نساء عربيات يشاركن في رقصة تقليدية  (تعبيرية)
نساء عربيات يشاركن في رقصة تقليدية (تعبيرية)

في مشهد مُروع وبشع، بل ومُرعب، قام شاب جامعي بذبح زميلته الجامعية "نيرة أشرف" بسلاح أبيض في مدينة المنصورة بمصر العزيزة. 

وقد غافل المجرم "نيرة" وانهال عليها غدرا بطعنات غائرة في أماكن متفرقة من جسدها، ولاحقها بعد ذلك حين خارت قواها بفعل طعناته. ولم يكتف المجرم بذلك فحسب بل لم يتورع عن إكمال جريمته بأن نحرها ذبحا من رقبتها بقطع طوله 12 سم وعمق ثلاثة سنتيمترات لتسقط المسكينة صريعة غارقة في دمائها، قبل أن يُمسك به بعض الأهالي ويسلموه للشرطة.

ومن الصعب وصف بشاعة ماحدث ولكنه يذكرني بآية كنت أقرؤها دائماً في القرآن الكريم ولكن لم أدرك عمقها إلا بعد حدوث هذه الجريمة البشعة وما لحقها من ردود فعل أكثر بشاعة. والآية هي: "ثُمَّ رَدَدْنَٰهُ أَسْفَلَ سَٰفِلِينَ" (سورة التين). 

فـ "أسفل سافلين" رأيته حينما قرأت تعليقات بعض "الإسلاميين" على شبكات التواصل الاجتماعي حينما قال بعضهم: "أكيد قتلها عشان أخلاقها مش كويسة"، وقال آخرون "إنتوا شايفين هي لابسة إيه" فكان كل همهم أنها غير محجبة وكأن ذلك سبباً وجيهاً لقتلها وذبحها! 

وشعرتُ حينما قرأت هذه التعليقات وغيرها من التعليقات التي تلوم الضحية بدلاً من صب اللعنات على القاتل، أن الإنسانية قد انحدرت لأدنى مستوى لها فنزلت إلى "أسفل سافلين" كما ذكر القرآن الكريم!

و"أسفل سافلين" رأيته أيضاً حينما شاهدتُ ما قاله المدعو "مبروك عطية" عن الحادث. 

ومبروك عطية لمن لا يعرفه  هو داعية، ومقدم برامج دينية معروف وأكاديمي مصري. وقد ولد في المنوفية عام 1958 والتحق مبكرا بالأزهر  وحصل على الدكتوراة مع مرتبة الشرف من جامعة القاهرة. وقد عمل رئيسًا لقسم الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر و حصل على ليسانس الشريعة والقانون شعبة الشريعة الإسلامية من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر.  

ولنا أن نتخيل أن من تعليقات الشيخ مبروك عطية على الحادث البشع هو مايلي :"الفتاة تتحجب علشان تعيش وتلبس واسع عشان متغريش، حياتك غالية عليكي اخرجي من بيتكم قفة؛ لا متفصلة ولا بنطلون ولا شعر على الخدود؛ هيشوفك إللي ريقه بيجري ومعاهوش فلوس وهيدبحك؛ ده واقع". فبدلاً من أن يتوعد مبروك عطية القاتل ومن يدعمونه بعذاب أبدي إذا به وكأنه يلوم الضحية بسبب عدم لبسها للحجاب "الإخواني"!

مشهد عبثي بكل المقاييس أن يخرج علينا مقدم برامج على إحدى القنوات التلفزيونية المعروفة ليجد مبرراً لقتل أي امرأة أو فتاة لا تلبس "الحجاب الإخواني"، والذي لم تعرفه مصر ولا شيوخ الأزهر قبل أن يطالب به حسن الهضيبي مرشد الإخوان حينما قابل الزعيم جمال عبد الناصر في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي وتم انتشاره بعد "الكبوة الإسلامية" في السبعينيات، والتي حولت الإسلام من معاملة الناس بالحسنى إلى طقوس وعبادات حركية.

