السلطات الانفصالية الموالية لروسيا أصدرت حكما بإعدام بريطانيَّين ومغربي
السلطات الانفصالية الموالية لروسيا أصدرت حكما بإعدام بريطانيَّين ومغربي

في بداية فبراير الأخير، عاش المغرب "مأساة ريان"، الطفل الذي لفظ أنفاسه في قعر بئر، وكان العالم حبس أنفاسه أياما بانتظار الخبر المفرح بعودة ريان إلى أهله ناجيا. وبعد حملة تعاطف إنسانية واسعة شملت كل أطراف العالم، عاد الطفل من البئر المظلم الذي تجاوز عمقه ستين مترا، إلا أنه عاد في كفن.  

لم تكد الجموع المكلومة تكفكف دمعها على ريان ذو الخمس أعوام، حتى اندلعت الحرب في أوكرانيا، في آخر أسبوع من الشهر ذاته، لتشد كل انتباه العالم، بل لتمسك بقساوة بأعصابه، مهددة إياه باجتياح ويلات مجاعة غير مسبوقة في التاريخ الحديث. 

وانتظر العالم لحظة إخراس دوي القاذفات، لكن ذلك لم يتحقق، وقد دخلت الحرب اليوم شهرها الرابع. 

*** 

وهم يتابعون بتأثر أخبار "مأساة ريان"، لم يكن يخطر ببال أفراد أسرة سعدون أنهم سيعانون أشد المعاناة هم أيضا، بسقوط ابنهم في مهوى سحيق، حين زلت قدم ولدهم ابراهيم إلى قاع من صنف آخر، هو أشد فتكا من بئر قرية "أغران" بجبال الشمال المغربي. بئر غاص بالدماء عوض المياه. وبعدما كانت أسرة الشاب سعدون تتطلع إلى اليوم الذي تكلل فيها جهودها بتمكين ابنها ابراهيم من الوصول إلى شط الأمان، بحصوله على الشهادة العليا التي تؤمن مصيره، توصلت بالخبر المحزن. 

 ولأن أخبار الشؤم عادة تصل سريعا، فقد أفاقت أسرة سعدون على المأساة التي حلت بها كالصاعقة، لما جاءها من ينبئها بوقوع ابنهم ابراهيم الطالب في كييف، أسيرا في الحرب الروسية - الأوكرانية، وأن حكما بالإعدام ينتظره. 

*** 
ليس ابراهيم سعدون (21 سنة) هو أول مغربي يشارك في حرب بعيدة عن حدود المغرب بآلاف الكليمترات، ففي كل مناطق الصراعات المسلحة وجد مغاربة. ولن نتكلم عن المغاربة الذين زج بهم الضابط الاسباني فرانكو في الحرب الأهلية الاسبانية، في ثلاثينيات القرن العشرين، قلة منهم تسللت إلى جبهة الجمهوريين. ولن نذكر هنا المغاربة الذين قدمتهم فرنسا كحطب في الحرب العالمية الثانية، أوعن المغاربة الذين شاركوا في حروب الهند الصينة، ومنهم من قاتل بجانب الشيوعيين الفيتناميين، ورفعه رفاق هو شي منه إلى رتبة جنرال (محمد بن عمر لحرش). ولا عن المغاربة الذين ذهبوا كجنود في عمليات عسكرية وسط أدغال إفريقيا. بل سنكتفي هنا بالحديث عن مغاربة الطالبان، من انتقلوا بالآلاف طوعا للانضمام إلى مجاهدي أسامة بن لادن لقتال الاتحاد السوفياتي بأفغانستان، ثم بقوا هناك متورطين في صراعات ذلك البلد الواقع بأسيا الوسطى. وعن مغاربة حرب البوسنة والهرسك، وأقرانهم من مغاربة "داعش" بالعراق وسوريا، وقد قتل منهم العديدون، واقتيد آخرون إلى معتقل "غوانتنامو" الشهير.  

دون أن ننسى أولئك المغاربة الذين شاركوا في حروب فلسطين منذ 1948، ومن التحق منهم في الستينيات والسبعينيات، وانضم للقتال إلى جانب الفصائل الثورة الفلسطينية، كمنظمة فتح، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وأيضا المغاربة الذين وصلتنا أصداء بعضهم في سجل التضامن الأممي المغربي، مثل الطبيب لسان الدين بوخبزة، ابن مدينة تطوان، الذي قتل وهو لم يتجاوز 30 سنة، ضمن صفوف ثوار "ألفارابوندو مارتي" بالسالفادور، (1987). 

*** 

لا أعتقد أن مثل صور هذه البطولات تزاحمت في رأس الطالب الصغير ابراهيم وهو في كييف، بقدر ما يرجح أنه تأثر بحرب النجوم من خلال الألعاب الإلكترونية، وهو يتابع دراساته في علوم الفضاء؟! 

لكن، ما هي الدوافع التي أدت بابراهيم سعدون إلى السعي لاكتساب خبرة عسكرية، وفق ما صرح به أحد أصدقائه الأوكرانيين؟!، علما أن بنيته الجسدية لا تلائم ما سعى إليه. 

