السعودية ستكون أول محطة للمؤرخة الأميركية
السعودية ستكون أول محطة للمؤرخة الأميركية

تصل المؤرخة الأميركية ومسؤولة وزارة الخارجية في ملف معاداة السامية، ديبورا ليبستاد، إلى المملكة العربية السعودية نهاية الأسبوع في زيارة تعكس متغيرات على الأرض في الرياض وتحولات في العلاقات مع واشنطن وفرصا مستقبلية للجانبين.

زيارة ليبستاد للمملكة هي الأولى لها خارجيا منذ توليها المنصب في أبريل الفائت وستشتمل أيضا الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل. إنما اختيار المبعوثة الأميركية السعودية كأول محطة خارجية ليس من باب الصدفة وتحيطه اعتبارات سياسية واجتماعية أهمها:

انفتاح سعودي على فكرة التعاون مع واشنطن في ملف معاداة السامية. ليبستاد تحدثت في لقاء لنا هذا الأسبوع عن ترحيب سعودي في الزيارة، واندفاعة مشتركة للتعاطي مع قضايا محورية من المناهج التعليمية إلى مكافحة التطرف. هذا الانفتاح لم يكن موجودا في ٢٠١١ عند زيارة المبعوثة يومها، هانا روزنثال، للرياض. 

كما أن هناك اختلافات في النهج بين ليبستاد وروزنثال، فالمبعوثة الحالية تؤكد أنها ليست في موقع للإملاء على أي طرف ما يجب القيام به في السعودية، إنما تسعى إلى العمل المشترك نحو هدف مشترك وتقر بتحديات واشنطن خصوصا في ضوء صعود حركات يمنية "نيو-نازية" في الولايات المتحدة. 

والسعودية في ٢٠٢٢ تختلف بشكل جذري عن السعودية في ٢٠١١. فالإصلاحات الاجتماعية الضخمة التي واكبت صعود ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، مهدت لانفتاح وقبول للتعددية الفكرية طالما أن لا تهديد فيها للسلطة. وفي ملف معاداة السامية، هذا يستبدل الفكر الأصولي والوهابي الذي كبل المملكة لعقود بأفكار أكثر ليبرالية وتحررا. فالشرطة الدينية جرى قطع امتيازاتها، فيما هناك فرص أكبر للمرأة السعودية والشباب السعودي الذي يشكل أكثرية سكانية في المملكة.

المبعوثة الأميركية تدرك هذه التحولات وستزور الرياض وجدة كما ستلتقي بمجموعات شبابية.

التحول أيضا يطال النظرة والعلاقة، ولو من تحت الطاولة، مع اسرائيل. فمن فتح أجواء السفر الى الاستثمار عبر طرف ثالث في شركات تكنولوجية في إسرائيل، تنتقل السعودية تدريجيا من معسكر رفض التطبيع بالكامل إلى التأقلم مع متغيرات أمنية وسياسية. هذا الأمر ممكن اليوم لأن الفئة الشبابية هي الأكثرية في المملكة، وهذه الفئة، وبخلاف من سبقها، غير ملتزمة بالقضية الفلسطينية أو حروب ١٩٤٨ و١٩٦٧ أو المقاطعة النفطية التي قادتها المملكة ضد إسرائيل في أوائل السبعينيات. 

هذه الفئة هي أيضا أقل تدينا وأكثر انفتاحا اقتصاديا وثقافيا على الغرب. ولذلك ترى المبعوثة الأميركية لمعاداة السامية فرصة للبناء على مبادئ مشتركة تستعيد تاريخ اليهود الطويل في المنطقة، والتقاطع اليهودي-العربي-الإسلامي الذي سبق ١٩٤٨. هذا لا يعني أن زيارة ليبستاد ترتبط بفرص التطبيع السعودي مع إسرائيل، فهذا ليس ملفها أصلا، ومنفصل عن جهود إصلاح المناهج التعليمية ونبذ الكراهية والعنصرية ضد اليهود.

ليبستاد تنوه بأن عقيدة الكراهية لا تميز بين فئة وأخرى وهي قد تبدأ باليهود وتنتهي بالمسلمين أو المثليين أو أقلية أخرى. هنا تتفوق الليبرالية الأميركية على النموذج الفرنسي مثلا الذي يتبنى بشكل فاضح سياسة التمييز ضد الحجاب، وما قرار محكمة فرنسية هذا الاسبوع بمنع ارتداء حجاب خلال السباحة إلا دليل على ذلك. 

