يحتاج لبنان إلى وسطاء للتفاوض مع إسرائيل
يحتاج لبنان إلى وسطاء للتفاوض مع إسرائيل

تزايدت خلال الأشهر الماضية أهمية غاز شرق المتوسط نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الغاز ورغبة أوروبا في الاستغناء عن الغاز الروسي وقرب شرق المتوسط من أوروبا، وفي هذا المناخ استضافت القاهرة الاجتماع السابع لمنتدى غاز شرق المتوسط بمشاركة وزراء الطاقة في قبرص وإسرائيل واليونان وايطاليا وفرنسا وفلسطين والأردن، بالإضافة إلى الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي والبنك الدولي كمراقبين، واتفق الحضور على زيادة إنتاج الغاز وعلى زيادة التسهيلات الأوروبية لضمان وصول الغاز للسوق الأوروبية بأسرع السبل، وتمّ في هذا المنتدى توقيع اتفاقية بين مصر وإسرائيل والإتحاد الأوروبي لتصدير الغاز إلى أوروبا لمدة خمس سنوات، كما تعهّدت رئيسة المفوضية الأوروبية بتقديم 100 مليون يورو كمساعدة فوريّة لمصر لدعم أمنها الغذائي وثلاثة مليارات يورو على دفعات لدعم الزراعة والمياه والصرف الصحي تقديرًا لدورها الرئيسي في منتدى غاز شرق المتوسط.

ولم يكن ينقص هذا المنتدى حتى تكتمل حلقة الدول التي تمتلك احتياطات من الغاز في شرق المتوسط سوى حضور لبنان، ولكنّ لبنان يعيش في عالم من المزاودات الإعلامية والشعارات الفارغة يختلف عن العالم الواقعي الذي تعيش فيه دول المنتدى، ففي حين تقول الأمم المتحدة ومبادرة السلام العربية والحكومة الفلسطينية نفسها أن ما يحدّ لبنان جنوباً هو دولة إسرائيل، تقول الحكومة اللبنانية أن ما يحدّ لبنان جنوباً هو "فلسطين المحتلة"، وفي الوقت الذي تقول فيه الأمم المتحدة أنه لا يوجد خلافات حدودية بين لبنان وإسرائيل وأنّ الخط الأزرق يمثل الحدود المعترف بها دولياً بين البلدين، ومع أن الحكومة السورية نفسها تقول أن مزارع شبعا أراضي سورية احتلتها إسرائيل في حرب 1967، تقول الحكومة اللبنانية أنها أراضي لبنانية تحتلها إسرائيل.

وبينما تتفاوض أغلب دول الإقليم مع إسرائيل وجهاً لوجه يحتاج لبنان إلى وسطاء للتفاوض معها، وسبب كل هذا التشنّج الاستعراضي وقوع لبنان تحت الهيمنة الإيرانية عبر حزب الله، وحاجة هذا الحزب لأجواء من الحروب الوهميّة تبرّر احتفاظه بسلاحه، رغم أن الهدف الحقيقي من هذا السلاح هو حكم لبنان وليس محاربة إسرائيل، وهذا ما أكّدته عمليات الحزب خلال القرن الحالي من غزوة 7 (أيار) مايو 2008 إلى اغتيال عشرات السياسيين والمثقفين اللبنانيين ابتداء برفيق الحريري وسمير قصير وجبران تويني ووسام الحسن حتى لقمان سليم، وتأكيداً على ذلك أصدرت المحكمة الدولية الخاصة بلبنان قبل بضعة أيام أحكاما بالسجن المؤبّد على عضوين في حزب الله بعد إدانتهما بالاشتراك في اغتيال رفيق الحريري.

لذلك يتّهم في لبنان كل من لا يكرّر شعارات الممانعة الزائفة هذه بالخيانة العظمى، ويُحكم بالسجن على أي شخص يدعو إلى السلام مع إسرائيل، وسحب مناخ المزاودة هذا على قضية ترسيم الحدود البحريّة مع إسرائيل، ففي عام 2007 وقّعت قبرص اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع لبنان وفي عام 2010 أبرمت قبرص اتفاقا مماثلاً مع إسرائيل ولكن الاتفاقين أوجدا مساحة 860 كلم مربع متنازع عليها بين البلدين تقع بين الخط رقم 1 المعتمد من قبل إسرائيل، والخط 23 الذي تعتبره الحكومة اللبنانية الحدّ الجنوبي لحدودها البحرية ولذلك أصدره لبنان في المرسوم الرئاسي رقم 6433 وأودعه لدى الأمم المتحدة عام 2010.

ولكنّ لبنان طالب فيما بعد بتوسيع حدوده البحرية حتى الخط 29 اعتمادا على دراسة أجراها الجيش اللبناني وأقرّها مكتب مسح بحري بريطاني بما يضيف إلى لبنان 1460 كلم مربع أخرى جعلت قسماً من حقل كاريش داخل المياه اللبنانية وكامل حقل قانا ضمن المياه اللبنانية، فتجاهلت الأمم المتحدة وإسرائيل هذا الطلب لأنه يختلف عن الموقف الرسمي اللبناني المسجّل في الأمم المتحدة، أي لن يترتّب على هذه المطالبة سوى دخول البلدين في مفاوضات لا نهاية لها بما يخدم أهداف حزب الله بإبقاء الوضع بين لبنان وإسرائيل على حاله.