وقد لايدرك البعض خطورة ما قاله مبروك عطية فهو، بصورة غير مباشرة، يبيح قتل أي امرأة بسبب زيها. فالمسيحية والسائحة الأجنبية وغير المحجبة والمحجبة التي لا تلبس "قفة" في نظره يصبحن أهدافاً مشروعة للقتل إن لم يرتدين "الحجاب الإخواني"!

وما قاله هذا الرجل، والذي تتبرأ الرجولة من أمثاله، هو تهديد لكيان المجتمع وإضرار بالأمن القومي وكينونة الدولة. ولكن الرجل يشعر بالأمان من العقاب فهو لا يتوقع أن يسجن بسبب ما قاله، لأنه كما يراه الكثيرون لم يجرم كما أجرمت فتيات الـ "تيك توك" بالرقص على الموسيقى أمام الكاميرا! فهو فقط يبرر ذبح البنات والنساء في مصر لا أكثر من ذلك ولا أقل! وأقول ذلك على سبيل التهكم على ما أراه من بشاعة لا يصفها إلا تعبير القرآن "أسفل سافلين"! 

ووسط هذا الظلام الحالك رأيت أيضاً أعلى "عليين" وومضة ضوء في رد فعل الكثيرين مثل المحامية الرائعة، نهاد أبو القمصان، والكاتبة، سحر الجعارة، والعديد من الناس الذين انتفضوا عبر وسائل التواصل الاجتماعي وشبكات التليفزيون للمطالبة بمحاكمة "مبروك عطية" وأمثاله من دعاة التطرف والظلم والكراهية!   

وللحديث بقية!   

حقوقيون ضد حقوق النساء
حقوقيون ضد حقوق النساء

في حديث جانبي عن أبوين فقدا ابنهما في ظروف مأساوية، ثم أنجبا طفلا آخر سنة بعد وفاة الأول، قال أحد الحاضرين في عفوية قاتلة: "الزوج لم يضيع الوقت... دفن ابنه، ثم، بسرعة، أدّى واجباته".

كان التعليق صادما. أولا، لأنه، على الأرجح، لا أحد حزن على وفاة ذلك الطفل أكثر من أبويه. لكن حياتهما تستمر ومن حقهما أن تكون لهما حياة جنسية بعد ذلك. ثانيا، لأن الحمل ينتج عن علاقة جنسية يعيشها طرفان اثنان، وليس فقط "زوج يقوم بواجباته"، وكأن الزوجة مجرد وعاء سُخِّر له، لكي "يقوم بواجبه" ويستمتع عبرها (وليس معها) بالعلاقة الجنسية. وثالثا لأنه، بعد العلاقة الجنسية التي ينتج عنها الحمل، فالمرأة تعيش، جسديا على الأقل، لوحدها مسؤوليات الحمل والولادة. فكيف اختزل رجل كل هذا المشترك وكل هذه التعقيدات الإنسانية وتفاصيل الحياة، وتفاصيل العلاقة الجنسية، والتعقيدات النفسية بعد وفاة الابن، والحمل والولادة، ووجع الفقد والوجع الجسدي الذي يرافق الإنجاب لدى النساء... في عبارة باردة عن "زوج يأدي واجباته مباشرة بعد دفن ابنه".

لكن الواقع أن هذا الحوار، (وهو حقيقي بالمناسبة)، ليس إلا نموذجا لعشرات الأمثلة حولنا، والتي تترجم تصورات بدائية وميزوجينية لعلاقات النساء والرجال. تصورات لا تصدر بالضرورة عن أشخاص غير متعلمين، بل أيضا من طرف إعلاميين وحقوقيين يفترض أنهم يساهمون في صناعة الرأي العام.

