الإسلام والمسلمون.. إلى أين؟
الإسلام والمسلمون.. إلى أين؟

 تَتَديَّن الأغلبيةُ الساحقةُ من المسلمين اليوم بِتراث سلفي عريق تَشَكَّل قبل أكثر من ألف عام. ويشمل هذا التديّن السلفي الرائج كلَّ أتباع المذاهب والطوائف والتيارات والأحزاب الإسلامية؛ بما فيها تلك التي يُصَنِّفها التيارُ الحديثي/ الأثري (تيار أهل الحديث أو التيارات المتناسلة عنه، المحتكرة ـ اصطلاحا ـ لصفة: التَّسلّف) في خانة: الابتداع والزيغ والضلال.  

هذا يعني أن التَّديّن بـ"إسلامٍ مُسْتنير"، بـ"إسلامٍ مُتَعلقن"، لا يزال ضئيلا وخافِتا وخائِفا، بل لا يَكاد يُرى في المشهد الديني الجماهيري؛ فضلا عن كونه مَحل شَكٍّ وارتياب، بل وهجوم عنيف وصريح من قِبَل تلك الأغلبية الساحقة التي تزعم لنفسها امتلاك الحق المطلق احتكارا، وتُطْلِق ـ صراحة أو ضمنا ـ صفةَ: "تزييف الإسلام"، على كل محاولات "تنوير الإسلام". 

المسلمون لا يَتمثَّلون تُرَاثا أثريا نقليا يتمدّد على مدى أربعة عشر قرنا فحسب، بل ـ وهو الأخطر ـ تجدهم يُفكرّون بواسطة هذا التراث، يَقرأون التراث بعيون التراث. وبحق، ليست المشكلة الأساسية تكمن في أنهم يَرجعون إلى "سلفٍ" ما، فكل الأديان والمذاهب، وبقوة منطق التَّدين/ التمذهب ذاته، لا بد وأن ترجع إلى سَلفٍ تَتَشَرْعَن به. وإنما المشكلة حقا تكمن في أنهم يرجعون إلى "سلف" معادٍ للعقل ومرتاب بالحرية، خاضعين ـ في الوقت نفسه ـ لمنطق السلف في معاينة تراث السلف؛ وكأنهم لا يزالون يَعيشون عصورَ أسلافهم بكل تفاصيلها المتواضعة جدا في الاجتماع والسياسة والاقتصاد والتربية والفكر والآداب والفنون ! 

طبيعي أن تقود مثل هذه الاتباعية السلفية إلى جُمُودٍ مُرعِب، يقضي بتخلف مروّع على مستوى تفاصيل المعاش اليومي، كما على مستوى الآمال والطموحات، وبالطبع على مستوى الاجتراحات النظرية والعملية التي تَتغيّا إنجاز وعود هذه الطموحات والآمال.  

غير أن هذا ليس هو وحده المأزق التراثي، بل إن ما في هذا التراث من مضامين كارثية، سواء على مَفصل تبرير العنف أو على مفصل الحَثّ عليه، بالإضافة إلى المضامين التي تنتهك شرطَ العدالة الإنسانية، أو تلك التي تنتهك المشتركَ الأخلاقي، كل ذلك يُشكّل مأزقا للمسلم المعاصر في علاقته مع العصر؛ حال تبنيّه المنطقَ الإجمالي لهذا التراث، وهو التَّبني المُجْمل الذي تضعه السلفياتُ كشرط أساس للقبول داخل دائرة الإسلام.      

