شبح الجوع بسبب الحرب على أوكرانيا
شبح الجوع يهدد الدول الأفريقية بسبب الحرب على أوكرانيا

في وقت سابق من هذا الشهر، أصدرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) وبرنامج الغذاء العالمي تقريرا جديدا قاتما يفحص الحالة الخطرة المتزايدة للأمن الغذائي العالمي. كانت استنتاجاته بسيطة وواضحة: أفريقيا تواجه أزمة غذاء كاملة مع تضاؤل المخزونات الإقليمية وتزايد الاضطرابات العالمية.

من بين أكثر من 20 "بؤرة جوع ساخنة" حددتها الدراسة، تقع الغالبية العظمى منها في أفريقيا. وهي تشمل جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث من المتوقع أن يعاني حوالي 26 مليون شخص من أزمة غذائية بحلول الصيف، وكذلك نيجيريا، بمعدل 12 في المئة من السكان، أي حوالي 19.5 مليون شخص. الدول الإقليمية الأخرى، مثل إثيوبيا وجنوب السودان والصومال، لديها الملايين بالمثل يواجهون حالة طوارئ غذائية.

الأسباب متعددة، وتشمل استمرار ظروف الجفاف الإقليمية، والصراعات الأهلية، وضعف الإدارة. لكن لا يمكن إنكار أن الحرب الروسية في أوكرانيا جعلت الأمور أسوأ بكثير.

في أواخر فبراير، عندما أطلق فلاديمير بوتين "عمليته العسكرية الخاصة" ضد الجارة الغربية لروسيا، كان السعر العالمي للقمح بالفعل عند نفس المستوى الذي كان عليه عندما اندلع "الربيع العربي" منذ أكثر من عقد من الزمان، وهو حوالي 840 دولارا للبوشل. اليوم، السعر أعلى بكثير: أكثر من 1050 دولارا للبوشل. تشير دراسة الأمم المتحدة إلى أن "الآثار المتتالية للحرب الأوكرانية يتردد صداها على مستوى العالم.زيادة مطردة في أسعار الغذاء والطاقة، وتدهور أوضاع الاقتصاد الكلي".

نتائج يحتمل أن تكون كارثية. وفقا لتقديرات برنامج الغذاء العالمي، فإن "كل زيادة بنقطة مئوية في أسعار الغذاء العالمية ستدفع 10 ملايين آخرين إلى براثن الفقر المدقع حول العالم"، مع توقع أكبر الزيادات في أفريقيا. بعبارة أخرى، تتجه بلدان القارة السمراء نحو كارثة إنسانية على نطاق واسع.

الدول الغربية تسعى جاهدة للرد. في الشهر الماضي، اقترحت الحكومة الليتوانية "تحالف الراغبين" البحري المصمم لرفع الحصار الروسي عن صادرات الحبوب الأوكرانية. وقال وزير الخارجية الليتواني، جابريليوس لاندسبيرجيس، لصحيفة الغارديان البريطانية" الوقت قصير جدا. نحن نقترب من موسم محصول جديد ولا توجد طريقة عملية أخرى لتصدير الحبوب إلا عبر ميناء أوديسا على البحر الأسود. لا توجد طريقة لتخزين هذه الحبوب ولا توجد طرق بديلة مناسبة أخرى. من الضروري أن نظهر للدول الضعيفة أننا على استعداد لاتخاذ الخطوات اللازمة لإطعام العالم".

تتضمن الخطة الليتوانية عملية "مرافقة" غير تابعة للناتو، حيث تساعد السفن من الدول الداعمة السفن التجارية الأوكرانية في إدارة الحصار الفعلي الذي فرضته روسيا حول موانئ مثل أوديسا. لقد دعمت الحكومة البريطانية الفكرة الآن من حيث المبدأ.

ولكن حتى لو تم خرق هذا الحصار، فلن يكون حلا طويل المدى. هذا لأنه، بسبب الصراع، تم تقليص الخطط الزراعية في أوكرانيا بشكل كبير. بالفعل في مارس، حذر وزير الزراعة الأوكراني رومان ليشينكو علنا من أنه، على خلفية الحرب التي بدأت تتكشف، خفضت حكومته إنتاجها الزراعي المتوقع للعام الحالي بمقدار النصف. منذ ذلك الحين، ازداد الوضع سوءا. من الناحية العملية، هذا يعني أنه في وقت لاحق من هذا العام، وأوائل عام 2023، هو الوقت الذي من المرجح أن تشعر فيه الدول الضعيفة بأزمة الغذاء الحقيقية، لأن الصادرات الأوكرانية التي يعتمد عليها جزء كبير من الشرق الأوسط وأفريقيا لا تفعل ذلك ببساطة. تتحقق.

بدون حلول جيدة، خصصت الحكومات الأجنبية الأموال لحل المشكلة. في أواخر مايو، قدمت الولايات المتحدة 215 مليون دولار إضافية كمساعدات غذائية طارئة لعدد من الدول الإقليمية، بما في ذلك الجزائر وموريتانيا، ما رفع إجمالي المساعدات الغذائية الأميركية الطارئة لأفريقيا منذ بداية حرب أوكرانيا إلى ما يقرب من 2.6 مليار دولار. ومع ذلك، فإن الشيء المفقود حتى الآن هو آلية تنسيق إقليمية قادرة على العمل كاحتياطي استراتيجي لضمان الإمدادات الغذائية للقارة، وزيادة الموارد الحيوية حيثما ومتى لزم الأمر. بعبارة أخرى، تحتاج أفريقيا بشدة إلى بنك طعام إقليمي.

مع الهيكل المناسب، والقيادة الإقليمية، والتأمين من المانحين الأجانب (بما في ذلك الولايات المتحدة والدول الأوروبية)، يمكن لمثل هذه المبادرة أن تقطع شوطا طويلا نحو تعزيز البلدان الأكثر ضعفا في القارة ضد الصدمات الاقتصادية والمجتمعية القادمة التي تسببها ندرة الغذاء. البديل الحقيقي للغاية، على حد تعبير الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، هو "إعصار الجوع"، وعدم استقرار أكبر بكثير في واحدة من أكثر مناطق العالم تقلبا.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.