*** 

كل من شاهد الفيديوهات التي وزعتها الجهات التي تحتجز ابراهيم سعدون، وحضر المقابلة الحصرية التي أنجزتها معه قناة "روسيا اليوم"، يكون قد تاثر بحداثة سن ابراهيم، الذي تكلم مخاطبا والدته بأن لا تجزع أو تخاف عليه، قائلا لها بثقة إنه "تمكن من تحقيق كل ما كان يرغب في تحقيقه في حياته"(!).  

فماذا بإمكان شاب لم يتجاوز بعد 21 سنة من عمره أن يحققه في حياته القصيرة؟!  

وشاهدناه أيضا كيف كان يتحدث مثل ضيف في برنامج منوعات، وهو يرد بعفوية على الأسئلة، وبدا في بعض الأوقات كمن لا يقدر خطورة الموقف الذي يوجد بصدده، ولا الانعكاسات السلبية لبعض تصريحاته، مثل كلامه عن الدين، ما جعل كثيرا من العرب والمسلمين لا يتعاطفون معه. وقد عزا البعض ذلك لكون الشاب تعرض لـ"غسل الدماغ". أو كما ذكرت جمعية الصداقة الروسية ــ المغربية في بيان لها، إن استقطاب هذا الشاب في الحرب، يعد "جرما في حقه (...) بسبب هشاشته النفسية، وضد مصلحته بكل تأكيد".  

إلا أن تعابير البراءة على وجه ابراهيم سعدون، ساهمت في استقطاب تعاطف الملايين معه، خاصة بعد النطق بحكم الإعدام في حقه مع البريطانيين اللذان مثلا معه أمام قضاة المحكمة العليا بجمهورية دونستيك الشعبية. 

ففي الوقت الذي كان الخوف باديا على ملامح البريطانيين، وشاهدناهما يطأطآن رأسيها ساهمين من وطأة التحسر والتفكير بما حلَّ بهما، رأينا الشاب ابراهيم وقد ساوره أيضا التوتر، إذ كان لا يتوقف عن توزيع نظراته على القضاة وعلى الملثمين المدججين بالرشاشات أمامه.  

بعد النطق بالحكم القاضي بالإعدام رميا بالرصاص في حق الثلاثة، أحنى الرجلان البريطانيان رأسيهما، ومثلهما فعل ابراهيم، الذي طوى جسده، حيث أنزل رأسه إلى ركبتيه وهو جالس بقفص الاتهام، إلا أنه ما لبث أن تماسك واستوى من جديد، وكأنه بهذه الحركة اللاإرادية تخلص بسرعة من صدمة الانكسار النفسي الذي ترددت أصداؤه بداخله. 

ولما سئل من قبل الصحفيين، استقبلهم سعدون بنظرات مكتظة بالعبث، قائلا: هذا "يوم سعيد"، وجوابا على سؤال ينزف شماتة، حول الوجبة التي يتمنى تناولها قبل تنفيذ الحكم ضده، أجاب ابراهيم ممعنا في السخرية إنه يحب التهام "بيتزا"، ثم رسم على وجهه نصف ابتسامة.  

وكأن ابراهيم سعدون هنا تعمد أن يسخر من الروس، ويذكرهم بصورة آخر رئيس سوفياتي (أوكراني الأصل)، هو غورباتشوف، عندما ظهر قبل ربع قرن في إعلان ترويجي لسلسة مطاعم "بيتزا هت" الأمريكية، ما اعتبره الروس حينها إهانة بالغة لكبريائهم. 

كما بدا كأنه لا مجال للندم بداخل هذا المغربي الصغير، ابن مدينة الدار البيضاء، وهو يتلقى أقسى حكم قضائي يمكن أن يواجهه إنسان.  

أو أننا أمام شخصية شبيهة بأحد أبطال فيلم "طيران فوق عش الوقواق" للمخرج ميلوش فورمان. 

لا ريب أن الشاب المغربي الذي وصف بالمتفوق في دراسته وبالنبوغ، لا يخلو من مسحة جنون. وقد كان ابراهيم على طريق أن يصبح واحدا من علماء الفضاء، فإذا بقدره يسوقه ليصبح من ضحايا الحروب، ومقاتلا لا يحظى بمجد وشرف الجنود الأبطال. 

ولم يصلنا مضمون مرافعة الدفاع الذي عينته المحكمة لفائدتهم. ولم يقدم أي من الثلاثة نفسه كأوكراني، كما صرحت وزيرة الشؤون الخارجية في "جمهورية دونستيك الشعبية". 

لكن ألم يكن بإمكان ابراهيم ورفيقيه الامتناع عن الاعتراف بتلك المحكمة التي وصفت "بمحاكمة صورية تعود إلى الحقبة السوفيتية". 

