FILE - This Thursday, May 12, 2016, file photo, shows signage outside a restroom at 21c Museum Hotel in Durham, N.C. North…
تتنوع الشعارات على اختلافها نوعاً وقيمة بين المطالبة بتحقيق العدالة بين الرجال والنساء والقضاء على حامليّ أفكار الخوف من المثليين والمتحولين جنسياً.

أدركت بعد دخول الحمام رقم 91، خلال السنوات الثلاث التي قضيتها في برلين، غرابة هيمنة فعل النضال ومفهوم المقاومة، الذين يصلان إلى ذهني كلّما دخلتُ إلى حمّامٍ عام.

أبدأُ باسترجاع السنوات الطويلة التي قضيتها من حياتي، بأسلوب مُختزل تقليليّ، في ممارسة دورَ المتلقية، وإقحامي عن قصد أو بسبب التدفق المحيط غير القابل للرفض، في ممارسة جميع أنواع النضال والمقاومة بدون اختيار أو تفكير أو جدال، لأنني على سبيل الصدفة، "الحسنة طبعاً" كنتُ نتيجةً فيزيائيةً لمكان جغرافي مُعيّن، لفعل جسدان يصادف أنني اعتبرهما أبي وأمي، وعن يقين وحتميّة يعتبرانني ابنتهما. الصدفة البحتة.

أتجوّلُ بحذرٍ شديد داخل مساحة لا تتجاوز المتر أو المترين كأقصى حدّ، بخصوصيةٍ تامة، أمارسُ هواية القلق من ملامسة أي كتلة ظاهرية داخل المكان خوفاً من الجراثيم، الفيروسات، ومُخلَّفاَت من قبلي. أضحكُ عالياً، ليس بسبب قلقي المتوارث جينياً، بل لتشابهه مع قلق الرومان القدماء تجاه المراحيض، إضافة لقولي المتكرر عن وهم الفراغ أو وجوه من الأساس، الفراغ وهم. فعلياً أقنع نفسي بأني في مساحة آمنة من الاحتكاك بأي شيء يحيط بالطبقة العليا من الجلد، لكن فعلياً كل شيء يلمسني وأنا ألمس ما لا أراه في عيني المجردة.

تتحدّثُ إحدى شخصيات فيلم كوميدي يوناني مغمور، عن أسطورة قلق الرومان القدماء من الدخول إلى المراحيض العامة. حينها قضاء الحاجة كان يعتبر فعلاً هامشياً، سريعاً بدافع الضرورة القصوى. يقال إن الكتابات الإرشادية الموضوعة آنذاك في المدخل، وعلى طول الطرقات إلى الأماكن المخصصة للتبول الجماعي، مثل "لا تقضي حاجتك هنا"، مُجهِدَةً بالنسبة للبعض لكثرة الاقتباسات اللامنطقية. المثير للاهتمام ليس وجود اللافتات الإرشادية، بل الاعتقاد السائد بتجلي الشر والسحر الأسود في فضاء الحمامات العامة ومس جسد وروح كل من يدخل إليه، مُسبِّباً لعنات أبدية تطال من مُس حتى ولادته في الحيوات المستقبلية. 

أَنظرُ للأعلى، إلى سقف المرحاض للتخفيف من جديّة الموقف وتشتيت تفكيري عن جميع الأساطير. ثمة ملصقٌ عالياً يدعو إلى التخلص من الخوف تجاه المتحولين والمثليين. على جانبي الأيسر، أعلى لفافة الورق القابل للتدوير، ملصقٌ ينادي بالمساواة الجندرية بين النساء والرجال، مع بعض الخطوط الحمراء الدائرية على سبيل التنبيه لأهمية المفهوم. أحياناً خطوط مستقيمة موضوعة بدقة على كلمة "نساء" مُكرّرة مراراً من خطوط لأحبار متنوعة من الواضح أنها لا تعود لشخصٍ واحد، للتأكيد على أهمية المناداة بالمساواة، ومحاولات اليأس في الإحاطة بكلمة امرأة لتظهر أكثر من كلمة "رجال" إلى الحد الذي تكاد فيه الكلمة تختفي، أو تتماهى مع اسمنت الحائط المسلّح.

جدرانٌ مليئة بملصقات المقاومة والنضال، أقرأُها وأستغربُ، كأني أراها للمرة الأولى.

