أطفال يلعبون في مخيم البقعة للاجئين الفلسطينيين
أطفال يلعبون في مخيم البقعة للاجئين الفلسطينيين

"التشاؤم لا يبني مستقبلا، والإحباط لا يُقدم حلولا"، هذا ما قاله العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، في توطئته لرؤية التحديث الاقتصادي التي أطلقت في الأردن. 

ما بعد جائحة كورونا تسعى الدولة الأردنية للخروج من المأزق السياسي والاقتصادي الذي يستحكم في البلاد، ومنذ العام الماضي، واستمرارا هذه السنة، طُرحت على الطاولة ثلاث مبادرات "إنقاذية" يرى العرش أنها الطريق لمستقبل آمن في ظل الاضطرابات التي تجتاح الإقليم، والعالم. 

المبادرات المطروحة، "وثيقة تحديث المنظومة السياسية" التي أثارت جدلا وما زالت، ورؤية التحديث الاقتصادي تحت عنوان "إطلاق الإمكانات لبناء المستقبل"، وخطة تحديث القطاع العام التي ما زالت قيد العمل والإنجاز. 

ليست المرة الأولى التي يُحتفى بها في الأردن بإطلاق استراتيجيات ومبادرات كخارطة طريق لإنقاذ البلاد، وأكثرها أصبحت وثائق منسية، يجري استحضارها أحيانا لتعرض في مؤتمرات ومنتديات لاستعراض قوة الدولة في صياغة الوثائق البراقة واللافتة، وبعضها كانت وسيلة وأداة لاستجلاب المنح والمساعدات، ولكن أكثرها، إن لم يكن، كلها لم تُنفذ كما وضعت، ولم تجلب الرفاه للأردنيين، ولم تحقق أحلامهم في مستقبل آمن. 

ورغم النقد الذي يمكن أن يُقال، ويُسمع، فإن الأردن لا يملك سوى محاولات التجذيف للبقاء والاستمرار والنجاة، فما يكاد يخرج من أزمة، حتى يواجه عاصفة، وهو على هذا المنوال منذ تأسيسه قبل أكثر من مئة عام.

وفي العقد الماضي صمد، وخرج سالما من "الربيع العربي"، ودفع ثمنا للإرهاب وموجات هجرة اللاجئين، وما كاد يتواءم مع استحقاقات صعبة، حتى جاءت جائحة كورونا لتُظهر على السطح ما كان مدفونا من مشكلات، وقبل أن يتعافى وينهض جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتدفع البلاد إلى الحافة، فتدق ناقوس الخطر لأزمة الطاقة والغذاء والحبل على الجرّار. 

مبادرات كثيرة وئدت قبل أن يختبرها الأردنيون والأردنيات، أو يقطفوا ثمارها، واستحضار التاريخ مفيد في ذلك، فالأجندة الوطنية وثيقة تشاركية لا يمكن الطعن بجودتها حُفظت في الأدراج، وقبلها كانت وثائق الأردن أولا، وبعدها جاءت مصفوفات وثيقة النهضة. 

المشكلة التي لا يمكن مواربتها أو إخفاؤها أن الحكومات وأجهزة الدولة المختلفة أول من يوجه رصاصه إلى مبادرات صنعوها، وحتى لا يكون الكلام عاما ونظريا، فرؤية تحديث المنظومة السياسية التي قادها رئيس الوزراء الأسبق، سمير الرفاعي، بتوجيهات، ومتابعة ملكية اغتيلت بعد أيام من إطلاقها حين اعتقل مجموعة من النشطاء بسبب تجمعهم السلمي أو تعبيرهم عن آرائهم.