لا يمكن فصل زيارة ليبستاد عن مناخ يزداد دفئا اليوم بين السعودية وواشنطن وقبل أسبوعين من زيارة الرئيس، جوزيف بايدن، إلى جدة. أقله هناك اليوم رغبة من الطرفين بحوار وتعاون جدي من اليمن إلى مكافحة الإرهاب إلى سوق النفط، وقبل صفحة التشنج التي رافقت العام الأول من رئاسة بايدن. 

زيارة ليبستاد ستشمل أيضا الإمارات ولترسخ نهجا أميركيا من الحزبين بتبني الاتفاق الإبراهيمي وتعزيزه، وتعكس نجاح رهان أبوظبي بأن الاتفاق سيفتح نوافذ سياسية واقتصادية واجتماعية عدة وقد يحصنها في واشنطن. السعودية قد تمضي برهان مماثل، إنما ترحيبها بالمبعوثة الأميركية هو مؤشر متغيرات ملموسة وصيف أكثر دفئا بين واشنطن والرياض. 

أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية
أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية

قبل خمس سنوات بالتمام والكمال بدأتُ بكتابة مقال أسبوعيّ في موقع الحرّة في بوابة (من زاوية أخرى)، وكانت المساحة الفكرية التي أعبّر فيها عن قراءة الأحداث السياسية في العراق وما يدور حوله، وسوى النوادر من المقالات ذات الطابع الفكريّ البعيد عن السياسة. واليوم أكتب المقال الأخير، والذي أخصصه لِلتأمل في تجربة كاتب مقالات قد بدأ أولى تجاربه في كتابة "مقال الرأي". 

ربما تكون شهادتي مطعونا فيها، ولكن رغم ذلك يجب أن اعترف بأنني طوال سنوات الكتابة في موقع الحرّة تمتعتُ بكامل الحرية في التعبير عن آرائي ووجهات نظري ومن دون إملاءات أو أي اعتراض على عنوان مقال أو متنه. وربما تعدّ هذه المساحة الكاملة مِن الحرية مفقودة في الكثير من المواقع والصحف والمجلات العربية. وهذا ليس رأيي فحسب، وإنما هو ما اتفقنا عليه أنا والزميل رستم محمود في آخر اتصال بيننا.  

لا تخلو تجربة كتابة "مقال الرأي" مِن تحدٍ فرضه أسلوبُ سرد الأفكار بطريقة مختصرة، على العكس من أسلوب كتابة البحث العلميّ الذي تعودتُ عليه في دراساتي وعملي الأكاديمي.

والأكاديميون متّهَمون، مِن قبل "ستفين بنكر/ Steven Pinker" أستاذ علم النفس في جامعة هارفرد، بأنّهم سيئون في الكتابة. فالاستغراق بالنظريات والمفاهيم وتعقيداتها في مجالات البحث العلمي يكون ضمن مساحة واسعة وغير محددة، كما في مقال الرأي الصحفي. والكتابة الواضحة هي أصعب بكثير من تلك الغامضة، كما يقول ألان دونو، مؤلّف كتاب (نظام التفاهة).  

لذلك حاولت جاهدا أن أجاري أسلوب أساتذة قرأتُ لهم مقالات في الصحف والمجلات أبدعوا فيها، كما أبدعوا في مجالات التأليف الأكاديمي والبحث العلمي، ومن أهم تلك الأسماء، الدكتور عصام الخفاجي، وأستاذي الراحل الدكتور فالح عبد الجبّار، والدكتور توفيق السيف، والدكتور رشيد الخيّون الذي ينقد الحاضرَ باستحضار التاريخ وشخوصه وحوادثه من دون أن يتجاوز الدقّة والأمانة العلمية. وكذلك أستاذي الدكتور جابر حبيب جابر الذي كان أوّل أكاديمي عراقيّ متخصص في العلوم السياسية يكتب مقال رأي في صحيفة الشرق الأوسط بعد 2003. وكنت أحاول في كل مقال أن أستحضر هذه النماذج في الأسلوب الصحفيّ والرصانة العِلميّة.  

