منظمات قالت إن هناك مسيحيين "يختبئون" بين أفراد المجتمع الإسلامي في أفغانستان (تعبيرية)
مسلم يقرأ القرآن في أحد المساجد

لعبت الطباعة دورا رئيسيا في تطور أوروبا وانتقالها من عصور الظلام إلى عصر التنوير، عصر العقل والحرية ومنهج البحث العلمي لأن الطباعة أتاحت إمكانية نقل المعارف وتبادل الأفكار عبر العالم، وأخضع عصر التنوير جميع الأفكار للشك والنقد والبحث بعقل مفتوح بما فيها الأفكار  الدينية لأنه رفض الإيمان الأعمى بكل ما هو موروث، وفي هذا العصر تمّ  اعتبار الإنسان حرا تماما في تبني ما يريد من أفكار وأن حريّة الإعتقاد من الحقوق الأساسية للإنسان، وخلال بضعة عقود انتشرت أفكار عصر التنوير وعمت مختلف بقاع العالم. 

ولكن في سبعينيات القرن الماضي ظهرت في الشرق الأوسط ردّة دينية دفعت تلك المنطقة إلى التشدّد والتزمّت الإجتماعي والثقافي أطلق عليها دعاة الإسلام السياسي إسماً مخادعاً هو "الصحوة الإسلامية" التي عزلت هذه المنطقة حضارياً وثقافياً عن بقية العالم وروّجت لرفض قيم ومفاهيم العالم الحديث وعملت على تشويه صورته وإتّهامه بالانحلال ونقل ما يحدث فيه من أزمات مع تجاهل الإزدهار وحياة الرفاهيّه التي تعيشها شعوبه، وتعاون الحكّام الإستبداديون مع الإسلاميين في تحقيق هذا الهدف لأنهما متّفقان في رفضهما للديمقراطية وقوانين حقوق الإنسان. 

وعاشت شعوب الشرق الأوسط خلال تلك السنوات حالة انفصال عن الواقع تهرب عن طريقها من الحياة البائسة التي تعيشها إلى عالم من التاريخ الأسطوري المزيّف للإسلام الذي كان أبطاله أقرب إلى الملائكة، مع أن كتب التراث نفسها تتحدّث عن حروب وصراعات على السلطة وجرائم حدثت طوال التاريخ الإسلامي بما ينسجم مع مفاهيم تلك العصور، وسارت أمور تحالف الإستبداد مع الإسلاميين على ما يرام إلى أن أتت شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي التي فتحت أبواباً جديدة وواسعة للمعرفة أمام هذه المجتمعات المغلقة، تماماً كما فعلت الطباعة قبل بضعة قرون، وكان من الطبيعي أن يستفيد المثقفون التنويريّون من هذه النافذة الجديدة، وخلال سنوات قليلة برزت مجموعة من الشخصيات قدمت برامج على يوتيوب عرضت من خلالها أفكارها، وأصبحوا خلال وقت قصير نجوما يتابع حلقاتهم مئات آلاف الأشخاص. 

فمن مصر برز الكاتب والمفكّر حامد عبد الصمد والذي لاقى برنامجه صندوق الإسلام رواجاً كبيراً وأكّد من خلاله على رفضه للكثير من المسلّمات الدينية وعرّف عن نفسه كشخص لا ديني، وإعتبر الإسلام سجن فكري يضع أتباعه ضمن صندوق مغلق ولا يسمح لهم بمشاهدة غيره ولا العالم من حولهم، وكان يختار في كل حلقة موضوعاً محددًاً يسلّط عليه الضوء ويفنّده، بما شكّل صدمة لأصحاب الفكر التقليدي إن كان من ناحية صراحته أو من ناحية كمّ المعلومات الكبير الذي قدّمه، كما أوضح ذلك في كتبه "وداعاً أيتها السماء" و"سقوط العالم الإسلامي" و"الفاشيّة الإسلامية". 

وبأسلوب مختلف خرج من مصر أيضاً الصحفي والكاتب سعيد شعيب الذي إنتقد في برنامجه "مع شعيب" التراث الديني ولكن من زاوية إصلاح الدين وتنقيته من الشوائب التي يعتقد أنها تسلّلت إليه خلال عصور الانحطاط، وكان يتناول يومياً إحدى القضايا ويفنّدها من أجل تفكيك منظومة التراث التقليدية التي اعتبرها البيئة الحاضنة للإرهاب، لأن دول الشرق الأوسط حسب رأيه تحارب الإرهابيين ولا تحارب الفكر الإرهابي، وعبّر عن ذلك في كتبه ومنها "زوال دولة الأخوان" و"تفكيك مصانع إنتاج الإخوان". 

ومن المغرب برز الكاتب والإعلامي "الأخ رشيد" والذي إختار طريقاً آخر وهو الخروج من الإسلام إلى المسيحية التي وجدت روحه فيها سكينتها وطمأنينتها، وهذا حق أساسي من حقوق الإنسان رغم أنه قد يكلّف  صاحبه في الدول الإسلامية الكثير من المعاناة من القريب قبل الغريب، وكان سبّاقاً في نقد الموروث الإسلامي في برنامجه الشهير "سؤال جريء"، ثم إنتقل إلى برنامج آخر أسماه "آية وتعليق" قدّمه في قالب ساخر مع الأستاذ حامد عبد الصمد، ومنذ عدة سنوات بدأ برنامجه "بكل وضوح"، وقصة تحوّل الأخ رشيد إلى الديانة المسيحية ليست حالة فرديّة بل هناك مئات آلاف الحالات المشابهة خصوصاً في دول مثل إندونيسيا وإيران وعند مكوّنات بعينها مثل الأكراد والأمازيغ وكذلك عند الجاليات المسلمة في دول الغرب، ومن كتب الأخ رشيد "داعش والإسلام من منظور مسلم سابق" و"إعجاز القرآن: دراسة وبيان". 

