العاهل الأردني منح ولي العهد السعودي قلادة الحسين بن علي أرفع وسام مدني في المملكة الأردنية الهاشمية
العاهل الأردني منح ولي العهد السعودي قلادة الحسين بن علي أرفع وسام مدني في المملكة الأردنية الهاشمية

بعد ثلاث سنوات من الحذر والعُزلة، تحرك الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، ليُعيد وصل ما انقطع، ويُقدم نفسه حاكما قادرا على الصمود والمواجهة والبناء والتجديد. 

فطوال السنوات الماضية منذ توجيه أصابع الاتهام له بالضلوع في قتل الصحفي، جمال خاشقجي، واجه أياما عصيبة، تطلبت منه قدرا كبيرا من الصبر والصمت والدبلوماسية والمناورة لإعادة تأهيل نفسه لاعبا رئيسيا في بلاده، وعلى المسرحين الإقليمي والدولي. 

في جولته الإقليمية التي استهلها في مصر، ثم الأردن، ومنها إلى تركيا يقطف ولي العهد السعودي الثمار قُبيل القمة المرتقبة مع الرئيس الأميركي، جو بايدن، في جدة منتصف الشهر المقبل، ويطوي ملفين هامين، الأول مقتل خاشقجي الذي سلمته، وعهدت به أنقرة إلى الرياض، وهو إقرار واضح بأنه لن يُستثمر، ويوظف سياسيا، وعلى ذات المنوال فإن حضور بايدن إلى السعودية يؤشر بشكل جليّ إلى أن سياسة "نبذ" محمد بن سلمان، ومحاصرته، قد انتهت مهما ادعى بايدن غير ذلك. 

الملف الثاني الذي خلّف احتقانا وخلافا غير مُعلن بين عمّان والرياض، كان قضية الفتنة، واتهام باسم عوض الله المستشار المُقرب من ولي العهد السعودي بالتورط، والضلوع بها، مما ألقى بظلال على وقوف، وتدخل جهات خارجية بها، وقيل، وأشيع إن السعودية طالبت بالإفراج عن عوض الله الذي يحمل جنسية سعودية وأميركية، لكن العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، الذي وصفه بخائن الأمانة، وأصدر أوامره بتقييد حركة أخيه الأمير حمزة المتهم الرئيسي في القضية، لم يستجب للمطالب والرغبة السعودية. 

زيارة محمد بن سلمان إلى عمّان، والاحتفاء الواضح باستقباله، ومنحه قلادة الحسين بن علي أرفع وسام مدني في المملكة الأردنية الهاشمية، توحي أن الخلافات قد مضت، وأن المصالح تقتضي تشبيك الأيدي معا، وما تعذر حله اليوم، وكان سببا في تعكير صفو العلاقات، سيتم تجاوزه بسهولة غدا. 

كان الملك عبد الله يقظا حين أصر ألا تُلحِق قضية الفتنة أذى بعلاقاته بدول الجوار الإقليمي، ورغم اعترافه بوجود ارتباطات خارجية، كان صارما بالقول إن توجيه أصابع الاتهام للآخرين لن يساعدنا، فهناك ما يكفي من تحديات في المنطقة. 

أكثر من ذلك؛ فالعاهل الأردني الذي حظي بمعاملة تفضيلية في البيت الأبيض، والتقى الرئيس بايدن مرتين، قرر كسر طوق الحصار عن بن سلمان، والرئيسين الإماراتي، والمصري، ولعب دور الوساطة مع الإدارة الأميركية، وفي زيارته الأخيرة أبلغ الرئيس الأميركي أن الزعماء العرب يشعرون بمرارة إدارة الظهر لهم والتخلي عن قضاياهم، وأنهم لن ينتظروا واشنطن بعد اليوم لتقدم لهم الحلول. 

كان ولي العهد السعودي حتى وقت قريب يشعر أن رأسه مطلوب، فالرئيس التركي يُناصبه العداء، ويسعى إلى زعامة "الإسلام السني"، والحال تبدل، والرئيس رجب طيب إردوغان، بحفاوة بالغة فتح أبواب إسطنبول لولي العهد السعودي، وبالتوازي فإن كل صخب الخلافات بين طهران والرياض لا تُخفي الاجتماعات السرية والعلنية التي تؤشر إلى أن التوترات يمكن احتواؤها والسيطرة عليها. 

ما تبقى من أزمات في طريق بن سلمان، كانت الحرب الروسية على أوكرانيا كفيلة بتحجيمها وتبديدها وفتح ممرات آمنة له، ولدول الخليج ليفرضوا أجندتهم، ويدفعوا "خصومهم"، إن صحت التسمية، لمراجعة سياساتهم والسعي إلى شراء ودهم. 

تُعيد جريدة "فايننشال تايمز" إنتاج نفس السردية التي تتكرر تحت عنوان "الصفقة مع الشيطان"، واصفة سياسات الرئيس بايدن بالمثيرة للجدل، وتتلخص بالنفط مقابل حقوق الإنسان، واعتماد الديمقراطيات الغربية على الأنظمة الاستبدادية، وفي سبيل ذلك تغض النظر عن انتهاكات حقوق الإنسان. 