إنه مأزق مُضَاعَف/ مُزدوج، فهنا، ثمة تراثٌ ينطوي على مضامين كارثية (ضد العقل، وضد السلم الإنساني، وضد الأخلاق)، وثمة عقل تراثي معاصر متصالح مع كل هذه المضامين، بل مشرعن لها بواسطة هذا التراث. وهذا التأكيد المضاعف، يقتضي الوعي بأن تجاوز المأزق التراثي مشروط بالخروج من "نمط التفكير التقليدي" أولا، وبالخروج من "موضوع التفكير" المُسْتَثْمَر فيه ثانيا. وكلاهما ليس باليسير، بل هما من أصعب الأمور وأكثرها إشكالا؛ لأن مجرد الخطوات الأولى فيهما (فضلا عن الانخراط المجمل في سيرورة دينية تنويرية شاملة)، تستلزم اجتياز عقبات عقائدية ومعرفية وسيكولوجية واجتماعية راسخة، لا يُقْدِم عليها إلا أولو العزم من ذوي الملكات العقلية والنفسية الخاصة، بل والاستثنائية، بعد أن يكونوا قد وطنوا أنفسهم على التضحيات الفدائية الضرورية في هذا المعترك: معترك الإصلاح الديني. 

هل هذا الإصلاح الديني الذي يتوسّل تجاوزَ نمط التفكير التراثي، كما يتوسل تجاوزَ التراث، مُمْكنٌ على ضوء المتاح حاليا في مسارات الفكر الإسلامي المعاصر ؟ 

للأسف، لا. فالأغلبية الساحقة من الناشطين في مسارات هذا الفكر غير مؤهلين ـ ولو بالدرجة الدنيا ـ لبدء طريق الإصلاح الديني. ويكفي مجرد استعراض للكادر العلمي/ المشيخي/ الكهنوتي، الذي يُنَاط به توجيه مسارات الفكر الإسلامي/ الدعوي اليوم؛ لتعلم أن المأساة لا تقف على حالها الأول فحسب، بل هي تزداد تأزما وتعقيدا؛ بقدر ما تزداد تُراثية وتقليدا. فحتى القليل والنادر من حرية التفكير/ حرية العقل التي تتضمنها بعض تيارات التراث، لا يجرؤ هذا الكادر المشيخي على استعادتها أو حتى الاستضاءة بها صراحة، بل هو يشتغل على طمسها وقمعها، ومن ثم إنشاء مستوى من التنميط التقليدي للتراث ذاته؛ ليصبح الفكر الإسلامي اليوم مُعَبَّرَا عنه بأسوأ تُرَاثَاتِه وأكثرها بلادة وضيقا بالعقل والحرية، كما هو مُعَبَّرٌ عنه بأسوأ مفكريه وأكثرهم عبودية وخنوعا وتقليدا وتبليدا.   

وللأسف؛ مرة أخرى، فأسوأ تيارات التراث من ناحية علاقتها بالعقل والحرية (= تيار أهل النقل)، وأسوأ مفكري هذا الإسلام التراثي المعادي للعقل والحرية (= وُعّاظ السلفية)، هما جَناحا المَدّ الديني الرائج إسلاميا، هما الإسلام اليوم كما يبدو في صورته المُتَعَوْلِمة، كما يتجلى في جماهيريته الواسعة، وبالتالي، في مشروعيته المُعْتَمَدة في المؤسسات الموثوق بها من قبل جماهير المُتَدَيِّنين في العالم الإسلامي.  

إسلام تراثي كهذا الإسلام الرائج جماهيريا، لن يقبل التشكيك في النصوص التراثية التي تجيز زواج الأطفال، فضلا عن أن يقبل نفيها بواسطة التحقيق العلمي لوسائط النقل التراثي. ومُفكِّرون إسلاميون تراثيون (مجرد وعاظ في النهاية) مُتَشَرعِنُون جماهيريا بتقليديتهم/ نصوصيتهم/ حرفيتهم، لن يقبلوا إعادة فحص آليتهم المعرفية المُهْتَرئة، فضلا عن أن يقبلوا الانخراط في مسار العقلانية الحديثة، لا لأنه مسار يستعصي على قدراتهم المعرفية المتواضعة فحسب، وإنما أيضا ـ وبدرجة أولى ـ لأنهم أيقنوا أن المكتسبات المعنوية/ الرمزية، والمكتسبات المادية الباذخة إغراء، لا يمكن أن تتحقق لهم ـ بل ولا شيئا يسيرا منها ـ في مجتمع إسلامي مستنير.  

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!