هذا تحديدا ما يمكن أن نسميه: الميزوجينية العفوية، أو الميزوجينية المضمرة. وهي تصورات نمطية لا يعترف صاحبها بميزوجينيتها؛ لكنها لا تترجم إلا تمثلا ذكوريا للعلاقات بين النساء والرجال، وللنساء عموما في علاقتهن بأجسادهن وبالفضاء العام وبالحريات. 

تترجم الميزوجينيةَ المضمرةَ كلُّ التصورات النمطية التي تبرر أفعال المعتدي بسبب ملابس النساء أو علاقاتهن السابقة أو بسبب وجودهن في مكان ما أو في ساعة متأخرة؛ التصورات العنيفة التي تكرس أجساد النساء كوعاء للمتعة الجنسية للرجل وليس كشريك في العلاقة الجنسية، النكات الميزوجينية التي يتناقلها البعض دون إشكال، النكات التي تبخس من ضرب النساء أو الاعتداء عليهن، لوم ضحايا العنف والاعتداءات الجنسية (Victimblaming)، تحميل النساء مسؤوليات الاغتصاب أو حتى تحميلهن بمفردهن نتائج علاقة جنسية رضائية كان طرفان شريكان فيها، نقاش العلاقات الجنسية الرضائية بمفهوم أخلاقي و/أو ديني يُطَبَّق حصريا على النساء، وغير ذلك. 

وحين يتم طرح كل هذا للنقاش، يعتبر الكثيرون أنها "حرب ضد الرجال" و"عداوة نسوية موجهة اتجاه الرجال". فكيف نتعامل مع تصورات مثل هذه، تصدر بشكل عفوي من طرف أشخاص، يفترض أنهم يساهمون في صنع التغيير؟

الحقيقة أننا، أمام قضايا حريات النساء والحريات الجنسية، نجد أنفسنا ليس فقط في مواجهة مع التيارات المحافظة أو تلك التي تنهل من مرجعية دينية (والتي يمكن أن نتوقع منها مواقف مناهضة لحقوق النساء وللحريات الفردية) بل أيضا في مواجهة مع الكثيرين ممن يفترض أنهم ينتمون للأطياف الحقوقية واليسارية. 

أمام الخطابات المحضرة سلفا، سيتحدثون عن حقوق النساء وعن المساواة و "عن النساء شركاء الرجال" وعن "المرأة التي هي أختي وزوجتي وابنتي" (وكأنها لا يمكن أن تكون خارج هذا). لكن أمام منعطفات العفوية، تخذلهم تصوراتهم الميزوجينية التي يرفضون حتى الاعتراف بها. يدافعون عن متهم بالاغتصاب مهما كانت الأدلة واضحة (تعدد الحالات، أو وجود فيديوهات قطعية مثلا) ويتهمون الضحايا بنصب فخاخ للمعتدين لأنهم مشاهير أو "مناضلون" أو غير ذلك.

يختزلون النساء في جسد. يقيمون نفس الممارسات بـ"الفحولة" لو أتاها رجل وبـ "الانحلال" لو كانت من فعل النساء. يتهمون النساء بالفساد حتى لو كن ممثلات تؤدين دورا في فيلم، ويباركون للرجال غزواتهم الجنسية!

ربما لهذا تحديدا قالت هيئة الأمم المتحدة للمرأة سنة 2022 إننا، بالوتيرة الحالية، نحتاج، في العالم، لـ 286 عاما كي تحقق النساء نفس الحقوق القانونية ونفس فرص الحماية التي تتوفر للرجال. لكن، كم نحتاج لكي تتغير العقليات ولكي يتوقف الميزوجينيون عن اعتبار النساء مسؤولات حصريات عن الحمل، وعن فساد الأخلاق، وعن أشكال الخلل في العلاقات الزوجية... ولكي يتوقفوا عن اعتبار العلاقة الجنسية إنجازَ فحولة، بينما هي في الحقيقة علاقة بين اثنين... لا هي يفترض أن تعظم الفحولة ولا هي يفترض أن تهين الأنوثة!