ويبدو أن مثل هذه المزايدات تقليد متجذّر في هذه المنطقة، لأن نفس هذه المواقف صدرت من بعض المصريين بعد توقيع الحكومة المصرية اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع قبرص وتحديد الحدود البحرية مع إسرائيل، حيث خرج المعترضون على الشاشات في خطابات طنّانة تتحدث عن الغاز المصري المستباح بين قبرص وإسرائيل وأحضروا معهم خرائط تؤكّد أقوالهم كما يفعل بعض اللبنانيين اليوم، وزعموا أن مئات مليارات الدولارات قد ضاعت على مصر بهذا الترسيم الجائر، لكن من حسن حظ مصر أن الحكومة لم تصغي لهذا الهذيان لأنها لو فعلت لتأخر استخراج الغاز ولكان وضع مصر اليوم قريباً من وضع لبنان أي بدون كهرباء.

وسلّط الوسيط الأميركي أموس هوكستين في مقابلة مع قناة الحرة قبل بضعة أيام الضوء على كيفيّة تفويت فرص المفاوضات المثمرة، "لقد بدأت هذه المهمة منذ عشر سنوات ولو تمكنّا من إنجاز الاتفاق عام 2015 مثلا لكان هناك كهرباء وربما لتمكّن لبنان من تصدير الغاز اليوم بأسعاره العالية الحالية"، وعندما سألته المذيعة عن درجة المتانة القانونيّة للخط 29، أجاب: القضية المتينة هي القضية القابلة للتحقّق ويجب التوقّف عن المطالبة بالحدود القصوى لأنه في أي مفاوضات لابدّ أن يحصل كل طرف على شيء ما، وكذلك من الأفضل أن نفكّر بالبناء بدل التفكير بالتدمير، أي ليس كيف نستطيع منع الطرف الآخر من فعل شيء بل كيف نستطيع نحن القيام بشيء يفيدنا، فمثلًا إذا تم منع السفينة اليونانية من الحفر في حقل كاريش فلن يحصل لبنان على شيء وسيستمرّ اللبنانيون في النوم بدون مكيفات في هذا الجو الحار.

ولكن يبدو أن الطريقة العربية التقليدية في التعامل مع المفاوضات تقوم على مبدأ كل شيء أو لا شيء، ولذلك لم يكن هناك مانع من بقاء لبنان إلى ما شاء الله بدون ترسيم حدوده البحرية مع إسرائيل، ولكن اكتشاف حقول الغاز في هذه المنطقة ومشاهدة اللبنانيين للتعاون الإقليمي الذي شمل كافة دول شرق المتوسط باستثنائهم، بالإضافة إلى الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها لبنان دفعت الكثير من السياسيين اللبنانيين إلى تبنّي سياسات أكثر واقعية تمثّلت باتفاق رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء على موقف موحّد هو المطالبة باعتبار الخط 23 حدوداً بحرية للبنان، لمعرفتهم بضرورة استغلال الفرصة الحالية فأسعار الغاز المرتفعة لن تستمر لسنوات طويلة، كما أن الغاز نفسه لن يستمر كمصدر للطاقة إلى الأبد، بالإضافة إلى أن التقديرات الأوليّة تقول أن حقل قانا الذي يوجد ثمانين في المائة منه ضمن المياه الإقليمية اللبنانية يحتوي على احتياطي من الغاز يعادل ثلاثة أضعاف حقل كاريش مما قد يشكل نقطة البداية لإنقاذ لبنان، ولا مجال للاستثمار فيه بدون ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل.

وقد يكون الحل الأنسب محاولة معرفة رأي أوسع شريحة من الشعب اللبناني، وقد قال بعضهم في مقابلات تلفزيونية على الهواء وبكل وضوح أن كل ما يريدونه هو أن يعيشوا حياة طبيعية مثل القبارصة والمصريين فقد سئموا من الحياة في عالم الشعارات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ومع ميل الرئيس عون والرئيس بري الحلفاء الرئيسيين لحزب الله للتفاوض بمطالب واقعيّة مع إسرائيل لم يعد حزب الله يعرف ما عليه فعله، فهو لا يستطيع تأييد ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل لأنها قد تساعد في سحب ذريعة احتفاظه بسلاحه ولا يستطيع معارضة هذا الترسيم علنيّاً وتحمّل مسؤولية تفويت فرصة استثمار الغاز في هذا الوضع الاقتصادي الكارثي الذي يعيشه الشعب اللبناني، ويبدو وكأنه ينتظر حدوث أي إشكال أو عرقلة من أي طرف حتى يكشف عن موقفه الحقيقي الرافض لأي اتفاق.

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!