استطلاع للرأي يكشف عن فئة لا تعرف من ستختار
بايدن وترامب قد يلتقيا مجددا في الانتخابات الرئاسية

يواجه الرئيس بايدن، قبل خمسة أشهر من الانتخابات النصفية تحديات داخلية وخارجية هامة أدت الى انحسار شعبيته إلى مستويات محرجة، والى تعثر برامجه في الكونغرس بسبب الأقلية الديموقراطية الضعيفة وغير الموحدة وخاصة في مجلس الشيوخ، وبسبب وصول معدلات التضخم الى مستويات غير معهودة منذ أربعين سنة.

الارتفاع الحاد في أسعار الوقود والاغذية هي الهاجس الأساسي للناخب الاميركي اليوم ومن المتوقع ان تبقى الهاجس الأساسي في نوفمبر المقبل حيت يصوت الاميركيون لانتخاب مجلس نواب جديد، وثلث اعضاء مجاس الشيوخ. بايدن نفسه يقول للأميركيين إن هاجسه الأساسي هو مكافحة التضخم، ومع ذلك فان الأسلحة المتوفرة له لمواجهة هذا الخصم القوي غير فعالة جدا. وأظهر استطلاع للرأي أجري قبل أيام أن نسبة الاميركيين الذين يؤيدون أداء بايدن قد انحسرت إلى 39 بالمئة، بينما عارض أداءه "بقوة" 49 بالمئة من الأميركيين.

وجاء في استطلاع آخر ان اربعين بالمئة من الناخبين الذين صوّتوا لبايدن في 2020 قالوا انه يجب ان لا يترشح مرة اخرى في 2024. معارضو ترشح بايدن مرة ثانية يقولون ان معارضتهم تعود اما لأدائه الضعيف نسبيا، وإما بسبب عمره المتقدم. واذا أعيد انتخاب بايدن في 2024 فانه سيكون في الثانية والثمانين من عمره. 

وعلى الرغم من هذه الحقائق، يؤكد الرئيس بايدن، البالغ من العمر 79 سنة، في مجالسه الخاصة وتصريحاته العلنية أنه يعتزم الترشح مرة أخرى، وخاصة إذا ترشح الرئيس السابق دونالد ترامب البالغ من العمر 76 سنة، كما هو متوقع. حتى الان لا توجد هناك معارضة ديموقراطية لقرار بايدن الترشح مرة أخرى، ولكن هناك تململ في أوساط الحزب وخاصة في قيادات الجناح التقدمي في الكونغرس، ومخاوف من أن بايدن، بسبب سّنه، قد لا يكون قادرا على خوض حملة انتخابية قوية ونشيطة، سوف تتطلب منه القيام بنشاطات انتخابية في ولايات عديدة، وهو أمر تفاداه الى حد كبير في انتخابات 2020 بسبب وباء كوفيد-19.  

ولكن المعضلة التي يواجهها الديموقراطيون الذين يتخوفون من خسارة  مجلسي الكونغرس في نوفمبر المقبل، والبيت الأبيض في 2024 هي أنهم يفتقرون إلى مرشح بديل معروف على الصعيد الوطني، والأهم من ذلك قادر على توحيد القوى والفئات المختلفة التي تضمها الخيمة الواسعة للحزب الديموقراطي. تقليديا، عندما لا يترشح رئيس لولاية ثانية (كما فعل الرئيس ليندون جونسون)  تنتقل المسؤولية إلى نائبه (هيوبرت همفري في 1968)، والشيء ذاته يحدث عندما يخدم الرئيس ولايتين متواليتين، كما حدث مع الرئيس بيل كلينتون،  حيث يترشح نائبه (كما فعل آل غور في سنة الفين). ولكن نائبة الرئيس بايدن، كمالا هاريس لا تعتبر في أعين شريحة هامة من الديموقراطيين الخليفة الطبيعية لبايدن، لأنها لا تتمتع بشعبية عالية، وبسبب حملتها الانتخابية الضعيفة لانتخابات 2020، والتي انهارت بسرعة. 

وفي حال ترشح كل من بايدن وترامب، فان ذلك سيعني ان المواجهة سوف تكون بين المرشحين الأكبر سنا في تاريخ الولايات المتحدة، الأمر الذي سيبرز إلى السطح وبشكل نافر أكثر من أي وقت مضى حقيقة ان الحزبين الاساسيين في البلاد يفتقران الى قيادة شابة. قيادة الحزب الديموقراطي في الكونغرس متقدمة في السن، (رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي في الثانية والثمانين من العمر) والشيء ذاته ينطبق على قيادة الحزب الجمهوري في مجلس الشيوخ ( زعيم الاقلية ميتش ماكونال في الثمانين من عمره). 