وتتابع النهج المعاكس للمنظومة باعتقالات أخرى، لأنهم ينوون الاحتجاج والتظاهر في ذكرى الـ 24 من آذار، والأمر بسيط ولا يحتاج شروحات، وتنظير أيديولوجي كثير؛ كيف تريدون حكومات حزبية، وتداولاً للسلطة ومشاركة سياسية، ولا تطيقون حق المجتمع في التعبير عن مواقفهم وآرائهم؟ 

رؤية التحديث الاقتصادي، التي أطلقت بحضور العاهل الأردني في حفل مهيب بالبحر الميت، واعدة وطموحة، وقد تكون طوق نجاة للأردن، وأبرز وأهم ما فيها أنها تتحدث عن الارتقاء بنوعية الحياة لجميع المواطنين، فمشاريع وبرامج التنمية التي اعتُمدت في العقود الماضية لم تترك أثرها على حياة الناس، ولم تجلب لهم الازدهار. 

الرؤية الاقتصادية اختصرها العاهل الأردني بقوله: "نريده مستقبلا نستعيد فيه صدارتنا في التعليم، وننهض فيه باقتصادنا، وتزداد فيه قدرة قطاعنا العام وفاعليته، ويزدهر قطاعنا الخاص، فتزداد الفرص على مستوى متكافئ، ونواجه الفقر والبِطالة بكل عزم، وينطلق شبابنا في آفاق الريادة والابتكار". 

تعتمد رؤية التحديث الاقتصادي على ثلاث مراحل يمتد تنفيذها لعشر سنوات، واعتبرت خارطة وطنية عابرة للحكومات، وتتضمن 366 مبادرة تندرج تحت ثمانية محركات لإطلاق كامل الإمكانات الاقتصادية، المولدة لفرص التشغيل والعمل. 

تطمح الرؤية الاقتصادية لاستيعاب تحدي توفير مليون فرصة عمل جديدة للأردنيين خلال العقد القادم، ويتطلب تحقيقها جلب استثمارات، وتمويل بقيمة 41 مليار دينار أردني، وتتمحور على ركيزتين؛ الأولى تحقيق النمو المتسارع، والثانية الارتقاء بنوعية الحياة، وكلاهما الاستدامة ركن أساسي في هذه المقاربة. 

تُدرك الحكومة أن المضي في تحقيق الرؤية الاقتصادية ليس أمرا سهلا، ويعرف رئيس الحكومة، الدكتور بشر الخصاونة، أن الحكومات في الأردن محطات متغيرة لا تصمد كثيرا، وتعهداتها بتنفيذ استراتيجيات طويلة المدى غير مضمونة، وأكثر ما يمكن أن تفعله ألا تكون مُعيقة، وتُخفف مصاعب البيروقراطية، كما قال الخصاونة في كلمته، وقدم جرعة من التفاؤل بالقول: "السوداوية لن تكسر روحنا". 

غيرت الرؤية الاقتصادية من المزاج السيء الذي لا يرى أفقا في المستقبل، وأشاعت أجواء من الاستبشار، وما هي إلا أيام حتى كانت الخطابات الحكومية المتوالية أن هناك رفع لأسعار المشتقات النفطية قادم، ولأكثر من مرة قبل نهاية العام يُعيد أجواء الإحباط، ويطرح سؤالا مفصليا؛ كيف سنكون بيئة استثمارية جاذبة، ولدينا مشكلة طاقة مستعصية وتلوح بالأفق أزمة غذاء قادمة؟ 

رئيسة منتدى الاستراتيجيات الأردني، نسرين بركات، تكشف أن رضى الأردنيين عن جودة الحياة لا يتخطى 40 بالمئة، وأجادلها أن الراضيين أقل من ذلك بكثير جدا، وهي تعلم أكثر مني أن التعليم العمومي في الأردن يتراجع، والخدمات الصحية الحكومية غير لائقة حاليا، ومشكلاتها أكثر من أن تُحصر، والنقل العام المريح والثابت لا يتوفر، والرفاه لا يعرفه الكثير من الناس، وهذه كلها أسس الرضى، وعلى قاعدتها يمكن الحديث عن جودة الحياة. 

