علم الفخر
يبدو أن المثلية الجنسية قد أصبحت في السنوات الأخيرة هاجسا مقلقا للعديد من الحكومات العربية

يبدو أن المثلية الجنسية قد أصبحت في السنوات الأخيرة هاجسا مقلقا للعديد من الحكومات العربية. ولم تعد هذه الحكومات تكتفي بالتعبير عن انزعاجها من هذه المظاهر عبر سن القوانين أو القيام بحملات إعلامية مناهضة، بل أخذ الأمر شكل الانخراط المباشر والصدامي في بعض الأحيان.

فقد استدعت الخارجية الكويتية (2 يونيو 2022) القائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة بالإنابة في الكويت للاحتجاج "على خلفية نشر السفارة في حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي إشارات وتغريدات تدعم المثلية".

وكانت السفارة نشرت تغريدة على تويتر قالت فيها: "دفاعاً عن حقوق الإنسان لأفراد مجتمع الميم، قال الرئيس بايدن: "يستحق كلّ الناس الاحترام والكرامة والقدرة على العيش دون خوف بغض النظر عمن هم أو من يحبون".

وفي البحرين استنكر عدد من الفعاليات السياسية والاجتماعية والدينية قيام السفارة الأميركية هناك بنشر تغريدة مماثلة على حسابها الرسمي في تويتر تدعم المثلية. 

وأصدر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية البحريني بيانا (30 مايو 2022) أوضح فيه "متابعة المجلس باستياء كبير تنامي الحملات الممنهجة لترويج فاحشة الشذوذ الجنسي في العالم، بقيادة قوى ومنظمات عالمية تسعى جاهدةً لتشويه الفطرة البشرية، وهدم القيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية، واختراق المجتمعات المحافظة، خصوصًا الإسلامية منها، لزعزعة قيمها السوية".

وفي حادث آخر أعلنت الإمارات (13 يونيو 2022) منع عرض فيلم "لايت يير"، للرسوم المتحركة، الذي يتخلله مشهد قبلة مثلية بين امرأتين، في دور السينما المحلية، معللة ذلك "لمخالفته معايير المحتوى الإعلامي المعمول بها في الدولة".

وكانت السعودية طلبت في أبريل الماضي من ديزني إزالة "إشارة إلى مجتمع المثليين" من فيلم " دكتور سترينج" من إنتاج أستوديوهات "مارفل" لكي تسمح بعرضه في دور السينما. ولم يُعرض الفيلم في الصالات السعودية في نهاية المطاف.

كما تم منع عرض الفيلم في عدد آخر من الدول العربية مثل مصر والكويت وقطر والبحرين للسبب نفسه. 

وتتعدد أشكال الرفض للمثلية والمثليين. ففي 14 يونيو 2022 بثت قناة الإخبارية السعودية تقريرا عن قيام ممثلين لوزارة التجارة السعودية بمصادرة ألعاب وقمصان ومتعلقات للأطفال بألوان قوس قزح الذي يرمز لمجتمع المثليين من محال ألعاب الأطفال في الرياض. وتقول الوزارة إن الخطوة تستهدف البضائع "التي تنافي العقيدة الإسلامية والآداب العامة وترويج الألوان المثلية وتستهدف الأجيال الناشئة".

ويقول التقرير إن هذه الخطوة تأتي في إطار حملة حكومية أوسع لمكافحة "المثلية الجنسية". 

وفي مصر حذر خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، (16 يونيو 2022) من مخاطر ما وصفها بالدعوة العالمية لتقبل المثلية الجنسية، قائلا "نحن في مرحلة ما بعد شيوع الفاحشة، نتعرض الآن إلى الدعوة لفعل الفاحشة والضغط والإكراه لفعلها".
وأضاف خلال تقديمه لبرنامج "لعلهم يفقهون"، على قناة "DMC"، أن "المنظمات الدولية المدعومة بمنظمات صهيونية عالمية، تسخر إمكانيات بالمليارات لاقتناص الأطفال في العالم العربي".

كما نشرت وزارة التجارة والصناعة الكويتية على موقعها على تويتر (19 يونيو 2022) تغريدة دعت فيها الكويتيين إلى الإبلاغ عن علم المثليين أو "أي شعارات أو جمل تدعو أو توحي بمخالفة الآداب العامة"!

الواقع أن المنشور أعلاه هو غيض من فيض لردود الفعل العربية والإسلامية على تنامي الوعي العالمي بمسألة المثلية واتخاذه أشكالا علنية ولا سيما المسيرات الكبيرة التي تجري في شهر يونيو من كل عام وكذلك تبني مختلف القطاعات الفنية والرياضية العالمية وغيرها دعم قضية المثليين والدفاع عن حقوقهم. 

ومن المفهوم أن الكثيرين في المجتمعات المسلمة لا يشاطرون نظراءهم في العديد من دول العالم رؤيتهم لهذه المسألة، سواء لأسباب دينية أو اجتماعية، لكن الأمر الملفت هو ردة الفعل العنيفة على ذلك والتي وصلت إلى حد تصوير الأمر على أنه حرب تستهدف العالم الإسلامي تحديدا بهدف تخريب وتدمير هذه المجتمعات والعبث بأخلاقها!

والذين يصورون الأمر على هذا النحو من الواضح أنهم ينطلقون من نظرية المؤامرة، ومن شأن ذلك أن يدخل العلاقة المتأزمة أصلا بين الجانبين، والتي تكتنفها الريبة والشكوك، مرحلة جديدة. فمن جهة لن تتراجع الدول الغربية عن دعم المثلية، بل العكس هو الصحيح، حيث إن وجود المثليين على اختلافهم في هذه المجتمعات بات أمرا طبيعيا وتجرم القوانين التمييز ضدهم في العمل وفي الحقوق، وهناك اتجاه متزايد لتمكينهم في كافة المجالات وخاصة السياسية منها، وهذا يعني أن حضور المثليين ومظاهر المثلية سوف يتعاظم في المستقبل.

ومن شأن ذلك بالطبع أن يفاقم حساسية المسلمين ومجتمعاتهم من هذه المسألة، الأمر الذي يطرح تساؤلا جوهريا عن كيفية الخروج من هذه المعضلة وكيف يمكن تفادي الصدام المحتمل؟

باعتقادي أن المسلمين سوف يضطرون في النهاية للاعتراف والتكيف مع مسألة المثلية الجنسية، كما تكيفوا من قبل مع دخول الطابعة وإلغاء وتجريم الرق وكذلك تعليم الفتيات وغيرها من القضايا التي أثارت في بدايتها زوبعات مجتمعية ودينية وردود فعل بعضها اتسم بالعنف. لكن في النهاية أمكن إيجاد تفسيرات ومبررات لقبول هذه المستجدات، ولا أتصور أن الأمر سوف يختلف مع مسألة الاعتراف بالمثلية التي أصبحت مدا عالميا ولم تعد مجرد قيمة ثقافية غربية. ومن نافل القول إن الرافضين سوف يجدون صعوبة متزايدة في التوفيق بين الاندماج في الحضارة الحديثة وفي الوقت نفسه الاستمرار في التنكر وإظهار العداء لحقوق المثليين.   

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.