الحرب في أوكرانيا دخلت شهرها الرابع. أرشيفية
تحالفات وعلاقات جديدة

"لكن مرور الوقت، لا يعمل لصالح الدبلوماسية، ويسهم في رفع منسوب الصخب والضجيج الناجمين عن قرع طبول المواجهة... إنه سباق "ربع المتر الأخير" بين الحرب والدبلوماسية".

بهذه العبارة أقفل الزميل والصديق، عريب الرنتاوي، مقاله التحليلي الأخير واللافت والمشغول بعناية والمنشور على موقع الحرة لهذا الأسبوع وكان عنوانه: الشرق الأوسط وسباق "ربع المتر الأخير" بين الدبلوماسية والحرب

الزميل عالج كم المعلومات بحيادية وعقل بارد لكنه لم يخف أمنياته "الحذرة" بتجنب حرب لا يريدها أحد فعليا، لكنها قد تكون ضرورة "دولية" في "ربع المتر الأخير" على حد وصفه، لكن ماذا بعد نهاية تلك الأمتار كلها، هل هنالك طريق جديد بمسافة "سلام" أطول؟ 

من زاوية الملف النووي الإيراني، كانت الرؤية نحو ذلك المتر الأخير كله من مرحلة إقليمية ودولية تتغير اليوم بكل تفاصيلها ومعطياتها، ويبدو أن الزوايا الأخرى والتي تجري بديناميكية متزامنة ومتسارعة تؤكد التغيرات في مجمل العلاقات الدولية والتحالفات الإقليمية القادمة. 

فلنأخذ الزاوية الأوروبية، حيث أقف الآن أراقب وأتابع النشاطات المتسارعة والمحمومة بين مؤسسات الاتحاد الأوروبي في محيط حي "شومان" في بروكسل أو لوكسومبورغ. 

أحد مسؤولي السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كشف في اجتماع مغلق عن اجتماعات أوروبية في عواصم خليجية الأسبوع الماضي، وفيها، حسب المسؤول ذاته، تم الحديث بتوسع وتفصيل عن ثلاثة ملفات أساسية مشتركة في العلاقة التي يعاد بناؤها بين المنظومتين الأوروبية والخليجية: أمن الممرات المائية في الخليج، الملف الإيراني، والعلاقات مع الخليج كمصدر للطاقة البديلة غير النفط. 

في حديثه المغلق مع دائرة محدودة من الصحفيين في بروكسل، شدد المسؤول الأوروبي على أن العلاقة مع دول الخليج يجب أن تتغير جوهريا نحو مزيد من التطور، وعدم الاستمرار بالتعامل مع دول الخليج كمصدر للنفط والغاز فقط. 

هذا يعني ببساطة أن أوروبا "الاتحاد تحديدا" تعيد ضبط وترتيب ملف علاقاتها الدولية والإقليمية باتجاه أكثر تشددا في الملف الإيراني بما يتناسق مع مصالحها وقد قررت "استراتيجيا" البحث عن مصادر للطاقة والأمن الغذائي بعيدا عن اليد الروسية المتحكمة بالموارد والطرق الدولية وسلاسل التزويد. 

التطور اللافت أكثر كان في زيارة وزير الخارجية المصري، سامح شكري، إلى لوكسمبورغ، حيث التقى جوزيف بوريل، وزير خارجية الاتحاد الأوروبي. 

الإشارة اللافتة على اهتمام الأوروبيين الاستثنائي بالوزير المصري كانت بحضوره اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بنفسه، وهو ما يتجاوز البروتوكول العادي بحضور أي وزير خارجية لدعوات الغذاء او العشاء فقط على هامش اجتماعات الأوروبيين. 

المؤتمر الصحفي المشترك بين بوريل وشكري أعلنت فيه أوروبا تقديم 100 مليون يورو فورية الدفع لمصر على وجه السرعة، وهي جزء من مليار يورو أوروبي مرصودة لدول قارة أفريقيا، حيث سيتم صرف باقي المليار على أفريقيا لسبع سنوات قادمة. 

الـ100 مليون يورو الفورية التي رصدتها أوروبا تستهدف البنية التحتية المصرية لخلق مستودع غذاء عالمي وتصبح مصر حائط الإسناد العالمي في حال حضور الأزمات. 

النقطة الأكثر قوة لحضور مصر الدولي كقوة إسناد دولية أيضا كان في اتفاقية الغاز التي تأمل أوروبا أن تكون مصر هي الممر الآمن للغاز إلى أوروبا مع قصور القدرة الإسرائيلية على تسييل الغاز. 

الحضور السياسي المصري القوي الذي كان واضحا في لغة الجسد على الوزير، سامح شكري، وهو يلتقي نظيره الذي يمثل الاتحاد الأوروبي تجلى أكثر في الطلب الأوروبي الرسمي من مصر بالمساهمة في الجهود مع الأمم المتحدة لفتح الطريق أمام الصادرات الأوكرانية المعلقة، وهو دور إقليمي ضخم لمصر لا يمكن قراءته بمعزل عن اتفاقية الشراكة الثلاثية الموقعة أخيرا في أبوظبي بين الإمارات والأردن ومصر، في مشاريع تتعلق بالأمن الغذائي على مستوى الإقليم، كما لا يمكن قراءة كل ذلك بدون تلك الزيارة التي كشف عنها المسؤول الأوروبي إلى عواصم خليجية الأسبوع الماضي. 

نعم، هو بلا شك اليوم، ربع المتر الأخير في منظومة علاقات وتحالفات يتم إعادة تركيبها وبنائها على أسس تعاون تنموي جديدة وبعيدة عن الإنشاء وضمن خطة عمل وتمويل سريعة تقفز فوق كل الذي اعتاده "الشرق أوسطيون" طوال عقود مضت. 

العلاقات المبنية على تحالفات بدأت تتغير، وكانت ملامحها الأولية قد سبقت الحرب في أوكرانيا، لكن تلك الحرب حسمت ما كان يمكن توقعه. 

كان لافتا مثلا في الضربة الإسرائيلية الأخيرة لمطار دمشق (والتي حملت استهدافا نوعيا لإيران) أن الإدانة الدولية للضربة لم تتجاوز دولتين حصرا: إيران وهي المسبب لحصول الضربة، وروسيا التي وللمفارقة العجيبة سهلت لإسرائيل تلك الضربة عبر عدم تفعيل منظومة "أس-300"، لكن موسكو لم تتردد بالإدانة. 

الاتفاق النووي مع إيران سيحدد مصير إيران "وتوابعها في المنطقة" والمفاجآت غير المتوقعة والصادمة قد تأتي من مجانين اليمين في الإقليم كله (سواء في طهران أو تل أبيب) لكن الأنظار أيضا تتوجه نحو القمة القادمة مع بايدن (الخليج + 3)) والتي قد تضع عناوين لن تخرج عن سياق الترتيب الإقليمي الجديد والمتسارع في عالم يعيد بناء نفسه في ذلك المتر الأخير، بحروب أو تفاهمات. 

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!