مناورات إسرائيلية أوصلتها الى المناطق الحدودية مع لبنان
مناورات إسرائيلية أوصلتها الى المناطق الحدودية مع لبنان

يعيش اللبنانيون مأساة حقيقية تغطّيها ملهاة تأخذهم، يوماً بعد يوم، في اتجاهات متضاربة.

ومع توالي الأيّام، باتت خلفية هذه المأساة اللبنانية واضحة، إلّا أن كثيرين يُحجمون، بفعل تأثيرات الملهاة، عن الانكباب على تجميع "البازل".

وقد اخترنا في هذه المقالة عشرة مشاهد مستقاة من التطوّرات اللبنانية والإقليمية والدولية التي حصلت في الأيّام القليلة الماضية، حيث يظهر بوضوح أنّ التلطّي وراء نظرية المؤامرة "الإمبريالية" لتبرير حصول الكارثة اللبنانية ليس سوى ملهاة جديدة لإبعاد اللبنانيين عن التصادم مع أولئك الذين زجّوا بهم في الجحيم، ويتم تصويرهم كما لو كانوا هم خشبة الخلاص.

لنبدأ الرحلة على هذه المشاهد، واحداً تلو الآخر:

المشهد الأوّل: فرحة عارمة تجتاح إسرائيل، بعدما وقّعت، في مصر، اتّفاقاً مع "الإتحاد الأوروبي" يقضي بتزويد دوله بغازها الطبيعي. الفرحة تتعدّى المنافع الاقتصادية، إذ إنّ لها تداعيات استراتيجية إيجابية لمصلحة إسرائيل التي طالما عانت من إجراءات ومواقف أوروبية "معادية".

المشهد الثاني: وزارة النفط في لبنان تمدّد مهلة تلزيم التنقيب في عشر نقاط بحرية يمكن أن تحتوي على غاز طبيعي، حتى سبتمبر المقبل، بعدما لم تتقدّم الشركات العالمية بأيّ عرض، ضمن المهلة التي كانت محدّدة مسبقاً، بعدما كانت قد أعطت تحالف الشركات التي لزّمتها التنقيب في الحقلين 4 و9 مهلة ثلاث سنوات جديدة حتى تواصل أعمالها المتوقفة.

المشهد الثالث: يواصل لبنانيون مؤيّدون لـ"حزب الله" رفعهم في وجه الوسيط الأميركي آموس هوكستين، رايات "حزب الله" وشعارات التحدّي والإهانة التي كان قد رفعها أمينه العام حسن نصرالله، على الرغم من أنّه زار لبنان، ملبياً دعوة وجهها له كبار المسؤولين، وهم مهما اختلفت نظرتهم الى التفاصيل يُعتبرون موالين لـ"حزب الله" كحالة رئيس الجمهورية ميشال عون.

وهدف هذه الدعوة المعلن هو أن يعمل الوسيط الأميركي على إحياء مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، مقدّمين له عرضاً يحيّد حقل "كاريش" الغازي الذي سيبدأ استخراج الغاز منه في سبتمبر المقبل، عن أيّ نزاع مع إسرائيل.

المشهد الرابع: التوقعات الاقتصادية في إسرائيل "متفائلة جداً"، بعدما سجّلت النتائج المحققة انخفاض البطالة فيها الى مستوى الصفر تقريباً، وسط نموّ آخذ في الارتفاع، ومعافاة غير مسبوقة في مستوى الاستهلاك.

المشهد الخامس: وصل الحدّ الأدنى للأجور في لبنان، بعد زيادة الرواتب، إلى مستوى تسعين دولاراً شهرياً، فيما تلتهب أسعار الوقود والسلّة الغذائية لتبلغ مستويات خطرة للغاية، إذ إنّ الحدّ الأدنى للأجور لا يكاد يساوي ثمن ثلاث صفائح بنزين.

المشهد السادس: محور "حزب الله" يطالب باللجوء إلى إيران لـ"إنقاذ نفسه" من الكارثة التي يرزح تحت أثقالها.

المشهد السابع: تظاهرات تعمّ إيران، بسبب الغلاء الفاحش، والنقص في المواد الأوّلية والدواء والوقود وسوء الإدارة.