تسعى الرؤية الاقتصادية إلى أهداف استراتيجية في مقدمتها استيعاب مليون فرصة عمل في العقد القادم، وزيادة الدخل الفعلي للفرد 3 في المئة كل عام، ورفع ترتيب الأردن في مؤشرات التنافسية، والأداء البيئي والاستدامة العالمية والازدهار لتصبح في المقدمة، وهذا كله يحتاج إلى خطط أكثر فعالية وكفاءة في التنفيذ وقوة في السياسات والأداء المؤسسي ودعما للتغيير كما تطرح الرؤية. 

لا تنفصل رؤية التحديث الاقتصادي عن مهمة تطوير القطاع العام، وهذا تحدٍ لا يقل صعوبة، فحوكمة القطاع العام تصطدم بسياق الدولة الريعية التي استخدمت الوظيفة لعقود طويلة لتوزيع المنافع وشراء الولاءات، ولهذا فإن ترشيق القطاع العام والحد من البِطالة المُقنعة تحتاج شجاعة والقبول بدفع الكلفة السياسية عند حكومات تخشى فعل ذلك. 

إصلاح القطاع العام يتطلب إعادة النظر أولا في أسس وآليات اختيار وتعيين الحكومات، وترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص في المناصب العامة للدولة، وإقرار نظام شفاف للمساءلة والمحاسبة، ونهج الحكومات يسير في العقود الماضية في خط متعارض مع هذه القيم والمبادئ، وهي تخرقها سرا، وعلنا. 

يُعلق الأردن كثيرا من صعوباته ومشكلاته على الواقع الجيوسياسي الذي يعيشه، فالديمقراطية مؤجلة إلى حين حل القضية الفلسطينية، واستحقاقات الهوية الوطنية والاقتصاد، وحديث الاعتماد على الذات مرهون بجوار صعب ومُتقلب، والشراكة معه حذرة وفي كثير من التجارب لم تكن مستدامة وخاضعة لتقلبات السياسة. 

يحتاج الأردن حتى يخرج من عنق الزجاجة إلى مشاريع كبيرة تكسر حدة المشكلات، فأزمة المياه التي تراوح مكانها منذ سنوات في أمس الحاجة لتنفيذ مشروع "ناقل البحرين"، وهو الذي عطلته إسرائيل مرارا، وحل مشكلة الطاقة يتطلب مقاربة أبعد من "عقلية الجباية" التي تتوارثها الحكومات. 

تأمل الرؤية الاقتصادية أن يرتفع الناتج المحلي الإجمالي عام 2033 إلى 58 مليارا، في وقت بلغ 30 مليارا العام الماضي، وهذا تحدٍ ليس مستحيلا، وبالتأكيد لا يمكن تحقيقه ببرامج حكومية ليست خلاّقة، واستنادا للحقائق التي يعرفها الجميع قيل إن الرؤية الاقتصادية عابرة للحكومات، وأعلنت الحكومة أنها ستقدم خطة لتنفيذها في الأيام القادمة. 

بالتزامن مع الرؤية الاقتصادية يُشاع عن نجاح الحكومة في المراجعة الرابعة لبعثة صندوق النقد الدولي، مما يؤهل الأردن لتلقي دعم أكبر من المانحين والمؤسسات الائتمانية، وبنفس الوقت التوصل لاتفاق لتوقيع مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة لسبع سنوات تتضمن زيادة سنوية في المساعدات تصل إلى 200 مليون دولار. 

لا يُنكر أحد أن الأردن يملك طاقات كامنة غير مستغلة يمكن أن تغير واقع الحال، وحتى سنوات مضت كان مضرب المثل بالتعليم والصحة وجودة الخدمات والقوى البشرية المؤهلة، وهذا استثمار لا ينضب، ويمكن استعادته إذا ما توفرت الرؤية الصحيحة والإرادة السياسية الحاسمة التي تُقدم مصالح البلاد على ما عداها. 

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!