People march during a demonstration against military rule in the Bashdar area of el-Diam district of Sudan's capital Khartoum…
وجدت المقاومة الباسلة للسودانيين تأييدا إقليمياً ودولياً كبيراً

في 25 أكتوبر 2021، قام قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، بانقلاب عسكري حل بموجبه حكومة رئيس الوزراء، عبد الله حمدوك، وأطاح بالوثيقة الدستورية التي حكمت الفترة الانتقالية في أعقاب سقوط نظام الطاغية المخلوع الجنرال، عمر البشير، في 11 أبريل 2019.

وفور وقوع الانقلاب خرج مئات الآلاف من السودانيين للشوارع معبرين عن كامل رفضهم لخطوة العسكر ومطالبين بعودة المسار المدني من أجل تحقيق شعار الثورة الأبرز: "حرية.. سلام.. عدالة"، وظلت مقاومة الانقلاب عبر التظاهرات والمواكب السلمية مستمرة بقوة طيلة الثمانية أشهر الماضية مما أدى لسقوط 102 شهيد وإصابة المئات من الثوار فضلا عن الزج بالعشرات في السجون والمعتقلات.

ومن جانب آخر، وجدت المقاومة الباسلة للسودانيين (خاصة الشباب من الجنسين) تأييدا إقليمياً ودولياً كبيراً، حيث تم تجميد عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، كما أوقفت المؤسسات الدولية المانحة برامج التعاون مع الخرطوم، وجمدت الولايات المتحدة الأميركية ودول الإتحاد الأوروبي وبريطانيا مساعداتها المالية وطالب الجميع بضرورة استئناف عملية التحول الديمقراطي عبر تكوين حكومة مدنية ذات مصداقية كشرط أساسي لعودة العلاقات مع السودان.

وظهرت إلى الوجود أولى محاولات استعادة التحول المدني بعملية سياسية أطلقتها الأمم المتحدة عبر بعثتها المتكاملة في السودان (يونيتامس)، وقد انضم إليها لاحقا الإتحاد الأفريقي ومنظمة الإيقاد لتتحول المبادرة إلى آلية ثلاثية غرضها تسهيل الوصول إلى حل للأزمة التي تسبب فيها العسكر الذين فشلوا في تكوين حكومة أو تعيين رئيس وزراء بعد مرور ثمانية أشهر من الانقلاب العسكري.

وقد أبدت قوى الحرية والتغيير، وهي التحالف الذي كان طرفا في الشراكة الحاكمة مع المكون العسكري وكان جزءا من الحكومة التي تم الانقلاب عليها، استعدادها للتعاطي الإيجابي مع المبادرة الأممية وسلمت الآلية الثلاثية رؤية متكاملة لكيفية الخروج من الأزمة، ولكنها قررت مقاطعة جلسات الحوار التي أعلنتها الآلية لجهة أنها أشركت فيه أطرافاً حليفة للنظام البائد والعسكر وهو الأمر الذي من شأنه إجهاض العملية السياسية بتوظيفها لمصلحة القوى المؤيدة للانقلاب.

أدت مقاطعة تحالف الحرية والتغيير وبقية قوى الثورة إلى فشل الحوار الذي نادت به الآلية الثلاثية، مما دفع قوى إقليمية (المملكة العربية السعودية) ودولية (الولايات المتحدة الأميركية) لاقتراح عقد لقاء يجمع قوى الحرية والتغيير بالمكون العسكري بشكل مباشر، وقد تمت الموافقة عليه من قبل الأخيرة حيث شارك ممثلون عنها في الاجتماع مع العسكر بحضور السفير السعودي في الخرطوم، علي حسن بن جعفر، ومساعدة وزير الخارجية الأميركي للشئون الإفريقية، مولي في.

وجدت خطوة الحرية والتغيير بالجلوس المباشر مع المكون العسكري ترحيبا من قطاعات عريضة من الشعب السوداني وقوى الثورة بينما تحفظت عليها قوى ثورية أخرى ترفع شعار التغيير الجذري وترفض الدخول في أية عملية سياسية تهدف لإنهاء الانقلاب، وكذلك قوبلت الخطوة بالهجوم الشديد من قبل مؤيدي النظام البائد (الإخوان المسلمين وحلفاؤهم) وداعمي الانقلاب العسكري من حركات مسلحة وأحزاب مدنية.

وتتلخص حجج الرافضين لخطوة قوى الحرية والتغيير في أن التحالف يسعى للعودة للسلطة عبر شراكة جديدة مع العسكر، وأنه يعمل على إطالة الفترة الانتقالية لأطول مدة خوفا من قيام الانتخابات، كما أنه يعمل على احتكار الساحة السياسية وتهميش القوى الثورية الأخرى، فضلا عن الادعاء بأن مجرد الانخراط في العملية السياسية سيؤدي إلى التخلي عن شعارات ومطالب الثورة.