وفيما كانت وسائل الإعلام العالمية تتناقل فيديو يصوّر المياه الموحلة التي تنقلها مصالح المياه عبر بنيتها التحتية إلى منازل الإيرانيين في الأحواز، على اعتبار أنّها مياه صالحة للشرب، يطل يحيى رحيم صفوي، كبير مستشاري مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي، في لقطة مصوّرة، وهو يتحدّث إلى طلّاب كلية "دافوس" التابعة للجيش الإيراني، حيث راح يروي كيف شفت حبّات السكّر، بعدما نفخ عليها الخامنئي، حفيده يرقان، وقال: "بينما أراد الأطباء تغيير دم الطفل، تلا السيّد خامنئي آيات من القرآن ونفخ على حبات السكر، وتسبب هذا السكر في علاج حفيدي".

وقبل صفوي، قدّم أحمد علم الهدى، ممثل خامنئي في خراسان حلولاً لمشكلة توفير المواد الغذائية فقال: "دعونا نستخدم استراتيجية الإمام الصادق لمعالجة مشكلات المعيشة اليوم".

وأوضح:" قال الإمام: اصنعوا الخبز من مزيج القمح والشعير، لأنّ القمح باهظ الثمن".

وختم:" هذه استراتيجية لنا اليوم".

المشهد الثامن: أطلّ الوسيط الأميركي آموس هوكستين على قناة "الحرّة"، قبل ثلاثة أيّام، حيث قال: "لو توصّلنا إلى اتفاق (على الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل) في العام 2015 أو في العام 2016، عندما كانت الصفقات مطروحة على الطاولة، لكان لبنان يحظى بالكهرباء 24 ساعة على 24 ساعة، ويبيع الغاز الطبيعي في الأسواق بأعلى الأسعار، ويشتري بأبخس الأسعار، لكن عوضاً عن ذلك، فإنّ لبنان يشتري الطاقة بأغلى سعر، لذا أتوجّه الى الشعب اللبناني بالقول: لسنا بحاجة إلى أفكار جديدة، بل يتعيّن علينا حلّ النزاعات القديمة".

المشهد التاسع: لبنانيون موالون لـ"حزب الله" يردّون على كلام هوكستين كما على تهديدات إسرائيل بتدمير لبنان في حال وقعت الحرب، بترداد مقولة: إسرائيل لديها ما تخسره. نحن ليس لدينا ما نخسره.

وهذا الكلام تكرار لفحوى كلام سبق أن أطلقه نصرالله قبل سنوات، إذ هدّد الشعب الإسرائيلي بحرمانه من الكهرباء لمدّة ستة أشهر، قبل أن يُتابع ضاحكاً: "نحن في لبنان معتادين على العيش من دون كهرباء".

وطالما اعتمد نصرالله الأسلوب الذي يبني نفسه على معادلة "قوّة حزب الله في انهيار الدولة"، في سياق دفاعه عن "تأبيد" سلاحه، ففي إطلالاته الأخيرة، على سبيل المثال لا الحصر، قال، بعدما ارتفعت حدّة المطالبات اللبنانية بوجوب التخلّص من سلاح الحزب وسطوته: "بادئ ذي بدء، لتبقى هناك دولة ويبقى هناك بلد، وتعالوا وطالبوا بتسليم سلاحنا".

المشهد العاشر: نائب رئيس مجلس النوّاب الياس بو صعب، وفي حديث تلفزيوني أمس، قال: "لم يكن هناك سابقا تنسيق بين المسؤولين من الجانب اللبناني لكن الموضوع اختلف اليوم، والأخطاء تحصل".

إنّ هذه المشاهد العشرة التي تمّ اختيارها من بين مئات المشاهد المتزاحمة، تُظهر أنّ الكارثة التي حلّت بلبنان لم تكن نتاج أخطاء في إدارة الحكم، بل هي نتاج نهج وقف وراءه "حزب الله"، عن سابق تصوّر وتصميم، بحيث حال دون وصول شخصيات وقوى متناغمة إلى مراكز القرار، حتى يستفيد من تناحراتها وخلافاتها وخصوماتها، من جهة أولى ويحول دون تمكين السلطة من معالجة عاجلة لما يعتري لبنان من خلل بنيوي، بحيث تبقى الدولة أضعف من كيانه المسلّح، من جهة ثانية ويُلغي مكتسبات لبنان التي من شأنها أن تمنعه من إبقائه جبهة من جبهات "الحرس الثوري الإيراني" الذي يدفع الشعب الإيراني، حالياً ثمناً باهظاً، بعدما فرض على طهران ضرورة رفعه من قائمة الإرهاب الأميركية كشرط لا بدّ منه لإحياء "الاتفاق النووي"، الأمر الذي بدأ يثير سخط سياسيين ومحلّلين إصلاحيين في إيران نفسها، من جهة ثالثة.