أتابعُ القراءة والتبوّلَ في اللحظة ذاتها على كرسي شبه متهالك، لا ألمسُهُ ولا يلمسني، هنا يشتد اضطراب الوسواس القهري المتعلّق بالنظافة، المصابة به منذ سنوات طويلة إلى أقصاه. لا أكترث في التخلص منه، يستمر في التزايد والسيطرة على وجوده وقيمته حد ابتلاع وجودي بحد ذاته.  

أفتحُ باب المرحاض بواسطة ورق مُعاد التكرير، قابل للتدوير. أشعرُ بالفخر لمساهماتي المتواضعة في تقليل الخطر على البيئة، وتقليل استنزاف الموارد الطبيعية بتسارع أقل، وحماية الكوالا والباندا من الانقراض. "كلانا مستفيدان"، أقول.

أعودُ إلى الداخل، إلى المكان الضيّق، أمارسُ هواية قراءة ملصقات المقاومة تجاه كل الأنظمة الظالمة المستبدّة، داخل مكانٍ مبنيٍّ، وإن بشكل غير مباشر، من قبل المؤسسات ذاتها. كلماتٌ وجملٌ مكتوبةٌ تعود إلى شهور أو سنين عديدة خلت، بخط رديء وسريع، يدلُّ على الوضعية الجسدية لصاحبه أثناء ممارسته لفعل الكتابة، القرفصاء غالباً، أو بيد واحدة والأخرى في مهمة تثبيت الملابس لكيلا تسقط. لا توجد وضعيات أخرى في حمام السيدات، أو هكذا أظن.

في أحد الحانات المفضلّة لديّ، هناك حمامٌ فقط مخصّصٌ للملصقات النسويّة، منها يميل إلى اللون البني المُصفرّ، ومنها مُشقَّق، مُتداخلٌ مع كلمات من ملصقات أخرى أعلى وأسفل، بحيث تبدو كأنها لوحة ضخمة بتقنية الكولاج. 

وفي داخله مبولة متهالكة، غير قابلة للتدوير. بصرياً تبدو بأن من يجلس فوقها سيقع إلى الطابق السلفي مستمراً في السقوط حتى داخل جوف الأرض.

تتنوع الشعارات على اختلافها نوعاً وقيمة، بين المطالبة بتحقيق العدالة بين الرجال والنساء، والقضاء على حامليّ أفكار الخوف من المثليين والمتحولين جنسياً، والعنصريين سواء تجاه اللون أو العرق أو الدين. الدعوة إلى عالم يعمُّهُ السلام والحب، يعيش فيه لاجئون وسكانٌ أصليون تحت شعار الإنسانية الواحد، لا حروب ولا تجار أعضاء هواة. 

يختفي المنفذ الوحيد لدخول الشمس والتهوية. وجودُ الفتحةِ مربعةِ الشكل أو المستطيلة، المُسمّاة بالنافذة، فائضٌ لا حاجة له في حمامات الأماكن العامة في برلين، فأغلب القضايا الإنسانية في وضعية الهزيمة القلقة، والملصقات هنا حركة احتجاج على هذه الوضعية الراهنة، تأتي لتحلَّ محلَّ الزجاج والضوء، مُكتفيةً بذاتها.

الإفراطُ اللغوي والمحتوى البصري على السواء، أضفى على المشهد حيرةً وقلقاً وعدم تركيز على مفهوم نضالي واحد، رغم الفضاء الضيق. العكس تماماً، يستدعي كل هذا الاحتواء البصري، استهلاكاً لا يختلف عمّا تروج له المؤسسات المحاربة من قبل الشعاراتُ ذاتها المصفوفة فوق بعضها بحيث تتداخل الجمل لتشكل مفاهيم غير مقروءة، تماماً كعالمنا الحالي. 

بنظرة حيادية، لا مناصَ من الإشارة إلى أن الفضاء، أعني أماكنَ الملصقات، والإفراط في الشعارات والرسومات، يحوِّلان القارئ إلى متلقٍ يمارس قراءةً ذهنيةً صامتةً لكمٍ من الحشو الفارغ، مُترافِقَةً مع وضعية التبول، وكأن فعل المقاومة والاحتجاج يتحوَّلُ في هذا الفضاء عفوياً إلى محاكاة لفعل المقاومة السائد في العصر الحديث. فعلٌ شعاراتيٌ يكرر على سبيل العادة بدون أي تغيير يذكر، مُهمَلٌ، غير مقروء، فائضٌ لا حاجةَ له.

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.