نعم، تبقى قضية فلسطين، وليست هذه القضية تفصيلاً، بل هي في جوهر التأسيس لإنسانية عادلة وجامعة، والمسؤولية قائمة ودائمة لإيجاد السبيل لحلّها بما يجعل من المواطن الفلسطيني في دولته السيدة الحرّة المستقلة شريكاً كاملاً في الازدهار القادم.

لا تزال الدول العربية التي أقدمت على التطبيع مع إسرائيل مرتبكة على أكثر من مستوى. المسؤولون فيها منشغلون للتوّ بتعميق الشراكات الجديدة مع نظرائهم في إسرائيل وإيصالها إلى المستويات المنتجة. مواطنوها يريدون تبين الفائدة الموعودة من هذه العلاقات، ومستعدون في أكثر من حالة للركون إلى قرار المسؤولين إلى أن تنجلي الأمور. ما لا يجوز افتراضه، لدى المسؤولين كما لدى عموم المواطنين في هذه الدول، بأن إدراكهم على مدى العقود للحق الفلسطيني قد زال، وأن مساهماتهم المتواصلة في السعي إلى التخفيف من المصاب الفلسطيني قد انقضت. بل هي مقاربة، وإن لم تتضح معالمها بالكامل بعد، مختلفة تماماً عن تلك التي سادت وفشلت وانقضت، قائمة على كسب ثقة الشريك الإسرائيلي ثم العمل معه على معالجة للقضية المحقة بما يتوافق مع مصالح الجميع.

الأصحّ أن يكون لبنان جزءاً من هذا المسعى لا نقيضاً له. ولكن في أجواء من الترهيب تجعل أي حديث عن إسرائيل، والتي الأحرى الإقرار بها جارة كانت عدوة في الأمس وربما تصبح صديقة وشريكة في المستقبل، مكبّلاً بعبارات المقاومة وأدبياتها، من "الكيان" إلى الشر المطلق وحتمية الزوال. هذا فيما المقاومة من لبنان تكرّر ما سبق تكراره من محاولة نطح لإسرائيل، وهي محاولات قد تتسبب ببعض الألم لإسرائيل بالتأكيد، أوجاع قليلة ثمنها تدمير ما تبقى من حاضر لبنان وهدر مستقبله.  

لا حاجة إلى التوافق لبنانياً حول الموقف من إسرائيل ومستقبل العلاقات معها، على أن الأقرب إلى الصواب في مسألة ترسيم الحدود البحرية، بعد أن أكدت المنظومة الحاكمة عزمها على التفريط بالحق، هو أنه من العبث التساؤل والتسول وتوقع الخير منها. ومن الأصح للمعنيين بمستقبل الأجيال اللبنانية، على مختلف المستويات في موقع المسؤولية الرسمية والمدنية، من التوافق على أسس ثابتة وإن طال أجل التمكن من تحقيقها، على أن يجري تبليغها على الملأ، في الداخل والخارج.

المطلوب قد يكون تلاقي المبادرات المدنية نحو ميثاق وطني أو شرعة وطنية بشأن الحدود البحرية تقوم على التأكيد، أولاً، على أن الخط 29 هو خط الحدود البحرية اللبنانية جنوباً وأن أي اتفاق خارج التحكيم الدولي مرفوض، وثانياً، أن الحق اللبناني بأية ثروات مستخرجة من مياهه يبقى محفوظاً وعرضة للملاحقة القانونية المدنية والجزائية في كافة المحاكم المحلية والدولية حيث يجري تسويق هذه الثروات أو الاستفادة منها، وثالثاً أن المسؤولية الجرمية التي تطال الفاسدين والمقرين والمفرطّين باقية ولا تسقط بالتقادم.

مع استيلاء منظومة الفساد والسلاح على مقومات الدولة، قد لا يكون بوسع اللبنانيين ضمان حقهم وفق الأطر المتوقعة، ولا بد بالتالي من التأكيد من خلال شرعة أو إعلان واضح للعالم أجمع، أن أي اتفاق أو تسوية أو تنازل تقدم عليه الدولة اللبنانية بطاقمها الحالي خارج إطار التحكيم الدولي يجب أن يعتبر لاغياً وغير شرعي، بناءاً على اتهام هذه السلطة، بجميع مكوناتها بالتفريط الجرمي المتعمد بالمصلحة الوطنية اللبنانية، لأغراضها الخاصة. الخط 29 هو خط السيادة وخط الحقوق وما عاداه صفقات ما لم يحكم به القانون الدولي. ولا بد من السعي إلى توثيق كل إنتاج وكل استخراج للثروة الوطنية، وإبلاغ الشركات المنتجة، كما الحكومة الإسرائيلية، بأنها عرضة للمقاضاة من أجل تحقيقه.

المنظومة الحاكمة في لبنان قرّرت، بالإجماع، التخلي عن الحق اللبناني بكامل المساحة البحرية بين الخطين 23 و29، وهي، إذ تزعم أن هذا التنازل والتفريط هو صلابة في الموقف، فإنها من باب الإلهاء لا التلهي، تقايض حقل كاريش بحقل قانا. سوى أن حقل كاريش واقع متحقق على أهبة الانتاج وتحصيل الثروات، فيما "حقل قانا" لا وجود له إلا بالافتراضات المبنية على بعض المعطيات الأولية القابلة للنقض. أي أن المنظومة الفذة تتحدث عن "حقل قانا"، وهو مجرد "أسماك في البحر"، وتتجاهل الصيد الثمين للأسماك التي جمعتها الشباك، الحاضرة للاستهلاك والتسويق، في حقل كاريش.

اللبنانيون ليسوا قادرين على تحصيل الحق فوراً، ولكنهم قادرون على اتخاذ خطوات من شأنها رفع إمكانية تحصيله مستقبلاً. من يقف بوجههم ليس مؤامرة كونية ولا غطرسة استكبارية ولا استعمار استيطاني، بل منظومة الفساد والسلاح في دولتهم، وهي وإن شارك بها آخرين، تبقى مسؤوليتهم في نشأتها، ومسؤوليتهم لتفكيكها.

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.