لقد ضيّع لبنان فرصاً كثيرة كان من شأنها أن تحميه من الكارثة التي يعاني من مآسيها المتنامية.

ضيّعها في ملف استخراج الغاز الطبيعي، كما سبق أن ضيّعها في الاستهتار بالتعهّدات التي قطعها في كلّ المؤتمرات التي انعقدت لمساعدة لبنان بدءاً بمؤتمرات باريس 1 و2 و3 وصولاً الى مؤتمر سيدر، وخلاف ذلك الكثير كما هي عليه الحال في ملف الكهرباء، وفي ملف التفاوض مع "صندوق النقد الدولي".

إنّ الأخطاء متى كانت منهجية لا تعود أخطاء بل تصبح جريمة مقصودة، ولها أهداف مرسومة مسبقاً.

ووفق تعليق المدّعي العام في "المحكمة الخاصة بلبنان" نورمان فاريل، بعد إنزال غرفة الاستئناف خمس عقوبات بالسجن المؤبّد على حبيب مرعي وحسين عنيسي في ضوء الحكم عليهما بالمشاركة مع المحكوم عليه سليم عيّاش، في تنفيذ جريمة اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري، فإنّ "حزب الله" الذي ينتمون إليه يمتهن ممارسة التضليل.

وقال فاريل، بالاستناد الى الأحكام الصادرة في ملف الحريري: "لقد فشلت جهودهم في خداع الجمهور وحماية أنفسهم من العدالة".

ولكنّ التضليل الذي أسقطته "المحكمة الدولية" في هذا الملف هو نهج مستمر في سائر الملفات الحيوية والوجودية في لبنان.

وإذا ما تواصل هذا النهج، وليس هناك ما يُنبئ بعكس ذلك، أقلّه في المدى القريب وتحديداً حتى وضوح اتّجاهات الاستحقاق الرئاسي اللبناني المفترض أن يكون قد اكتمل قبل الحادي والثلاثين من أكتوبر المقبل، تاريخ انتهاء ولاية الرئيس الحالي ميشال عون، فإنّ لبنان سوف يبقى وقوداً في أتون المحاولات الإيرانية الهادفة الى الهيمنة على المنطقة.

وعليه، قد تكون الظواهر تشي بأنّ الزيارة الأخيرة للوسيط الأميركي آموس هوكستين إلى بيروت، قد قلبت المسار السلبي، لكنّ كثيرين يتخوّفون من أن تكون هذه الظواهر مجرّد "تقطيع وقت"، حتى تقرّر إيران الوجهة التي تريد أن تسلكها، في المنطقة، في ضوء "الحرب المخابراتية" غير المتكافئة التي تخوضها مع إسرائيل، وفي انتظار وضوح ما يمكن أن تنتج عنه جولة الرئيس الأميركي جو بايدن، وهي الأولى له في الشرق الأوسط، منذ وصوله الى البيت الأبيض، إذ إنّه يحمل معه أهم ملفي في العالم اليوم: النفط والأمن الإقليمي الذي يعني كلّ حلفاء الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، سواء الذين عقدوا تسويات مع إسرائيل أو لا يزالون يتريّثون، أو كانت علاقاتهم جيّدة مع واشنطن أو مضطربة.

وهذا ما تعمل إسرائيل على أساسه، إذ إنّها واصلت، أمس مناوراتها العسكرية، بحيث أوصلتها الى المناطق الحدودية مع لبنان.

وهذا أيضاً ما يحدو بالسلطات اللبنانية الحليفة لـ"حزب الله" إلى عدم الحسم العلني للموقف من الخط 29 الذي يقع ضمنه حقل "كاريش" الغازي، على الرغم من "التنازل" الضمني عنه، وذلك حتى تُبقي المجال رحباً أمام "حزب الله"، في حال كانت المصلحة الإيرانية تفرض عليه تفجير الاستقرار الهش!

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.