عامل يزيل شعار "ماكدونالدز" من واجهة فرع سابق في موسكو
عامل يزيل شعار "ماكدونالدز" من واجهة فرع سابق في موسكو

فيما الصواريخ الروسية لا تزال تدك المدن الأوكرانية وتعرِّض المدنيين لمختلف أشكال المعاناة الإنسانية، احتفت فئات من الروس قبل أيام في ساحة بوشكين وسط العاصمة موسكو بافتتاح الدفعة الأولى من سلسلة مطاعم الوجبات السريعة التي كانت تحمل حتى تاريخ 14 مارس الفائت العلامة التجارية الأميركية الشهيرة "ماكدونالدز". 

"ماكدونالدز" التي تحول اسمها إلى" لذيذ ونقطة" وباتت ملكاً لرجل أعمال روسي، يتفاخر أن الاستحواذ عليها يحقق نوعاً من "الاكتفاء الذاتي" للاقتصاد الروسي، وذلك بعد 32 عاماً من افتتاح وانتشار سلسلة مطاعمها في المدن الروسية عقب سقوط الاتحاد السوفيتي، وانسحابها مؤخراً بسبب الحرب على أوكرانيا وظهور صعوبات "فنية ولوجستية" بحسب الشركة الأم. 

المشاركون الذين تجمهروا بالآلاف لأجل حفل الافتتاح تحت شعار "الاسم يتغير والحب يبقى". أكدوا من خلال هذا الشعار، مدى شغفهم بمثل هذه الوجبات التي رحبوا وأقبلوا عليها بشهية لأكثر من ثلاثة عقود. وإن صارت اليوم بملكية روسية وتحمل علامة تجارية مختلفة في شكلها ومتشابهة في لونيها، إلا أن كل هذا لا ينفي عنها حقوق ابتكارها الأميركية. 

وهي حقوق لا تتعلق بطبيعة ونوعية المكون الغذائي الصارم في معاييره فقط، بل أيضاً فيما يتعلق بأدق التفاصيل مثل سماكة الورق الذي تلف به شطيرة "البرغر"، ونوعية خمائر الخبز، ومقاييس أصابع البطاطس وتصميم علبها الكرتونية، وارتفاع مقاعد الجلوس ولون أغطية المناضد، وغيرها من التفاصيل المدروسة بعناية من الشركة الأم كمعايير ومواصفات ثابتة، والتي يجري تطويرها وتحديثها كل حين عبر العالم.  

بمعنى أن عملية النسخ واللصق (Copy-Paste) التي تمت، وإن اتفق عليها حقوقياً بين الجانبين، إلا أنها لاتعني أنها باتت تحمل سمات الهوية الروسية أو تشكل أحد رموزها، بل ستبقى في الذاكرة منتجاً أميركياً، سيمضي وقت طويل قبل أن تنسى العامة اسمها الأصلي وتعتاد على اسمها الروسي الجديد، مهما تغيرت الظروف والأزمنة أو تقلبت السياسات بين الجانبين. 

ليست وجبة "برغر ماكدونالدز" سوى قطعة من لحم "الكفتا" المعروف في مطابخ كل دول العالم منذ أزمان، والتي يمكن للأمهات أن يصنعنها بسهولة ومذاق مشابه. لكن "الشطارة" تكمن في العقلية التجارية الأميركية التي عرفت قبل أكثر من ثمانين عاماً كيف تستثمر وتطور هذا المنتَج الغذائي المنزلي البسيط والمرغوب به شعبياً، وتمنحه خصائص وخلطات و"لمسة" ذائقة خاصة قبل أن تنشره وتجني منه أرباحاً خيالية عبر العالم. 

وهو، كمنتج سريع وشهي ولذيذ(بدون نقطة) لكنه يتسبب بالبدانة على المدى الطويل، أثبت زمنياً أن لا أحد يمكنه أن ينفي إعجاب الفئات الصغيرة والشابة به، أو الحد من إقبال الأجيال المتعاقبة عليه عبر العالم، أو تفضيل"كفتا الماما" عنه. شأنه شأن الاعجاب بعدد من أخواته الشهيرات مثل كوكا كولا وبيبسي وسفن آب وكنتاكي "KFC" وبيتزا-هت وغيرها، التي يُكن لها العداء الشديد من قبل بعض الدول غير الصديقة أو المعادية للسياسات الأميركية، وتعدها دلالات مباشرة تعبر عن "الرأسمالية" و"العولمة" و"الإمبريالية المتوحشة". 

