رئيس وزراء إسرائيل نفتالي بينيت يتحدث عن تغيير عقيدة التعامل مع إيران
اتفاق "جنتلمان" بين روسيا وإسرائيل

تخيم التكهنات بشأن "صيف ساخن" ينتظر الشرق الأوسط، على كتابات وتحليلات كثرة من المراقبين والمحللين السياسيين في عواصم الإقليم، ولديهم فيما ذهبوا إليه من تقديرات متشائمة، ما يكفي من الدلائل والمؤشرات، التي إن تراكمت وتتالت في المسارات التصعيدية ذاتها، فلن يكون مستبعداً أبداً أن تصدق نبوءاتهم...بيد أن الباب يبقى مع ذلك مفتوحاً، وإن بشكل "موارب"، للأنباء السارة. 

مبتدأ الجملة الخبرية الشرق أوسطية، ما تشهده مفاوضات فيينا حول برنامج إيران النووي، من انسدادات، فالمفاوضات متوقفة منذ أواسط آذار/مارس الفائت، ولغة الاتهامات والتهديدات، باتت تطغى على التصريحات المتفائلة التي انتعشت مطلع العام الجاري، وإسرائيل تقف متوعدة بالتصرف منفردة ضد إيران، باتفاق أو من دونه، فيما حربها على المنشآت والعلماء والقادة الأمنيين الإيرانيين، لا تكاد تتوقف. 

حتى الآن، لم تصدر الأطراف المتفاوضة "شهادة وفاة" لاتفاق 2015، رغم أنها لا تتردد في الإشارة إلى حالة "الموت السريري" للاتفاق، وتتحدث عن إيداعه "غرفة العناية الفائقة" ... لا رغبة للأطراف ولا مصلحة لها في انهيار المفاوضات وانسداد طرق الدبلوماسية، فهي تعرف تمام المعرفة أن البديل عن ذلك، هو الذهاب إلى الخيارات الخشنة، من "أقصى العقوبات" إلى الخيارات العسكرية، وسط قناعة راسخة لدى الأطراف، بأن المواجهة إن اندلعت مع إيران، لن تقف عند حدودها، بل ستتخطاها إلى ساحات وميادين أبعد، تحظى فيها إيران بنفوذ بارز، بدءاً من اليمن وليس انتهاء بلبنان، مروراً بسوريا والعراق وغيرهما. 

وحدها إسرائيل تبني خياراتها بمعزل عن "باروميتر فيينا"، وهي قررت نقل استراتيجيتها، "من ضرب أذرع الاخطبوط إلى استهداف رأسه"، ولم تعد تبالي بالكشف عن عملياتها في العمق الإيراني، بل والتصريح والتلميح إلى مسؤوليتها عن هذه العمليات، وهي تمضي في استكمال استعداداتها لتوجيه ما تعتبره "ضربة قاصمة" للعمود الفقري لبرنامج إيران النووي والصاروخي. 

ولا تتوانى حكومة نفتالي بينت، عن تصعيد ضرباتها ضد "الأذرع" و"الأطراف"... حربها في سوريا وعليها، تتخطى قواعد الاشتباك وتجتاز الخطوط الحمراء التي ارتسمت طوال الأعوام الماضية، مسجلة ارتفاعاً في عدد ونوعية الضربات الجوية والصاروخية في العمق السوري، تضرب ميناء اللاذقية مرتين، وعلى مبعدة كيلومترات قلائل من قاعدة حميم، وتُخرج مطار دمشق عن العمل لأول مرة من تدشينه قبل عقود .... الاستباحة الإسرائيلية للسماوات السورية، لم تعد تقف عند حد، وهي تترك النظام في دمشق في حالة حرج مع شعبه، خصومه وأصدقائه، وتترك شرخاً يزداد اتساعاً في جدران الثقة بين العاصمة السورية وحليفها الروسي من جهة، وبين أهم حليفين لها إقليمياً ودولياً: روسيا وإيران من جهة أخرى. 

لا يقف الأمر بإسرائيل عند هذا الحد، فعملية تكسير المعادات وقواعد الاشتباك، يجري اختبارها في غزة، وحكومة بينت تقرر المضي بـ"مسيرة الأعلام" متوعدة بحرق غزة، إن أطلقت حماس صواريخها، وتحشد حملة ضغوط قصوى على الحركة، انتهت إلى بلع قادة الحركة لتهديدهم ووعيدهم، فيما المسيرة الاستفزازية، كانت تشق طريقها في قلب الأحياء العربية والإسلامية للقدس الشرقية المحتلة عام 1967. 

وفي لبنان، حيث الساحة التي تراعي فيها إسرائيل أعلى درجات ضبط النفس، تقدم حكومة بينت على إرسال سفينة التنقيب عن الغاز إلى الخط 29 على الحدود البحرية مع لبنان، مجازفة باستفزاز حزب الله، الذي خرج أمينه العام متوعداً بالذهاب إلى حرب، لا يريدها، ولكنه مستعد لها إن فرضت عليه، كما قال قي آخر خطاب له ... ولولا استئناف واشنطن مساعيها للتهدئة على جبهة الحدود البحرية، لربما كانت الحرب قد اشتعلت، ولكان الإقليم برمته، قد دخل في مرحلة جديدة نوعاً، ولربما راقب العالم من مقاعد المتفرجين، كيف ستفي إسرائيل بوعدها إعادة لبنان للحصر الحجري، وكيف سيفي حزب الله بوعده، بتدمير الجبهة الداخلية على رؤوس ساكنتها، الذين هم غالبية الإسرائيليين. 

