النساء
الكثيرون حولنا، بمن فيهم بعض الأشخاص المتعلمين، مازالوا يتعاملون مع المرض النفسي بالكثير من التحفظ والإحراج.- سناء العاجي

مازال أمامنا طريق طويل جدا، لكي نتعامل مع الأمراض النفسية بشكل سليم وصحي ينقذ المرضى النفسيين.. وينقذ محيطهم.

الكثيرون حولنا، بمن فيهم بعض الأشخاص المتعلمين، مازالوا يتعاملون مع المرض النفسي بالكثير من التحفظ والإحراج. منهم من يعتبر المريض النفسي شخصا مجنونا؛ ومنهم من قد يخاطب مريضا مصابا باكتئاب مثلا، أو بحالات الهلع (Panic attack) بعبارات من قبيل: "أنت شخص قوي، عليك أن تتجاوز هذه الأمة"؛ أو "لكن مِمَّ أنت خائف؟"، أو "كنت أتصورك أقوى من هذا"، أو "يجب أن يكون إيمانك بالله قويا لتتجاوز هذه الأزمة". 

المرض النفسي ليس جنونا ولا هو يصيب، حصريا، الأشخاص ذوي الشخصيات الهشة أو غير المتدينين، أو غير ذلك من التصورات المغلوطة. كلنا معرّضون للمرض النفسي، تماما كما العضوي. 

كما أن البدن قد يمرض، فإن النفس والقلب أيضا قد يصابان بعلة؛ دون أن يكون ذلك لعيب فينا أو في شخصياتنا أو في تربيتنا أو في إيماننا. 

للأسف، معظمنا قادر على تفهم هذا الأمر، لكن على المستوى النظري فقط... بالمقابل، حين نصاب نحن أنفسنا باكتئاب حاد أو بأي اضراب نفسي آخر، فالقليلون منا من يجرؤون فعلا على استشارة طبيب متخصص؛ بينما الكثيرون يعتبرون الأمر "مجرد حزن عابر \ إرهاق نفسي عابر" ويتجاهلونه.. إلى أن يستفحل الأمر وقد يؤثر على المحيط القريب والعمل والعلاقات وعلى تفاصيل أخرى كثيرة حولنا. 

كذلك، فحين تظهر بعض الأعراض على أشخاص قريبين منا (زوج أو زوجة، أبناء، إخوة، أحد الوالدين...)، علينا أن نتحلى بشجاعة الانتباه للأمر والاعتراف به ومساعدة الشخص المعني على الاعتراف به ليتلقى العلاج المناسب قبل أن يتطور المرض ويؤدي لاضطرابات أعمق أو لمحاولات انتحار أو قد يشكل خطرا على حياة الآخرين!  كم من جرائم قتل سمعنا بها، قام بها شخص اعتبره المحيط مجنونا، أو أخذه أقاربه إلى راقي شرعي وتجاوزوا الأمر... بينما كان الشخص في الأصل يعاني اضرابا نفسيا ولم تتم مواكبته. 

لذلك، فعلينا جميعا أن نحارب تصوراتنا المغلوطة وخجلنا من الأمراض النفسية. علينا كذلك أن ننتبه لعباراتنا أمام من يعاني مرضا نفسيا أو يعاني أحد أقاربه منه. نظرات الشفقة، عبارات تبخيس المرض، اقتراح العلاج عند الراقي أو الفقيه وغير ذلك. تماما كما أن الراقي لا يعالج مشكلا في الأمعاء أو كسرا في الساق، فإن الطبيب النفسي وحده يستطيع التكفل بحالات المرض النفسي. 

هذا يحيلنا على إشكالية أخرى وهي البنيات الصحية النفسية في بلداننا. هل التغطية الصحية الحكومية والتأمين الصحي الذي يقترحه القطاع الخاص، يتكفلان بعلاج الأمراض النفسية؟ هل هناك ما يكفي من المستشفيات المتخصصة والتي تحترم كرامة المرضى؟ كم هي تكلفة العلاج النفسي؟ 

كل هذه أسئلة مهمة، لكن الإجابة على معظمها، للأسف، سلبية في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. تحسين هذه المعطيات سيساهم في تحسين صورة المرض النفسي وفي تخفيف العبء على المرضى وأهاليهم وتوجيههم نحو العلاج السليم.

هذا ليس كل شيء، لأننا نحتاج بالتأكيد لدورات تكوين لصالح كتاب السيناريو لكي يعوا خطورة الصورة السلبية التي يروجونها عن الطبيب النفسي في العديد من الأعمال الدرامية كشخص يقارب الجنون بأفكار وممارسات غريبة.

باختصار، نحتاج لزعزعة الكثير من مسلماتنا.. وأولها أن نعترف نحن أنفسنا بخوفنا من المرض النفسي... هكذا، قد نستطيع التعامل معه ببعض المنطق والإنسانية!

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!