(AP Illustration/Peter Hamlin)
(AP Illustration/Peter Hamlin)

أظن، لا، أكاد أجزم لأن "بعض الظن إثم"، أنني وخلال كتابة هذه الكلمات، ثمة عشرات بل مئات من الخوارزميات المتصلة سمعيا بصرياً ورقميا بالإيميل الشخصي، الموبايل واللابتوب الخاص بي ومن يتواصل معي، كلها في عملية حياكة مستمرة لتنبؤات حولي، أفكاري. أمراضي النفسية. نوعي المفضل من الأفلام الإباحية، قائمة بالأمراض المحتملة مستقبلاً. أزماتي الجودية. بحثي ليلاً عن طريقة سحرية لصناعة البانكيك بخلط مكون واحد فقط ببضعه دون توافر الزيت والحليب وفانيليا السكر. تحيكها بسرعة الضوء، تنبؤات مصفوفة وحيادية. نهايةً وبقراءة حسابية يصل إلي خلاصة شهواتي ومخاوفي مدمجة بما أريد مستقبلاً دون عناء البحث والتجربة. هكذا "تظن" (الخوارزمية أقصد) للدقة هي لا تظن وإن ظنت لا تقع في الخطيئة. الإثم مرتبط بجسد ولحم وعظام مجتمعة. جسد يُدنّس في "الحياة التجريبية" ليعاقب في الحياة الأبدية أو "يُبجل" إن التزم الطهرانية، الظاهرية أقلها. هكذا تنبأت جميع الأيديولوجيات والأديان، لا إثم بدون وجود "جسد" فيزيائي يقع في الخطيئة. قاعدة رقم واحد في علم الوقوع بالخطيئة. 

الآلات البشرية، الأجساد المطاطية، الرقمية، كلها أجساد لا تقع في الخطيئة (إلى الآن. أعني سنة 2022)

قرأت مرة عن محاولات لمبرمج في مجال الـ Machine Learning عن محاولاته في خلق خوارزميات لديها القدرة على التنبؤ بالمستقبل بناء على حيثيات وأحداث من الماضي وما يجري في الحاضر، تنبؤ مرتكز على حياكة ملايين من الشيفرات والرموز تخمن ما يمكن حدوثه أقلها المستقبل القريب جداً. على سبيل المثال، "هل سيعانق شخص ما شخص آخر لديه علاقة معينة معه أم سيتجاهله إن صدف والتقيا في الساعة العاشرة عند محطة انتظار الباص؟" 

مفهوم متشعب ومقعد لكن نقطة انطلاقته الأساسية هي توقع مستقبل ما غير متوقع في الحاضر/الماضي، مشابه لاستراتيجيات قديمة كانت سائدة في أزمنة مختلفة ولا زالت ولو بشكل طفيف تستخدم في الوقت الراهن على سبيل التسلية أو تأمل المستحيل، أو رغبة العيش في الخيال، مثل علم التنجيم، قراءة الكف، علم الأعداد، التارو، تعتمد على اتقان الممارس أو المتنبئ لنظام نظري معقد قائم على القواعد (وأحيانًا رياضي بحت) وقدرته على تفسير أحداث أو تصرفات وإسقاطه على حالات معينة. قد يوضع فعل تفسير الأحلام أو ممارسة استحضار الأرواح من العوالم المجهولة، في مكان ما بين هذين النقيضين، تنبؤات تعتمد اعتمادًا جزئيًا على القدرة الفطرية، وجزئيًا على الخبرة المكتسبة من المحيط وتشابه الأفعال البشرية في كل حقبة زمنية. 

المثير للاهتمام الغوص فعلياً في ماورائيات هذه التحليلات التنبؤية التي تغزو المزيد والمزيد من مجالات الحياة اليومية، وحياة البشرية جميعاً، للدقة وحرفياً، واحداً واحداً، ما دام لديك هاتف وإيميل، فالخوارزميات تمثل ظلك، يبقى أثره حتى في أحلك الظروف. 

يستدعي هذا المفهوم التساؤل عن بداية هذه الحلقة المستمرة، أعني لم يطلب أحد إذنك لإجراء مثل هذه التوقعات. لا يوجد قانون واضح يقرأ وتشرف على خصوصيتها. لا أحد يخبرك عن احتمالات مصيرك نهايةً. والأسوأ من ذلك، أن البحث في الأدبيات الأكاديمية عن أخلاقيات التنبؤ يظهر أن تداعيات مجال التنبؤ وتخمين الاحتمالات ضبابية كمصدر مفتوح. أعني، ما هي التداعيات الأخلاقية لفعل التبوء المرتبط بكل تفاصيل من تفاصيل ما "نعيشه" ونشهده شخصياً وعامةً الصادر من عمل لا يتوقف من الخوارزميات وملايين الشيفرات؟ مبهم. 

يتناسب ازدياد استخدامنا للذكاء الاصطناعي طرداً مع ازدياد تصنيف الأشخاص والتنبؤ بمستقبلهم ومعاملتهم وفقًا لذلك، مما يعني احتمال ولادة نوع جديد من الوباء تكون فيها العنصرية والطبقية وغيرها من الخطايا البشرية خلل صغير في آلة ضخمة من التصنيفات القاسية، القادرة وبسرعة تفوق سرعة أي "بشري" بقراءة بيانات في محاولة لملئ الفراغات في المجهول القريب/البعيد. 

تتنوع مهمة الخوارزميات ووظائفها، حيث تلهو خوارزميات الألعاب في بيانات الألعاب السابقة للتنبؤ بأفضل خطوة تالية ممكنة/ محتملة. ايضاً، يمكن تطبيق الخوارزميات على السلوك البشري في تحليل البيانات التاريخية لاستنتاج مستقبلنا: ما سنشتري؟ احتمالية وجود خطة تغيير لوظيفة نكرهها. ما إذا كنا على وشك ارتكاب جريمة أو احتمالها. في ظل هذا النموذج، لم يعد التأمين الكلاسيكي المعروف للجميع يتعلق بتجميع المخاطر من مجموعات كبيرة من الناس. بدلاً من ذلك، أصبحت التنبؤات أكثر فردانية وشخصية في الصميم، حد قراءة الأفكار. تتدحرج أمامك لدرجة الألفة لارتباطها الوثيق بما تحب وتكره. مما يثير مجموعة جديدة من المخاوف الأخلاقية مستقبلاً. أو هكذا أظن، أثمة.  

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.