وقد فندت قوى الحرية والتغيير تلك الحجج والمزاعم في الوثيقة التي أصدرتها الأسبوع الماضي تحت اسم "وثيقة مطلوبات وإجراءات إنهاء الانقلاب"، حيث وضعت شروطا واضحة للعملية السياسية التي ترغب في المشاركة فيها، وفي مقدمتها تنفيذ إجراءات تهيئة المناخ التي تشمل الوقف الفعلي لإجراءات الطوارئ، ووقف العنف ضد المدنيين، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، ووقف إجراءات إعادة توظيف منسوبي النظام البائد في الخدمة المدنية، وإرجاع الأموال التي استردتها الحكومة الانتقالية من رموز الفساد في النظام البائد، والشروع في إجراءات المحاسبة الفورية لمنتهكي حقوق الإنسان.

وأوضحت قوى الحرية والتغيير أنها لا تسعى لاحتكار الموقف السياسي أو تمثيل قوي الثورة بصفة حصرية، حيث أشارت الوثيقة إلى ثلاث مراحل لإنهاء الانقلاب وتأسيس الحكم المدني، أولى هذه المراحل هي إنهاء الانقلاب، ثم مرحلة التأسيس الدستوري التي تشارك فيها جميع القوى التي قاومت الانقلاب إلى جانب المكون العسكري وحركات الكفاح المسلح الموقعة على اتفاقية السلام المبرمة في عاصمة جنوب السودان جوبا، والمرحلة الأخيرة هي مرحلة التأسيس الجديد للمسار الديموقراطي وتشارك فيها أوسع قاعدة من السودانيين المؤمنين بالحكم الديمقراطي.

كذلك حسمت قوى الحرية والتغيير الموقف من العودة للشراكة مع المكون العسكري مرة أخرى، وأوضحت أنها تدعو لإقامة حكومة مدنية كاملة على أن تخرج المؤسسة العسكرية من العملية السياسية، واقترحت تكوين مجلس سيادة مدني محدود العدد يقوم بمهام السيادة فقط ولا يمنح أية سلطة تنفيذية أو تشريعية، مع قيام مجلس وزراء من كفاءات وطنية مستقلة على أن تختار قوى الثورة رئيس الوزراء الذي يقوم بدوره باختيار الوزراء بالتشاور معها، بالإضافة إلى إنشاء مجلس تشريعي محدود العدد تمثل فيه النساء بنسبة لا تقل عن 40 في المئة، وتمثل فيه قوى الثورة والقوى السياسية والقوى الشبابية في لجان المقاومة بصورة منصفة تعكس التعدد الثقافي في البلاد.

أما المزاعم بأن قوى الحرية والتغيير ستتخلى عن شعارات ومطالب الثورة، فقد دحضتها الوثيقة بوضوح حيث قالت إن الحل السياسي يجب أن يتضمن تأسيس جيش وطني موحد ينأى عن السياسة، وأن تتم مراجعة النشاط الاقتصادي للمؤسسة العسكرية والأمنية وتنقيتها من عناصر النظام المعزول وإجراء عملية عدالة انتقالية تكشف الجرائم وتحاسب المنتهكين وتنصف الضحايا، وإعطاء الاقتصاد الوطني أولوية وفق منهج شامل يعالج الأزمة المعيشية وينحاز للفقراء والمهمشين.

كما اشترطت الوثيقة تفكيك تمكين النظام البائد في أجهزة الدولة واسترداد الأموال المنهوبة، وتنفيذ اتفاقية سلام جوبا وإصلاحها مع أطرافها، وإنشاء مفوضية لمحاربة الفساد، وبناء سياسة خارجية متوازنة تحفظ مصالح البلاد، وإعداد دستور دائم، والتهيئة لانتخابات حرة نزيهة وشفافة برقابة دولية بنهاية الفترة الانتقالية التي حددتها الوثيقة في مدة تتراوح بين 18-24 شهراً.

ومن المطالب المهمة لجميع قوى الثورة والتي تمت الإشارة إليها بوضوح في وثيقة قوى الحرية والتغيير، هي ضرورة إصلاح الجهاز القضائي والنيابة العامة والمحكمة الدستورية، بما يتماشى مع أوضاع النظام الديمقراطي.

قد حددت وثيقة قوى الحرية والتغيير بجلاء موقف التحالف من العملية السياسية، وهي وثيقة معروضة لكافة القوى الثورية للتعاطي معها من أجل توحيد الرؤى، خاصة وأن التحالف قد شدد مراراً على أن العملية السياسية ليست بديلاً للمقاومة المدنية السلمية المستمرة منذ وقوع الانقلاب، بل أنها تتكامل معها من أجل تحقيق أهداف وشعارات الثورة بشتى الوسائل المتاحة.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!