بايدن يعيد التذكير بالتحذيرات الأميركية من الغزو الروسي
بايدن أكد أنه لن يغير طريقة تعامله مع قضية مقتل خاشقجي. 

المتتبع لمسار الرئيس الأميركي، جو بايدن، منذ حملته الانتخابية إلى تسلمه الرئاسة يجد أن تصريحاته ومواقفه كانت عدائية طيلة الوقت ضد محور الاعتدال وخاصة المملكة العربية السعودية. فقد ذكر بايدن في حملته الانتخابية أن الولايات المتحدة يجب أن تجعل السعودية "تدفع ثمناً" لقتل جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول وستعامل كدولة منبوذة إذا فاز بالرئاسة. وبالفعل حتى بعد توليه منصبه، استمر بهذه اللهجة متخذاً موقفاً صارماً بذريعة سجل حقوق الإنسان في المملكة، لكن الحرب الروسية الأوكرانية غيرت حسابات إدارة بايدن ودفعتها على مراجعة سياستها في المنطقة وخاصة تجاه المملكة خدمة لمصالحها، ومن هنا علينا التساؤل: هل زيارة بايدن إلى السعودية: اضطرار أم اقتناع؟

لو كانت زيارة بايدن – التي طال انتظارها إلى الشرق الأوسط – قبل الحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار النفط، لكان الانطباع أكثر إيجابية، لكن كونها ستكون بعد كل هذه الأحداث، فإن ذلك لا يعطي الانطباع أن النهج السياسي لإدارة بايدن قد تغير عن اقتناع تجاه محور الاعتدال وأمن المنطقة، بل هو أقرب للاضطرار أو كما يقال: "مُكرَه أخاك لا بطل". ففي هذه الزيارة، يجد الرئيس الأميركي أنه أمام كفتين: النفط وحقوق الإنسان. فالظروف اضطرته أن يعيد حساباته بسبب ارتفاع أسعار النفط والتي جعلته يأخذ خيبة أمل دول الخليج من موقف إدارته فيما يتعلق بالتهديد من إيران ووكلائها الإقليميين على محمل الجد، ومن ناحية أخرى ومع ضغوط المتشددين في الحزب الديمقراطي، يجبره أن يلتزم بملف حقوق الإنسان في المنطقة وتحديدا في دول الخليج التي يريدها أن تقوم بتأمين إمدادات بديلة للنفط والغاز الروسي والحفاظ على أسعار النفط.   

نجد هذا التضارب في الأهداف ينعكس في مواقف الإدارة الأميركية، فمن ناحية نجد بوادر تعاون أميركي مع السعودية وتأكيد التزامها بأمن المنطقة، ومن ناحية أخرى نجد الطرف المتشدد في الحزب الديمقراطي وحلفائهم يضغطون على الرئيس الأميركي في زيارته للسعودية، والتأكيد على أن المواضيع المتعلقة بأسعار النفط وأمن المنطقة عليها ألا تطغى على ملف حقوق الإنسان، ولعل هذا يفسر لنا، بعد يوم من إعلان البيت الأبيض أن بايدن سيزور السعودية، جاء تصريح جو بايدن: "لن ألتقي بمحمد بن سلمان. أنا ذاهب إلى اجتماع دولي، وسيكون جزءاً منه"، كما أكد أنه لن يغير طريقة تعامله مع قضية مقتل الإعلامي السعودي، جمال خاشقجي. 

إن هذه المواقف المتضاربة تؤكد أن النهج السياسي الأميركي الودي نوعا ما حاليا إزاء محور الاعتدال مؤقت ولا يعطي الانطباع طابع الاستدامة، بل هو أقرب للاستغلال لقضاء غرض معين. لذلك على دول محور الاعتدال أن توضح أولياتها في الاجتماعات المقرر تنظيمها في هذه الزيارة وفي مقدمتها الأمن الوطني، خاصة فيما يتعلق بالاتفاق النووي الإيراني المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) والتوضيح أن استراتيجية استبدال "الضغوط القصوى" بـ "الدبلوماسية القصوى" قد فشلت مع النظام الإيراني وجعلتها تكثف نشاط وكلائها في المنطقة ضد دول المنطقة خاصة السعودية والإمارات باستهدافهم بصواريخ تضر بأمنهم الوطني ومصالحهم. كما يجب التوضيح لإدارة بايدن أنه يجب وضع استراتيجية بربط بنود الاتفاق النووي بتصرفات إيران المزعزعة لأمن واستقرار المنطقة من حيث دعمها للميليشيات الطائفية المسلحة في الدول المجاورة مثل العراق ولبنان وسوريا واليمن. فما يجب التنويه له كيف يمكن الثقة بإقامة اتفاق نووي أو الاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، مع استمرار دعم النظام الإيراني للميليشيات المسلحة الخارجة عن نطاق الدولة والمزعزعة للاستقرار.  

