صورة الطالبة المقتولة "نيرة"
القاتل ذبح الضحية وسط الشارع.

تقدم لخطبتها، لكنها رفضته. حكاية قد تتكرر عشرات المرات في عدة مناطق عبر العالم! لكنها، في حكايتنا، ستنتهي بشكل مأساوي. 

البطل في حكايتنا شاب كملايين الشباب، نشأ في مجتمع علّمه ضمنيا أن الفتاة، مهما بلغ جمالها وذكاؤها وتفوقها ونجاحها، هي، في النهاية، موضوع اختيار وقبول ورفض واختبار وتقييم من طرف العريس وأسرته؛ بينما عليها، كأنثى، أن تشعر بالفخر والامتنان إذا اهتم بها أحدهم واقترح خطبتها. لذلك، فتعرضه للرفض جعله يشعر بالإهانة! شرع في التربص بها وتهديدها.. ثم اعترض طريقها أمام مدخل الكلية. طعنها بالسكين قبل أن يذبحها... 

أمام هذا المشهد المرعب، ماذا كانت الحشود تفعل؟ كانت تتفرج وتسجل الواقعة بالهواتف "الذكية". لم يحاول أحدهم منعه أو تخليصها من بين يديه. سجلوا الجريمة... نشروها على مواقع التواصل... وانصرفوا. 

تم إلقاء القبض على المتهم الذي اعترف بجريمته... والكلية، من جهتها، اكتفت ببلاغ تصرح فيه أن الجريمة وقعت "خارج أسوارها" وأنه على مستخدمي مواقع التواصل تبيان الحقيقة قبل نشر أخبار غير صحيحة! وفقط..  

هكذا نتعامل مع جريمة عنف وتحرش وقتل مع سبق الإصرار؛ مادامت القتيلة... مجرد امرأة!

بل أن، ضمن من أدانوا الجريمة، هناك من أضاف بأن القتيلة كانت "بنت ناس ومحترمة"، وكأن أخلاقها وسمعتها كانتا موضوع نقاش، أو وكأن كونها، مثلا، فتاة خارج معايير الأخلاق المتعارف عليها، كان سيجعل من قتلها أمرا مشروعا ومقبولا!!!! 

هناك من ذهب أبعد من ذلك. من بين هؤلاء، نجد مبروك عطية، عميد كلية الآداب الإسلامية الأسبق، الذي قال، حرفيا، في فيديو نشره على مواقع التواصل الاجتماعي:

"المرأة والفتاة تتحجب عشان تعيش، وتلبس واسع عشان ما تغريش (...). لو حياتك غالية عليكي، اخرجي من بيتكم قفة. لا متفصلة ولا بنطلون ولا شعر على الخدود، عشان وقتها حيشوفك اللي ريقه بيجري وحيذبحك.. يالله خليه يذبحك".

لنقلها صراحة، كل شخص يدين ضحية جريمة قتل أو اغتصاب، هو قاتل آخر يشرعن لجرائم قتل ممكنة مستقبلا! كل شخص يسأل عن ملابس الضحية وسمعتها، هو قاتل آخر يشرعن للقتل ويبرره. كل شخص أو منبر إعلامي يورد خبر القتل مع التأكيد على كون الضحية كانت بكرا أو كانت بأخلاق عالية هو شخص أو منبر يبرر القتل ويشرعنه بدافع الدفاع عن الأخلاق. 

للأسف، جرائم قتل النساء أصبحت تتكرر بشكل يُفترَض أن يقلقنا. بشكل متواتر، نقرأ عن جرائم ذهبت ضحيتها النساء بسبب "خلافات عاطفية" كما قال قاتل الطالبة نيرة. بسبب فسخ خطوبة. بسبب "الشك في سمعتها"...  والأبشع، أن نجد من يبرر الجريمة أو يجد أعذارا للقاتل. 

كيف نفسر جمود الجموع أمام شخص يطعن فتاة أكثر من مرة قبل أن يذبحها؟ كيف نفسر هذا البرود الجماعي أمام جريمة قتل يعيشونها بشكل مباشر، بل وقدرتهم على التوثيق الهاتفي، وكأنهم أمام حادث عابر؟ 

ثم، بعد قليل، سيخرج أمامنا من يقول: "حتى في الغرب، هناك جرائم قتل للنساء".

لهؤلاء نقول: وجود ظواهر سلبية أو جرائم في الغرب لا يعني قبولنا بها في مجتمعاتنا. 

ولهؤلاء نقول أيضا: في الغرب، هناك بالفعل جرائم كثيرة للعنف ضد النساء. لكن، هناك أيضا متابعات حقيقية لمرتكبي جرائم القتل والعنف ضد النساء، وهناك قوانين تحمي (رغم أنها لا تمنع من ارتكاب هذه الجرائم)، وهناك توثيق إعلامي وتنديد مجتمعي وحقوقي حقيقي بهذه الجرائم. في الغرب، لا يسائلون أخلاق الضحية، بل يدينون القاتل. في الغرب، يسمون جرائم قتل النساء: femenicide وليس "جرائم شرف". في الغرب، لا يكتب أحد، وهو يدين الجريمة، أن الضحية كانت بكرا أو أنها كانت بأخلاق عالية!

ثم، إن كنتم تبررون وجود جرائم عنف ضد النساء عندنا بكونها موجودة في الغرب؛ فلا تنسوا أنه، في الغرب، هناك حقوق للنساء، وهناك حريات فردية، وهناك حرية المعتقد، وهناك مساواة في الإرث، وهناك علمانية... أم أنك لا تستشهدون بالغرب إلا لكي تبرروا العنف ضد النساء وقتلهن؟

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!