وإن سمح بحضورها جراء انفتاح في العلاقات وبضع "سنوات عسل" مع الولايات المتحدة، سرعان ما يصب جام الغضب عليها، تحديداً مع انقلاب الأحوال والسياسات، عبر منعها أو مقاطعتها أو السماح للغوغاء بمهاجمة نقاط انتشارها وتحطيمها وحرقها ومعاملتها كرمز أميركي لايختلف عن المراكز السياسية والثقافية والدبلوماسية الأميركية المغضوب عليها. 

وفي مفارقة ملفتة، قد تسمح بعض الدول باستمرار وجود مثل هذه المنتجات بتراخيص محلية، مع الإبقاء على العلامة التجارية ذاتها، ومع الاحتفاظ بالعداء السياسي المعلن ذاته، كما لو أنها تترك الباب السياسي "موارباً" عبرها.

إذ لفتني في فيلم إيراني حديث تابعته مؤخراً حرص المخرج على إظهار مثل هذه المفارقة الحادة عبر بطله الذي يتسوق بضع زجاجات "كوكا كولا" تصطف علانية فوق أرفف المخزن الكبير، قبل أن يتوجه إلى عمله حيث يعمل "جلاداً" ينفذ كل فجرٍ أحكام الإعدام بعدد من المعتقلين. 

في الحالة الروسية، يمكن القول، إنه لولا غزوها لأوكرانيا، لما تنبهنا واكتشفنا حجم انتشار العلامات التجارية الأميركية والغربية في روسيا، والتي تشمل المنتجات الغذائية وماركات الألبسة الفاخرة والساعات والسيارات الفارهة والإلكترونيات، إضافة إلى استثمارات أخرى عديدة في مجال السينما والفنون والتكنولوجيا والطاقة وغيرها، قبل أن تنسحب معظم هذه الشركات والماركات أو تعلق أعمالها جراء العقوبات الغربية الأخيرة على روسيا.  

الأمر الذي يؤكد من ناحية أن الروس شعب مستهلك ومنفتح ومقبل منذ ثلاثة عقود على نمط الحياة الغربية بكافة رموزها وتجلياتها، وهو ما تؤكده الأرقام التي صنفت روسيا خامس أكبر سوق للبيع بالتجزئة. وأن واحدة من الذرائع التي سيقت لتبرير غزو أوكرانيا هو اتهام الأخيرة "باللبرلة" وميولها وتبنيها للقيم الغربية وغيرها. فلماذا إذاً كل هذا الخصام مع الغرب وسياساته وقيمه، في الوقت الذي رُحِّبَ بكل أدواته ومنتجاته ورموزه وتم الإقبال عليها بمثل هذه الشهية؟  

في واقع الأمر، "ماكدونالدز" هنا ليست إلا أنموذجاً في السياق، التخلي عن منتجها ليس بالأمر المعكر لصفو الحياة، لكنها وبصفتها علامة لمنتج غذائي مرغوب به وعابر للهويات والحدود تتبادله الأمم مع غيره من المنتجات العالمية، يبدو من المهم إعادة المطالبة بتحييد وعدم تسييس أي منتج غذائي وتجنيبه تقلبات الأحوال وآثار الوعكات السياسية التي تنعكس بأضرار اقتصادية يسدد أثمانها الباهظة المستخدمون المحليون في نهاية الأمر.  

من النقاط الإيجابية للدول أو الأفراد أن يسعيا لأجل تحقيق"الاكتفاء الذاتي" دون أدنى شك. لكنه لا يعني، بأي حال من الأحوال، صناعة بدائل "مقلَّدة" عن اجتهادات لآخرين. بل بابتكار الجديد كلياً والمدهش، المعتمد على الموارد والكفاءات الذاتية بالمطلق، ومن ثم "الشطارة" بتسويقه والمنافسة به في الأسواق العالمية، وهنا تكمن حكاية الفارق. 

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.