لا جديد في كلام الـ "فايننشال تايمز"، فالمصالح تتقدم على المبادئ، وأزمة الطاقة، والغذاء التي أنتجتها الحرب على أوكرانيا غيّرت البوصلة، والتحالفات، وأجبرت الأميركان والأوروبيين على مراجعة حساباتهم. 

تريد أميركا وأوروبا من السعودية، ودول الخليج أن تزيد إنتاج النفط لتعويض انخفاض إنتاج النفط الروسي، والتقديرات في الصحافة الغربية تُشير إلى أن السعودية تقف إلى جانب روسيا في "أوبك بلس"، والأمير السعودي عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة يُريد للسياسة أن تبقى خارج أوبك، رغم المرونة التي أبديت، والحديث غير المُنقطع عن التوصل لاتفاق لتعويض النقص في الإنتاج النفطي. 

أمضى الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، سنوات حكمه في مقايضة زعماء الخليج ماليا وسياسيا، وكان عرابه في إنجاز الصفقات، زوج ابنته كوشنير، واليوم يعود الرئيس بايدن لعقد قمة خليجية يحضرها أيضا زعماء مصر والأردن والعراق، وسؤال المتابعين؛ ما هي أجندة هذا اللقاء الذي أسماه بايدن اجتماعا دوليا؟ وماذا تريد واشنطن في هذا الوقت؟ وماذا يريد الزعماء العرب؟ 

تُروج إسرائيل أن القمة في جدة ستتبنى إنشاء تحالف إقليمي- سياسي- أمني، تقوده واشنطن، وتل أبيب تحتل مكانة بارزة فيه، وتسربت معلومات عن مشروع أطلق عليه "الإنذار المُبكر" تُدمج فيه الدفاعات الجوية الإسرائيلية مع عدد من الدول العربية للتصدي، ومواجهة "الخطر الإيراني".

وكل هذا الكلام لا يمكن دحضه، فهناك مؤشرات إلى أن دولا خليجية تستفيد وتستخدم رادارات عسكرية إسرائيلية، لكن أيضا لا يمكن تعميمه ليصبح مشروعا إقليميا تقوده تل أبيب، ويحقق أجندتها في مواجهة علنية سافرة مع إيران. 

في حرب "بالونات الاختبار" عن أهداف قمة بايدن في السعودية تتواتر المعلومات أن الرئيس الأميركي يأمل أن يُنجز ترتيب اتفاق بين الرياض وتل أبيب مرتبط بالأمن الملاحي بمضيق تيران بعد أن تتسلم السعودية سلطاتها على الجزيرتين من الحكومة المصرية، وبعد أن اشترطت الرياض رحيل القوات متعددة الجنسيات التي كانت تُشرف منذ اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل على ترتيبات الملاحة، وتعهدت بأن تضمن حرية الملاحة بما فيها تحليق، ومرور الطيران الإسرائيلي في مجالها الجوي. 

إسرائيل وإيران ستكونان حاضرتين بالنقاشات في قمة جدة الشهر القادم وإن غابتا، ولكن المتغيرات العالمية التي نشأت بعد الحرب الروسية الأوكرانية تحتل الصدارة، وتسعى واشنطن، ومن خلفها أوروبا إلى إعادة الدول العربية إلى مظلتها، والاصطفاف معها، والتوقف عن مغازلة موسكو حتى ولو كان من قبيل العتب، وهذه الاستدارة سيكون لها كُلفتها، وأول الالتزامات ضمان أمن الطاقة. 

على أجندة القمة ستحضر قضية اليمن، وإنهاء الحرب أولوية، والمشكلة التي يُدركها اللاعبون، تشابك الملفات، فالصراع في اليمن لا يمكن فصله عن الأزمات في العراق، وسوريا، ولبنان، والمطلوب تسوية تضمن تلازم المسارات، والقول الفصل، ومفتاح الحل موجود في طهران. 

سيجني الأردن مكاسب سياسية، وقبلها اقتصادية من زيارة بن سلمان، فحجم التبادل التجاري بين البلدين يبلغ 4.2 مليار دولار، والاستثمارات السعودية في الأردن تُناهز 12 مليارا، والحديث يجري عن مشروع سكة حديد بين عمّان والعقبة، وآخر في قطاع الرعاية الصحية، وأوامر لصندوق الاستثمار السعودي بالتوسع في مشاريعه، وبرامجه. 

والقمة الدولية التي سيحضرها بايدن ستُذكر الزعماء العرب بأجندتهم الغائبة، فهم عند الطلب توحدهم مصالح غيرهم، وذاتها تفرقهم، وتجعلهم خصوما. 

على واقع هواجس حرب كونية يتحرك العالم، ويُعاد ترتيب التحالفات، والعالم العربي في عين العاصفة، فإن لم يكن مختبرا للصراعات، فإنه مُطالب بتسديد كُلفتها، فهو الخزان الذي يدفع دما، ومالا دون حساب. 

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.