تبين مختلف المؤشرات، ومن ابرزها استطلاعات الرأي ان معدلات التضخم، واحتمال دخول الاقتصاد الاميركي في ركود اقتصادي رسمي ان فرص استعادة الحزب الجمهوري لسيطرته على احد مجلسي الكونغرس ، او المجلسين معا، عالية ، وتنسجم مع سجل الانتخابات النصفية السابقة حيث يتعرض حزب الرئيس في البيت الابيض لمثل هذه الخسائر كما حدث مع الرؤساء السابقين بيل كلينتون، وجورج بوش الابن وباراك اوباما. خسارة الحزب الديموقراطي للكونغرس في نوفمبر المقبل، وخاصة في ظل الانقسامات السياسية والثقافية والاجتماعية التي تعصف بالبلاد في السنوات الماضية، وتحديدا بعد اجتياح مبنى الكابيتول وما سمي "المحاولة الانقلابية" للرئيس ترامب وانصاره ضد نتائج انتخابات 2020، تعني تعطيل وتحييد سلطات بايدن وهو في منتصف ولايته وتحويله الى رئيس لتصريف الاعمال في احسن الاحوال، يتحرك في ظل أكثرية جمهورية في مجلس الشيوخ يقودها السناتور المتشدد ميتش ماكونال .  

معظم القياديين البارزين في الحزب الديموقراطي – ومن بينهم السناتور المسّن بيرني ساندرز – يقولون انهم لن يتحدوا بايدن اذا ترشح بالفعل لولاية ثانية، ولكن الوضع يختلف اذا ترشحت كامالا هاريس، اذا قرر بايدن لسبب أو لآخر ان لا يترشح لولاية ثانية. السوابق الانتخابية تبين انه عندما يترشح سياسي ضد رئيس يرغب بالتجديد لنفسه، فانه يخسر السباق ويساهم في خسارة الرئيس في الانتخابات الرئاسية. وهذا ما حدث عندا ترشح رونالد ريغان ضد الرئيس الجمهوري جيرالد فورد في 1976، ما ادى الى فوز الديموقرطي جيمي كارتر بالرئاسة. الشيء ذاته حدث لكارتر عندما تحداه من داخل حزبه السناتور ادوارد كينيدي في 1980، ما تسبب بخسارة كينيدي أمام كارتر، وخسارة كارتر أمام ريغان.  

واذا كان هناك تململ داخل الحزب الديموقراطي بسبب تقدم بايدن في السنّ، حيث يركز المتحفظون على الكبوات اللفظية لبايدن والتي يسارع موظفو البيت الأبيض  "لتوضيحها" فان هناك سردية قاسية وغير منصفة ضد الرئيس بايدن في أوساط الجمهوريين تدعي ان بايدن يعاني من تحديات ذهنية، وهذه السردية تحظى بقبول واسع في أوساط الجمهوريين، وهي على الرغم من عدم وجود اساس لها،  يمكن ان تؤثر على مواقف ناخبين مستقلين وحتى ديموقراطيين. 

وفي حال قرر بايدن لسبب أو لآخر عدم الترشح لولاية ثانية، وأوحى او قال بوضوح انه يريد ان تخلفه كامالا هاريس، فان ذلك قد يفتح المجال امام تحديات لها من قبل بعض المرشحين الذين دخلوا السباق في 2020 مثل عضوة مجلس الشيوخ اليزابيث وارن، أو وزير المواصلات الحالي بيتر بوتيجج، والسناتور بيرني ساندرز. وحتى ولو فازت كامالا هاريس بترشيح الحزب الديموقراطي لها، فإنها ستدخل السباق الرئاسي وهي منهكة.  

المقربون من الرئيس السابق ترامب يقولون انه يعتزم ترشيح نفسه قبل الانتخابات النصفية، ليقطع الطريق على أي منافس محتمل، وتحديدا للالتفاف على حاكم ولاية فلوريدا رونالد ديسانتس الذي يتمتع بشعبية واسعة في ولايته، ويحظى بتأييد متزايد في اوساط الجمهوريين في البلاد. ديسانتس يعتبر نفسه خليفة لترامب وقادر على تمثيل "الترامبية" السياسية بعد تقاعد ترامب. 

طبعا، طبيعة السباق الرئاسي بمجمله سوف تتغير، إذا ادت التحقيقات التي تجريها اللجنة الخاصة بإحداث 6 يناير إلى قيام وزارة العدل باتهام الرئيس السابق ترامب بتهم التحريض على الفتنة أو استخدام الترهيب لإلغاء نتائج الانتخابات، أو إذا قامت المحاكم التي تحقق باحتمال قيام ترامب بانتهاكات لقوانين الانتخابات واساءة استخدام التبرعات المالية لمصلحته الشخصية، بالحكم ضد ترامب بالسجن او تغريمه ماليا. هذا احتمال صعب وغير مسبوق، ولكنه ليس مستحيلا.  في هذه الحالة سوف ينفتح الصراع السياسي داخل الحزب الجمهوري على مختلف الاحتمالات، مع بداية مرحلة ما بعد الرئيس ترامب، وان كان من السابق لأوانه الحديث عن مصير "الترامبية" السياسية. 

في هذا الوقت المبكر نسبيا، تبدو انتخابات الرئاسة في 2024 وكأنها ستكون المواجهة الثانية بين خصمين مسنّين، بايدن وترامب، سوف يكونا عاجزين عن تقديم أي رؤى مستقبلية لدور اميركي رائد في عالم يتغير بسرعة وتبرز فيه قوى ترى نفسها بديلا سياسيا وعلميا وتقنيا للولايات المتحدة. 

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.