بالإضافة إلى ذلك، تصاريح بايدن عن السعودية في حملته الانتخابية وحتى في بداية توليه للرئاسة لا يجب أن تمر مرور الكرام، فهذه النوعية من التصاريح تعتبر فريدة من نوعها فلم يصرح بها أي رئيس أميركي أو مرشح انتخابي من قبل منذ عام 1943 وحتى بعد الحظر السعودي على مبيعات النفط للولايات المتحدة في عام 1973.  كذلك هاريس كان لها نفس التوجه فقد ذكرت يجب تحميل السعودية مسؤولية عن مقتل جمال خاشقجي وانتهاكاتها لحقوق الإنسان في اليمن، كما أكدت على منع بيع الأسلحة إلى السعودية. وأغلب هذه المواقف هي بسبب سيطرة جناح اليسار المتشدد على الحزب الديمقراطي، مثل إلهان عمر وبيرني ساندرز وإليزابيث وارن وجميعهم لهم توجهات ضد السعودية خاصة فيما يتعلق بحقوق الإنسان وعلى رأسها قضية خاشقجي وسجن ما يطلق عليهم الناشطات في حقوق المرأة. 

لذلك من الدروس المستفادة التي يمكن استثمارها في هذه الزيارة تقوية العلاقات مع الديمقراطيين الأقل تشدداً إلى حد ما، لكن الاختلاف بين المتشددين في الحزب الديمقراطي والأقل تشددا ليس لهذه الدرجة الكبيرة من الاختلاف، لذلك على دول محور الاعتدال خاصة السعودية أن تستثمر هذه الزيارة بإلقاء الضوء على أهمية تكثيف نشاطها داخل الولايات المتحدة ديبلوماسيا وسياسيا والتأكيد على التعاون مع جماعات الضغط على جميع الأصعدة.

التوصيات في هذه الزيارة: 

إن الشرخ الذي قامت به إدارة بايدن في انتقاد السعودية سيأخذ الكثير من الوقت لإصلاحه، لذلك لو كانت هذه الزيارة عبارة عن إملاء الشروط للتحالف ضد روسيا من خلال حرب نفطية مفروضة فلن تنجح الزيارة، لأن أميركا بسبب السياسة الخارجية المتأرجحة وغياب الاتفاق بين الحزبين في الولايات المتحدة الأميركية، خاصة بشأن المواضيع التي تخص الأمن الوطني مثل كيفية التعامل مع أنظمة وجماعات الإسلام السياسي، والإرهاب الدولي والهيمنة الإيرانية وغيرها، لم تعد حليفا يثق به. وعلى أساس غياب الثقة وسعت دول محور الاعتدال تحالفاتها خاصة مع روسيا الصين. ولكي تعود هذه الثقة يجب التأكيد على وضع استراتيجية توازن بين "الضغوط القصوى" الأميركية مقابل "الدبلوماسية القصوى" مع إيران وكيفية مواجهة الأعمال الإرهابية التي تقوم بها إيران من خلال حروبها بالوكالة التي تضر بالمصالح الأميركية في الخليج.   

كما على دول محور الاعتدال أن توضح عدم اتفاقها مع سياسات الجناح المتشدد من اليسار في الحزب الديمقراطي وتوضيح اتفاقهم بشكل أكبر مع الوسطيين في الحزب والشرح أن كثرة الهجوم المستمر على دول محور الاعتدال لن يغير في الواقع شيء إلا أنه سيكون تقوية لإيران بعدم تغيير سلوكها في دعم الميليشيات المسلحة في المنطقة، وكذلك سيكون دافعا في استمرارية جماعات الإسلام السياسي مثل الإخوان المسلمين بتخطيطاتهم الهدامة مما سيضر بمصالح الولايات المتحدة في المنطقة. 

حتى تثبت زيارة بايدن للسعودية أنها فعلا عن اقتناع لتغيير نهجها السياسي مع دول محور الاعتدال وخاصة السعودية ولم تكن اضطراراً، عليها أن تثبت أنها نقلة نوعية وليس مجرد تملق مؤقت ينتهي بمجرد انتهاء المهمة ثم يعود الهجوم والسياسات التي تخدم المتطرفين في المنطقة وما يسمى بمحور الممانعة، فدول محور الاعتدال لن تقبل بالإملاءات وأن تكون تابعة، فكما أنها ستكون مرحبة بالزيارة إلا أنها ستستمر في الحفاظ على سياسة متوازنة بين الغرب والشرق بما فيه روسيا والصين لتضمن مصالحها، لأن الفجوة التي قام بها الحزب الديمقراطي كبيرة وحتى تعود الثقة كما كانت سابقاً يحتاج ذلك إلى مدة طويلة وإثبات بالأفعال وليس الأقوال. 

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.