الخبراء يشككون في موثوقية الإحصاءات الروسية منذ بداية الحرب
بوتين يروج أن مكاسب أميركا من الحرب الباردة قد انتهت

بدأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فرض مكانة خاصة لبلاده في الخارطة الدولية من حيث انتهت الولايات المتحدة، فواشنطن المنتصرة في الحرب الباردة واجهت صعوبات في تطبيق استراتيجية هيمنتها العسكرية على العالم، ما أدى إلى فشلها تكتيكيا بشكل عام في يوغسلافيا وأفغانستان والعراق، وهذا ما يكرره فلاديمير بوتين في جورجيا وسوريا وأوكرانيا، لكن الفارق بين واشنطن وموسكو ان الأخيرة تنفذ استراتيجية الهيمنة العسكرية لفنض غبار الهزيمة عنها، ولكي تفرض نفسها قطبا عالميا من جديد في عالم يُصر بوتين على تسميته متعدد الأقطاب.

في كلمته أمام المشاركين في منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي العالمي في دورته 25 ذّكر الرئيس الروسي الحضور بما قاله قبل عام ونصف في مؤتمر دافوس الاقتصادي "أن العالم أحادي القطب قد انتهى، لكن هناك محاولات مضنية لمحاولة استعادته"، وبلغة أخرى فإن بوتين يروج لفكرة  ان مفاعيل الانتصار في الحرب الباردة قد انتهت، واننا نمر بمرحلة تمرد دولي على الهيمنة الأميركية، وهذا ما قاله بوتين حرفيا في بطرسبورغ ان "العالم لم يعد كما كان من قبل".

ما لم يلحظه بوتين ان تراجع انخراط واشنطن المباشر في الحروب نقلها من مرحلة الهيمنة على العالم إلى قيادة العالم، وأصبحت في العقد الأخير ضابط إيقاع بعدما تصور الجميع انها باتت الشرطي الوحيد في العالم، لكنه - أي بوتين- يرى ان أمريكا بعد أن أعلنت النصر في الحرب الباردة، أعلنت أن مصالحها مقدسة، والآن تسير اللعبة في اتجاه واحد، وفي ظل هذه الظروف يكون العالم غير مستقر"، إذ انه يحملها مسؤولية عدم الاستقرار العالمي، ومن وجهة نظره الاستقرار يحتاج إلى توازن قوى أو تعدد في القوى العالمية، وهي أشبه بدعوة إلى العودة إلى صراع المعسكرين، حيث  يعبر بوتين عن رغبوية  استراتيجية تربط بلاده مع الصين في مواجهة الغرب، خصوصا انه يدرك حدود القوة الروسية وتأثيرها على العالم، وغياب الإمكانيات التي تخولها تصدر المشهد الدولي بوجه الولايات المتحدة.

تُمثل مواقف فلاديمير بوتين في العقد الأخير ذروة الامتعاض من هيمنة الولايات المتحدة، ومحاولات الحشد الدولي من أجل معارضته وحتى مواجهته غير المباشرة عسكريا والمباشرة سياسيا واقتصاديا لكن دون طائل، ففي كتاب "الاختيار" يعالج مستشار الأمن القومي الأميركي السابق زبيغنيو بريجنسكي أزمة الامتعاض من التفوق الأميركي ويقول " راودت  الصينيين والروس فكرة عقد استراتيجية، تعزيز التعددية القطبية، ومصطلح يمكن تفسيره بسهولة على انه مناهض للهيمنة، ولم يسفر ذلك عن الكثير بحكم ضعف روسيا النسبي إزاء الصين فضلا عن اعتراف الصين البراغماتي بحاجتها في الوقت الحالي وقبل كل شيء إلى الرساميل والتكنولوجيا الخارجية".  

لم تسعف العقائد الجيوسياسية التي طرحها المفكر الروسي الكسندر دوغن القيادة الروسية في تقديم نموذجا بديلا عما وصفه بـ الامبريالية الأميركية، ولم يفلح في اقناع حتى من تصفهم موسكو بجوارها التقليدي بأن ينضموا إلى إمبراطوريتها البرية بوجه الإمبراطورية البحرية الغربية، وبرغم حديث بوتين عن الأوهام الجيوسياسية التي عفا عنها الزمن وربطها انها قوضت الثقة في العملات العالمية، فإنه يعترف بطريقة غير مباشرة بأن الولايات المتحدة تجاوزت في تأثيرها الدولي شروط الجغرافيا سياسيا واقتصاديا وبأن أغلب دول العالم البعيدة عنها بآلاف الكيلومترات تتصرف مع المصالح الأميركية كأنها دول محاذية لأميركا.

قبل عقدين تقريبا وصف الراحل بريجنسكي معضلة روسيا والصين مع الهيمنة الأميركية، وبرغم مشهد الانكفاء الأميركي قبل الحرب الأوكرانية الذي قابله صعود روسي واضح على الساحة الدولية مدعوما من الصين نسبيا ومن بعض الدول التي تتهمها واشنطن بالمارقة، إلا ان أحدا من هذه الدول لم يكن قادرا على الاقتراب من منافسة واشنطن سياسيا أو اقتصاديا، والأخطر ان نهاية الحرب الأوكرانية قد تنتهي بما لا يشتهي بوتين، فمن يعتقد انها حليفته الصين تراقب الموقف الاوكراني وما بعده ولم يزل موقفها ملتبسا  اما اوروبا التى ايقظها بوتين فانها عاودت الاصطفاف الكامل خلف واشنطن.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!