لكنّ لِلكتابةِ، وأنت تعيش في العراق، محذورات تشابه السيرَ في حقول الألغام! فإذا كان الكاتب في العالَم العربي فإنّه يستشعر خطر مواجهة السلطة أو الدكتاتورية التي تختزل سطوتها بعنوان (أنا الدولة والدولة أنا). فالكاتبُ في بلد مثل العراق يواجه حكومات مصابة بِعَمى السلطة، ولا تريد أن تسمع من الصحفيين والإعلاميين وكتّاب "مقالات الرأي" إلا الإشادة بمنجزاتها أو تبرير إخفاقاتها بتسويق نظرية المؤامرة، وتريد من الجميع أن يسيروا في جوق المطبّلين لرئيس الحكومة.

وفي الجانب الآخر يواجه الكاتبُ قوى اللادولة والمليشيات ومافيات السياسة والفساد، وخطورة العيش في مناطق نفوذهم وسطوتهم، حيث تفرض عليك الحذر مِن تسمية الأشياء بعناوينها الحقيقة. حتّى اضطررنا إلى استبدال مفردة "المليشيات" بعبارة (قوى السلاح المنفلت)، والفساد أصبح له أكثر من شكل وممارسة ونمط سلوك يتغلل في العلاقات بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حتى تحول إلى ثقافة وسلوك تتمظهر في الكثير من علاقات وتفاعلات المجال العام.  

أما أكثر المحظورات فهي زعزعة القناعات بشرعية الرمزيات السياسية، التي تريد أن تفرض نفسها على المجتمع وتفرض بقاءها في السلطة وممارسة النفوذ السياسي بعناوين وهميّة، حصلت عليها من الانتماءات الأسرية، أو من خلال وصولها إلى منصب سياسي، أو علاقتها مع مافيات الفساد التي تريد أن تصدرها كواجهات سياسية.

كل هذه العناوين تدخل في معركة مع كلّ مَن يريد إثارة الأسئلة حول مصدر تسلطها على رقاب الناس، ومحاكمتها عن توسع ثروتها المادية وسيطرتها على مؤسسات الدولة ونهبها لاقتصادها.  

صحيح أنَّ في العراق تنتشر ظاهرة السياسيين الأميّين، الذين لا يقرأون ولا يتابعون التعليقات على مواقفهم وتصريحاتهم السياسية؛ لأنّهم مصابون بمرض النرجسية السياسية، فمثل هؤلاء المرضى لا يريدون أن يسمعوا النقدَ والانتقاد، بل يريدون أن يتحدثوا فقط ومِن أن دون يصغوا لصدى الشارع ومقالات الصحافة ومتابعة ردود أفعال الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. ولذلك كان انتقادهم في "مقالات الرأي" تحفيزا للجمهور الذي ينتقد سطوتهم وتسلطهم. 

إنَّ الأعم الأغلب من المقالات المنشورة في (من زاوية أخرى) تنطوي على سجالات ومناقشات حول بُنية النظام السياسي في العراق، وتجربته نحو التحوّل الديمقراطي التي لا تزال هشّة، ومحاولة لترك المقارنات العقيمة بين السيء والسيء، ومناقشة كيفية الانتقال في تجربة تبنّي الديمقراطية من الهشاشة إلى النضوج. والتي أرادت القوى السلطوية بسلوك المراهقة السياسية أن تبقي على الفوضى والخراب الذي أسست بنيانَه منذ اليوم الأول لِسقوط صنم الدكتاتورية في نيسان (أبريل) من عام 2003.  

وقد حاولتُ جهد الإمكان أن أنقد السلطةَ وأحزابها وقواها، ولكنني كنت أدعو في كثير مما كتبته إلى استعادة الدولة التي فقدتْ هيبتَها وسيادتَها وقدرتَها على احتكار العنف في المجتمع. ولعلَّ الخيط الرفيع الذي يفرق بين الدولة والسلطة كان يثير الكثير من المشاكل مع القرّاء وحاشية الحكومات وجيوشها الإلكترونية.  

وختاماً، معركتنا مع نقد جمهورية الفوضى والفساد والفرهود التي أسستها القوى السلطوية في العراق، توقفت في موقع الحرّة ببوابة (من زاوية أخرى). ولكنَّ الحربَ مع تلك القوى لن تنتهي، وستكون هناك محطّات ومواقع لِلمواجهة، فالكتابةُ هي سلاحنا لِتعرية قوى الفساد والخراب ومَن يريد أن يسلب العراقيين دولتَهم.