إسرائيل تسابق الزمن، فهي تريد توظيف انسداد المفاوضات مع إيران، لمنع الوصول إلى اتفاق ترى فيه تهديداً وجودياً لأمنها على المدى المتوسط والبعيد، وهي تسعى لاستنفاذ فرصة أوكرانيا حتى آخر قطرة، فموسكو الغارقة في أتون الحرب والعقوبات غير المسبوقة، ليست بوارد الاشتباك مع إسرائيل في سوريا، ولا بصدد هي بصدد فتح جبهة جديدة على جبهة الحدود مع تركيا شمالاً، سيما وأن الأخيرة كإسرائيل، تريد استنفاذ فرصة الغرق الروسي في رمال أوكرانيا المتحركة، لتحقيق حلمها القديم – الجديد بتدمير أي كيانية كردية في شمال سوريا، وبناء حزام أمني على امتداد حدودها مع سوريا. 

لقد نجحت زيارة بينت لموسكو، والقناة الدبلوماسية النشطة بين القيادتين الروسية والإسرائيلية، في تجديد اتفاق الجنتلمان الناظم للعلاقات بين الجانبين في سوريا، فلا موسكو بوارد التصدي للطيران الحربي الروسي، ولا إسرائيل بوارد تعريض الوجود العسكري الروسي للخطر، وبخلاف ذلك، لن تفعل موسكو أكثر من إصدار البيانات "غير المُتَفَهِمَة" للعمليات الحربية الإسرائيلية، والمنددة بها حين تكسر خطاً أحمراً، أو تلحق ضرراً فادحاً بالحليف السوري، أما "الصديق الإيراني" فلا بواكي له في الكرملين. 

يبقى السؤال حول قدرة النظام وحلفائه في طهران، وما يتبعهما من ميليشيات على ابتلاع الصدمات والصفعات المتمادية من دون رد أو تحريك ساكن ... وما الذي سيتبقى من صدقية أطراف هذه المحور، إن هو اكتفى بإطلاق التهديد والوعيد من دون أن يُتبع أقواله بالأفعال، ومن دون أن يأتي بردود أفعال تنسجم مع الأفعال الإسرائيلية من حيث حدتها وعمقها والنتائج المؤلمة المترتبة عليها، في الداخلين الإيراني والسوري على حد سواء. 

لكن يبدو أن إسرائيل أكثر اطمئناناً للحدود المتواضعة لردود أفعال هذه الأطراف، وواثقة من قدرتها على احتمالها واستيعاب تداعياتها، طالما أن كلفها في أسوأ الأحوال، لا تتخطى حدود توجيه إنذارات لمواطنيها بعدم السفر إلى وجهات معينة، أو توخي الحذر عن زيارة دول بعينها، أو العودة إلى المنزل في أسرع وقت، إن كان وراء الأكمة ما وراءها. 

إن ظل منسوب المواجهة بهذه الحدود وعند هذا المستوى، يصعب التنبؤ بصيف ساخن، أو قبول هذه النبوءة المتشائمة من دون تحفظ، لكن مخاوف الخبراء والمحللين تذهب أبعد من ذلك، وتحديداً على مسارين اثنين: الأول؛ لبنان، فأي مواجهة محدودة أو سوء تقدير، أو انسداد في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، يمكن أن يفضي إلى حرب شاملة بين الحزب وإسرائيل، ويمكن أن تفضي هذه الحرب إلى تسخين جبهات وخطوط تماس أخرى، من غزة إلى الجولان، مثل هذا السيناريو، تأخذه إسرائيل على محمل الجد، وحزب الله، هو الطرف الذي تحسب له إسرائيل الحساب أكثر من غيره. 

والثاني؛ إيران، كأن تتوجه الطائرات الإسرائيلية لتنفيذ هجمات مباشرة في العمق الإيراني، ملحقة ضرراً فادحاً بالمنشآت النووية الإيرانية، عندها ستصبح شعارات ووعود النظام الإسلامي، وصدقيته بأكملها على محك خطير، وعندها يصبح الرد الإيراني المباشر على إسرائيل ضرورة لبقاء النظام، وقدرته على الاستمرار...ولا شك أن سيناريو كهذا يمكن ان يفتح باب الجحيم، ليست على الطرفين المتحاربين فحسب، بل وعلى دول أخرى عديدة. 

من دون الانزلاق إلى أي من هاتين الحفرتين، ستشهد المنطقة، صيفاً آخر، حرارته مرتفعة بلا شكل، بيد أنه لن يكون لاهباً ولا حارقاً، وليس ثمة ما يشي حتى الآن على الأقل، بأن طريق الدبلوماسية قد سُدّ تماماً، سواء أمام الاتفاق النووي بين إيران والمجتمع الدولي، أو مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل...لكن مرور الوقت، لا يعمل لصالح الدبلوماسية، ويسهم في رفع منسوب الصخب والضجيج الناجمين عن قرع طبول المواجهة...إنه سباق "ربع المتر الأخير" بين الحرب والدبلوماسية. 

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.