لكن قادة الكرملين، يصرون على استخدام مصطلح "العملية العسكرية" في حربهم الجارية حاليا بأوكرانيا، والقول بشرعية وقانونية ما يجري في دونيتسك ولوغانسك من محاكمات بإشراف النيابة العامة في الجمهوريتين غير المعترف بهما. وأنه من ناحية القانون الدولي أن كل من يشارك وينخرط في هذه الحرب يعتبر في عداد المرتزقة.  

لذلك يرى محللون وخبراء روسيون أن محاكمة ابراهيم سعدون والبريطانيين هي من "وجهة نظر القانون الدولي محاكمة مشروعة". ويضيفون ضرورة وجوب الانتباه إلى أن هناك ربما ثلاثة أو أربعة دول، اعترفت بجمهوريتي لوغانسك، وبالتالي فإن هذا يجيز قانونية المحاكمة. 

كما يضيفون أن المحاكمة وما سيليها من محاكمات لمقاتلين آخرين، هم الآن بين يدي القوات الموالية لروسيا، "هي في الواقع عملية رد قانوني وسياسي على المحاكمات التي تقوم بها كييف لعدد كبير من الجنود الروس الذين اعتقلوا وتتم اليوم محاسبتهم وفق القانون الأوكراني". 

كما أن هناك إشكالية قانونية أخرى، لكون أوكرانيا لأسباب غير خفية، لا ترغب في أن تعلن الحرب على روسيا. ففي حال أعلنت أوكرانيا الحرب على روسيا، فمن الناحية القانونية أيضا ستقوم أوكرانيا بمحاكمة الجنود الروس على أساس أنهم مرتزقة وليسوا مقاتلين. إن إعلان الحرب سواء من روسيا على أوكرانيا، أو من أوكرانيا على روسيا، سيعني انخراط كل الدول التي وقعت على معاهدة الدفاع المشترك، أي بين منظمة التعاون العسكري، التي تضم عددا كبيرا من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق. ما يفيد أن الطرفين لهما مصلحة في عدم اعتبار هذه الحرب "حربا"، بل إنما هي "عملية عسكرية"، لتجنب التداعيات التي قد تنتج عن ما يعاكس ذلك.  وإلا أنه في هذه الحالة ممكن لموسكو أن توقف ضخ النفط إلى أوكرانيا. فإلى حدود اليوم لا تزال الدبابات والآليات العسكرية الأوكرانية تتزود بالنفط والوقود الروسي، وهذا ما لا يشير إليه أحد. إذا، حسب الروس دائما، إن عمليات المحاكمة من وجهة نظر القانون الدولي هي مشروعة، على أساس اعتبار ما يحدث من قتال هو "عملية عسكرية" بحد ذاتها. ويجوز محاكمة المقاتلين بصفتهم مرتزقة. لكن إعلان الحرب يفرض من ناحية القانون الدولي اعتبارهم "أسرى حرب".  

وحسب الإعلام الروسي هناك أيضا عمليات محاكمات لاحقة ستجري لعدد من الذين تم الإمساك بهم في الحرب، ويبلغ عددهم حوالي 2000 مقاتل. بينهم حوالي 100 إلى 250 مقاتلا من جنسيات أوروبية وأمريكية. 

*** 

لكن، بالعودة إلى المغرب، حيث تجتمع نداءات المغاربة على إدانة الحكم بالإعدام في حق ابراهيم سعدون، وتطالب السلطات المغربية بضرورة التدخل العاجل لإنقاذه، وإطلاق سراحه لاعتبارات إنسانية". 

رغم أن الجنسية المغربية لا تسقط عند اكتساب جنسية أخرى، لكن يبدو أن حكومة رجل الأعمال عزيز أخنوش قد تخلت عن مواطن مغربي، كما صرح رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان عزيز غالي، "عكس الحكومة البريطانية التي دخلت على خط القضية وبدأت تضغط على روسيا، على اعتبار اثنين من رعاياها حوكما في نفس الملف".   

واليوم على بعد أقل من شهر على الحكم المستأنف، والذي سيسبب أزمة إنسانية دولية في حال تنفيذه، لا يتذكر المغاربة أن بلادهم سعت للتضامن مع مواطنيها في الخارج، فالجالية المغربية المقيمة بالخارج، كما تصرح مغربية ببلجيكا "يقتصر دورها فقط على ضخ الملايير من العملة الصعبة لميزانية الدولة". 

أو كما يستدرك مغربي آخر من الرباط، (في العقد السادس)، أن المرة الوحيدة التي بقيت بذاكرته قامت فيها الدولة المغربية، أو على الأصح إعلامها الرسمي، بمساندة مواطنين وقعوا في مشكلة بالخارج، تعود لعام 2005، عندما جرى اختطاف عاملين بسفارة المغرب في بغداد، عبد الكريم المحافظي وعبد الرحيم بوعلام، الأول موظف، والثاني سائق.  

وإذا عرف عن الطاهر سعدون، والد الشاب ابراهيم، انشغاله بموضوع السلامة الطرقية، فالجميع يأمل ويتمنى أن يعود ابنه سالما من هذه الطريق غير الآمنة التي سلكها وألقت به في مهاوي الخطر. 

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!