ومن المغرب أيضا خرج الباحث وعالم المخطوطات محمد المسيّح والذي أنشأ برنامجاً خاصاً على اليوتيوب أسماه "التاريخ المبكّر للإسلام" تناول فيه النصّ القرآني من زاوية علميّة بحتة ورصينة متجاوزاً الكثير من المحظورات، مما فتح الباب لمناقشة التاريخ الحقيقي للإسلام من منظور علمي بدل التسليم بمرويّات شفهية إنتقلت عبر القرون ومن الصعب على العلم الحديث التسليم بصحّتها خصوصاً لعدم وجود أدلّة مادّية تاريخية تثبت حدوثها، وعبّر عن ذلك في كتابه "مخطوطات القرآن، المدخل لدراسة المخطوطات القديمة"، وأثار الباحث في ندواته الكثير من القضايا بالغة الحساسية. 

ثم هناك الكاتب رشيد إيلال وقناته الخاصة على اليوتيوب التي تهدف كذلك إلى نقد الموروث الديني وإعادة الإعتبار للقرآن في مواجهة كتب الحديث والذي أثار كتابه الأخير "صحيح البخاري نهاية أسطورة" عام 2017 ضجة كبيرة وحقّق رواجاً مما عرّض الكاتب وعائلته لمضايقات وصلت إلى حد محاولة الإغتيال، ورغم الهجوم الشديد الذي تعرّض له الكتاب ولكنّه حقق أعلى المبيعات بما يشير إلى وجود حالة تعطّش إلى المعرفة عند شعوب هذه المنطقة. 

وكان من بين الشخصيات التي برزت خلال السنوات الآخيرة الكاتب والحقوقي اليمني علي البخيتي الذي أعلن عام 2019 أنه لا ديني، ويتميز الأستاذ علي بنشاط كبير على وسائل التواصل الإجتماعي ولديه مليون ومئة ألف متابع على التويتر ويشاهد تسجيلاته على اليوتيوب عشرات الآلاف، والنقطة الهامة عند البخيتي أنه قادم من اليمن، البلد الذي لا تتوفّر معلومات كافية عن الحياة الفكرية والثقافية فيه، مثل أغلب بلدان الجزيرة العربية التي تبدو على السطح محافظة إجتماعياً ومنغلقة ثقافيا. 

ولكن التفاعل الواسع مع أفكار الأستاذ البخيتي يدلّ على وجود درجة لا يستهان بها من الإنفتاح الفكري في المجتمعات الخليجية، وتأكّد ذلك خلال زيارته الأخيرة للسعودية قبل أيام حيث شارك في حوارات سياسية وثقافية عبّر فيها عن آراؤه بكل صراحة، بما يؤكّد الإنطباع السائد بأن السعودية والبحرين والإمارات واليمن تسير نحو الانفتاح بينما تسير الكويت وسلطنة عمان نحو التزمّت والتشدّد بعكس ما كان عليه الحال قبل بضعة عقود. 

ورغم التباين في توجهات الشخصيات التي تناولها هذا المقال ولكن الكثير من القواسم المشتركة تجمعها، ومنها أنهم جميعاً كانوا في مطلع شبابهم متديّنين، بل إن بعضهم إنضمّ إلى أحزاب إسلامية، بما يؤكّد على أن السبب الرئيسي للخروج من الإسلام في هذه الأيام لم يعد كتب ماركس وفرويد وداروين كما كان الحال في القرن الماضي، بل كتب البخاري وإبن تيميّة وما إحتوته من أفكار وآراء لم يعد يقبلها العقل ولا ثقافة العصر. 

كما يجمع بين أغلبهم أنهم إضطرّوا لمغادرة بلدانهم التي لا تحتمل تعدّد الآراء والتي تطارد المختلفين بذريعة ازدراء الإسلام، كما أن تباين التوجّهات الفكرية لم يمنع من قيام علاقات شخصية وثيقة وصداقات بينهم لأنهم جميعاً مؤمنون بحريّة الإعتقاد كأحد مرتكزات الحضارة الحديثة، ولذلك يتشاركون معاً في الكثير من البرامج الحوارية، كما يشترك الجميع في أنهم لم يكتفوا بإعادة النظر بالمسلمات الدينية بل أعادوا النظر كذلك في الخطاب السياسي السائد وعالم الشعارات غير الواقعيّة الذي تعيش عليه الكثير من شعوب بلدانهم. 

وقد ترك هؤلاء الكتّاب والمفكّرين أثراً واضحاً على الحالة الثقافية عند الناطقين باللغة العربية وساهموا في الحيوية الفكرية الموجودة حاليّاً والتي توحي بأن المنطقة تسير نحو تجاوز مرحلة التطرّف و"الصحوة الاسلامية" التي لم تجلب لهذه المنطقة ولبقيّة العالم سوى الجهل والبؤس والإرهاب، ولتأكيد ذلك يكفي التذكير بمناخ التزمّت الذي كان سائداً في تسعينات القرن الماضي ومقارنته مع واقع اليوم، وكذلك مشاهدة الأعداد الكبيرة التي تتجرّأ اليوم على الخوض في جميع المواضيع التي كان من المحرّم التعرّض لها قبل بضعة سنوات فقط، وكل ذلك لم يكن ممكنًا لولا الجهد الذي قام به هؤلاء المفكّرين الروّاد.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!